رؤية مبدئية واصلاحية حول فلسفة الضمان الاجتماعي وسبل الارتقاء به الى مستوى افضل

كانون1 24, 2020

- المرصد    

عصام زيدان-  بعد مرور أكثر من خمسين عاما على اقرار قانون الضمان الاجتماعي وأكثر من 45 عاما على البدء بتنفيذ معظم فروعه ، أسئلة كثيرة تدور في أذهان اللبنانيين  الذين يشكل الضمان بالنسبة اليهم آخر حصن من حصون الدعم الأجتماعي لبقائهم في وطنهم وعدم الهجرة منه، سيما وأننا نعيش راهنا في ظل أزمة وجودية تهدد مصير الوطن على مختلف المستويات .. ولسان حال الجميع هل سيبقى الضمان؟ وما هو مصير مستقبلنا المرهون به ولا سيما المدخرات في تعويض نهاية الخدمة وديمومة تقديماته الصحية والعائلية؟

إن الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي هو من المؤسسات الرائدة التي أنتجها عهد اللواء فؤاد شهاب في لبنان "الذي عرف بعهد المؤسسات الوطنية وبناء الدولة" والذي يعتبر الضمان فيه من أهم إنجازاته "التي لازلنا ننعم بما تبقى من تقديماته الاجتماعية" على صعيد حماية الفئات الضعيفة في لبنان من المخاطر الإجتماعية . 

ويكفي الإشارة الى أن الصندوق الذي تقدر موجوداته بحوالى 13500 مليار ليرة لبنانية والتي يستثمر منها أكثر من الثلث في سندات الخزينة وله على الدولة 4000 مليار ل.ل.ديون ومتأخرات ، ومع ذلك لا يزال يؤمن تقديماته لحوالى مليون ونصف مليون لبناني، ويضخ للمستشفيات المتعاقدة معه 57 مليارل.ل.شهريا "سلفات" على حساب خدمات صحية تؤديها لحوالى 300ألف مضمون سنويا، ويغطي نفقات العلاج خارج المستشفيات بقيمة تصل إلى 176 مليار ل.ل. ولا سيما الحالات الخاصة (الأمراض المستعصية والمزمنة)، إضافة إلى تقديمات عائلية تصل لحوالى 800 ألف مستفيد "عائلات المضمونين".

إن بقاء دور الضمان وتطوره يكرس مفهوم دولة الرعاية الاجتماعية، لا بل يشكل صمام الأمان لشريحة واسعة من اللبنانيين "ثلث الشعب". أيضا يشكل الضمان أكبر ممول وطني للقطاع الصحي وداعم أساسي للمالية العامة للدولة التي أوصلتنا إلى الإفلاس، في سياق دراماتيكي كارثي مستمر ومترافق مع إنهيار معظم القطاعات الاقتصادية لاسيما بعد ان خسرت الليرة اللبنانية اكثر من 80% من قيمتها.

ما نشهده اليوم على المستويات كافة لا يمكن مواجهته إلا عبر بناء وتفعيل المؤسسات الاجتماعية، فلا يحمي الدول وشعوبها من الكوارث، وبشكل خاص الفئات الضعيفة إلا وجود مؤسسات وشبكات أمان إجتماعية متينة وفاعلة وقادرة على بلسمة جراح الشعب المنهك من تداعيات الإنهيارات الإقتصادية والمالية وكل ذلك بعيدا عن بازار السياسة وزبائنيتها وفئويتها المدمرة.

من هنا جئنا بدراستنا هذه التي نهدف من خلالها إلى:

- تحليل الواقع الراهن للمؤسسة (الهوة ما بين المبادئ والتطبيق).

- تحديد فرص التطوير والتفعيل والتحديث المتوفرة.

- عرض أبرز الخطوات الاصلاحية والتطويرية اللازمة لفروع  الصندوق وإدارته على المديين القريب والمتوسط.

أولا: الهوة ما بين المبادئ والتطبيق

 

حقق المشرع اللبناني من خلال إنشاء الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي "بموجب المرسوم الاشتراعي رقم 13955 تاريخ 26/9/1963" جملة تغييرات واهداف واجتماعية نوجزها بما يلي :

1 – الارتقاء بالنظام اللبناني من مفهوم دولة " الشرطي" إلى دولة الرعاية اجتماعية.

2 – الاقرار بأن مسألة العدالة الاجتماعية هي مسألة شراكة تقوم مابين فرقاء الانتاج الثلاثة (أصحاب عمل – أجراء – دولة)، بالإستناد إلى مبدأ التكافل والتضامن الاجتماعيين أي" من كل حسب قدرته إلى كل حسب حاجته"، وبما ينسجم مع روحية المعايير الدولية خاصة الاتفاقية (102) تاريخ 1952 التي تحدد الحد الادنى للضمانات الاجتماعية .

3 – أقر المشرع اللبناني انه ومن اجل حسن تطبيق فلسفة الضمان بالاستناد إلى هذه المبادئ الأساسية ، يجب أن تناط إدارة الصندوق ماليا وإدارايا إلى مؤسسة تتمتع بالصفات التالية :

أ – مؤسسة وطنية عامة.

ب _ مؤسسة لا تبغي الربح بل المنفعة العامة.

ج – تتمتع بالشخصية المعنوية وبالاستقلاليين  المالي والاداري .

د – تعتمد مبدأ التوزيع في التمويل والتوزيع في الرسملة.

هـ - إدارة هذه المؤسسة بإشراف فرقاء الانتاج الثلاثة.

و – تخضع المؤسسة لرقابة المرجعيات الرسمية المختصة وفقاً لاحكام نظامها.

ز – تكفل الدولة ديمومة واستمرارية هذه المؤسسة عند حصول اي عجز مالي او أي كارثة.

في التطبيق : تنفيذاً لاحكام المادة (54) من قانون العمل اللبناني، وانسجاما مع مبادئ إتفاقية الحد الادنى من الضمانات الاجتماعية الصادرة عن الجمعية العامة للامم المتحدة وماتضمنته من حقوق على صعيد حماية الانسان من المخاطر الاجتماعية.

أخذ المرسوم 13955 على عاتقه حماية اللبناني من ثمانية مخاطر اجتماعية من خلال إقرار أربعة فروع، مُطبق منها لتاريخه ثلاثة فقط هي:

- فرع ضمان المرض والأمومة

- النظام المؤقت لتعويض نهاية الخدمة

- نظام التقديمات العائلية والتعليمية

 معتمدا هذا النظام في التنفيذ على ثلاث مراحل .

المرحلة الاولى : لم تتصف معايير الخضوع والشمول لفئات المضمونين بالعلمية والموضوعية. لذلك لم تلتزم الحكومات منذ إقرار هذا القانون بالمراحل الثلاث وأدخلت فئات من المرحليتن الثانية والثالثة في المرحلة الاولى، دون اي دراسات علمية ووفق اعتبارات لا علاقة للضمان بها " فئة السائقين العموميين لكي تتخلص الدولة من اعباء دفع رديات البنزين " والضمان الصحي الاختياري لانجاز مشروع اعادة هيكلية شركة طيران الشرق الاوسط" ..الخ.

أدت هذه السياسات والاعتبارات الى خلل مالي عام في الصندوق وأساءت الى مصالح فئات واسعة من المضمونين وبشكل خاص المضمونين اختيارياً ، وبالتالي اُفرغ القانون من مضمونه على صعيد المراحل وخاصة بعد أن لاقى نظام الضمان تقديراً من المجتمع، حيث هبت فئات من المراحل الثانية والثالثة تطالب وتضغط من اجل الدخول والشمول بمظلته اعتباراً من المرحلة الاولى. ونتيجة لذلك توالت القوانين لتشمل تلك الفئات منذ المرحلة الاولى وكان اهمها تعديل المادة (9) بموجب القانون 20/ ؟؟؟ الصادر عام 1972 حيث لم يكتف بادخال فئات من المراحل اللاحقة بل أجاز للحكومة إدخال  أي  فئة اجتماعية ترى من المناسب إدخالها منذ المرحلة الاولى.

بذلك تكون الدولة ألغت نظرية المراحل في قانون الضمان الاجتماعي، دون أن يكون ذلك مستنداً إلى اي دراسات او احصاءات تؤكد الحاجة لذلك، وبما يضمن حماية توازن الصندوق من النواحي المالية والادارية، وتوفر له إمكانية القيام بمهامه على افضل وجه مع ما طرأ من مهام ومتطلبات جديدة على المستويات الإجتماعية كافة، في وقت تؤكد الدراسات الصادرة عن مديرية الإحصاء المركزي وعن مؤسسات دولية متخصصة أن حوالى نصف اللبنانيين المقيمين يخضعون ويستفيدون من تقديمات الضمان وسائر الهيئات الضامنة الرسمية.

 

 

مصاعب التنفيذ  : المسائل الاساسية التي تحد من فعالية الصندوق :

1 – عدم احترام الاستقلالية المالية والادارية للصندوق من قبل الدولة،حيث تبين أن طغيان سلطة الوصاية ( وزارة العمل) ( راجع تقريراً للجنة الوزارية برئاسة نائب رئيس الحكومة السابق دولة الرئيس عصام فارس ) بالاضافة إلى عوامل عديدة على هذا الصعيد نالت من هيبة وفعالية الضمان أهمها حل مجلس الادارة لمدة 8 سنوات واناطة صلاحياته إلى لجنة ثلاثية بصورة مخالفة للنظام ، إضافة إلى إبقائه منذ عام 2003 لتارخه بقيادة مجلس ادارة منتهية ولايته ومستمر وفق نظرية عدم شغور المؤسسات التي ترعى شأنا عاما، علما أنه يمارس عمله دون التقيد بمفهوم تصريف الأعمال المحدود في الصلاحيات وفقا لما أشارت إليه قواعد القانون العامة . 

2 – ضرب التوازن المالي من خلال:

- فرض فئات جديدة منذ المرحلة الاولى دون اي دراسات احصائية واكتوارية.

- فرض تخفيض الاشتراكات ومعدلاتها ( بالمرسومين 1501 و 1502 تاريخ 24/3/2001) حيث ادى ذلك الى :

- خلل كبير في فرع ضمان المرض والامومة.

- خلل مالي كبير في فرع التعويضات العائلية.

- أحادية سلبية في التوظيفات المالية (سندات الخزينة) مما وضع “بيض الضمان “ كله في سلة واحدة .

وحتى لا يعلن الافلاس في هذين الفرعين لجأ الضمان وبتغطية مشبوهة من الدولة إلى الاستدانة من صندوق نظام تعويض نهاية الخدمة سنوياً، دون القدرة على السداد ودون مراعاة للاصول النظامية ، بحيث بات يهدد التوازن المالي في صندوق نظام تعويض نهاية الخدمة( تقديرات حجم الأموال المسحوبة تصل الى2600مليار ل.ل..)

3 – تمنعت الدولة طوال السنين الماضية وبحجج واهية عن دفع متوجباتها المالية للصندوق وهي :

أ – نسبة ال 25% من قيمة تقديمات فرع ضمان المرض والامومة (المادة 73 الفقرة 2) .

ب -  الاشتراكات المتوجبة عن اجرائها والعاملين لديها بمختلف الاشكال .

ج – اشتراكات الدعم المتوجبة عليها عن فئات السائقين والمخاتيروالاختياري.

4) – عرقلة المساعي من خلال عدم السماح بتوصل إدارة الصندوق ( مجلس ادارة – مدير عام – لجنة فنية) الى :

أ – تحسين مستوى الجباية والتحصيل .

ب – التصريح عن الاجراء المكتومين (يزيد عددهم عن المصرح عنهم).

ج – الزام اصحاب الاعمال الطبيعيين والمعنويين دفع الاشتراكات بانتظام .

د – الحصول على تصريح عن الاجور الحقيقية المدفوعة الاجراء عن طريق وزارة المالية- ضريبة الدخل.

هـ - عدم تطبيق النصوص القانونية والنظامية بحق المتخلفين والممتنعين عن التسديد ( المادة 77 وما يليها من احكام قانون ).

و - إقرار قوانين إعفاءات لأصحاب العمل من غرامات التأخير.

ز - إقرار قوانين تقسيط ديون الدولة بفوائد زهيدة ومع ذلك لم تسدد لتاريخه علما انها ممتنعة عن التسديد منذ أربع سنوات .

ح - عدم تشكيل اللجنة المالية الخاصة بوضع سياسات أستثمارية لأموال الصندوق .

3 - الأدارة ( بهيئاتها الثلاثة ):

أ - إن نظام أمانة سر الصندوق الراهن (المديرية العامة) غير مؤهل لإدارة الصندوق بفروعه وموارده البشرية كافة، بإعتبار أن هذا النظام يرتكز على صلاحيات شخص المدير العام ومبادراته لتأمين الفعالية وحسن الأداء للصندوق، ويعتبر ذلك غير ممكن على مستوى مؤسسة بهذا التنوع والحجم  وفي ظل الدور والأهمية المتزايدة والمتنامية له.

ب- مجلس ادارة فضفاض وذو حجم تمثيلي ضعيف لقوى المجتمع المدني الفاعلة، اضافة إلى إنعدام معايير الاختيار التي تؤمن كفاءات علمية ومتخصصة في مختلف المجالات التي يعنى بها الصندوق.

ج - اللجنة الفنية (لجنة الرقابة) مضى اكثر من عشر سنوات على شغور موقع عضوان من اصل اعضائها الثلاثة وفي افضل الأحوال يعتبر أدائها في ظل الشغور وانعدام الكفاءات المتخصصة لعملها عاجزة عن أداء الدور الرقابي الذي انشأت من أجله .

د - أساليب العمل رغم شموليتها ودقتها لم تعد قادرة على مواكبة التطورالذي طرأ على المؤسسة والتزايد المستمر بدورها ومكانتها الإجتماعية الأساسية وآفاق التطور والتوسع اللازمة لتلبية الاحتياجات وتحقيق هدفها الرئيسي في مكافحة الفقر .

 

 

 

 

 

0
Shares
  1. الأكثر قراءة