انتهاء صلاحية قطاعي المصارف والسياحة... ماذا بعد؟

كانون1 09, 2019

أحمد بو مرعي

النهار-9-12-2019 

يدور جدل حول المرحلة المقبلة لاقتصاد لبنان ما بعد الثورة الحالية، وإذا ما كانت الأمور ستصبح أفضل أم أسوأ. الإجابة عن هذا السؤال الجدلي تحتاج إلى قراءة سابقة لما حدث للاقتصاد اللبناني منذ اتفاق الطائف في بداية تسعينيات القرن الماضي إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية في الاعوام الأخيرة.

إن مشكلة الحكومات التي تعاقبت منذ التسعينيات أنها ركزت على قطاعي السياحة والمصارف، وأهملت باقي القطاعات، كما ركزت على العاصمة وأهملت الأطراف. وتوقعت هذه الحكومات أن الأفضل للاقتصاد أن يركز على ميزة تنافسية للبنان في السياحة والاعمال والخدمات المصرفية تشكلت منذ الخمسينات، بدلاً من الخوض في قطاعات عدة قد لا يتمكن الاقتصاد من المنافسة فيها مثل الزراعة والصناعة وغيرهما.

وكان ثمة اقتناع أن هذين القطاعين يمكنهما أن يدعما الاقتصاد المدولر، حيث تأتي السياحة والمصارف بالدولارات من الخارج لتدعم الربط الحاصل بين الدولار والليرة اللبنانية، كما تدعمان الاحتياطات بالعملة الأجنبية وتؤمنان الدولار لاستيراد السلع والمنتوجات من الخارج.

مشكلة السياحة...
لكن المشكلة بدأت تقع عندما فقدت السياحة زخمها بتقطع منذ اغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري في العام 2005، وتدهور القطاع شيئاً فشيئاً لينصبّ تركيزه على سياحة المغتربين اللبنانيين.

وبدلا من البحث عن تنويع للاقتصاد الذي فقد ركناً أساسياً من ميزته التنافسية في السياحة، تم التركيز أكثر على الميزة التنافسية الثانية التي افترضها معدو السياسات المالية والمصرفية، حيث أصبح القطاع المصرفي هو كل شيء في الاقتصاد. وبدأ السعي الحثيث لاستقطاب الدولارات عبره، برفع فوائد الودائع بنسب كانت تزيد سنة بعد أخرى حتى وصلت الى 15% لبعض المودعين قبل الهبوط الاخير للقطاع.

والمشكلة الأساسية في هذه الفائدة التي لا تجدها اليوم في أكبر اقتصادات العالم (فائدة الوديعة في أميركا لا تتعدى 2% بأفضل الحالات)، أن لا منطق خلفها، إذ إن المصارف لا توظفها في الإقراض لقطاعات إنتاجية تؤمن هذا العائد الكبير.

فعمل المصارف بسيط عكس ما يعتقد كثيرون، فهي تأخذ الوديعة من الناس والشركات وتعطيهم فائدة معينة لنفترض 15%، وتعيد إقراضها لأشخاص وشركات بفائدة 17% مثلاً، وتربح 2% كفارق، ويسمى هامش الإقراض أو هامش الربحية.

دوامة "بونزي"

لكن المصارف اللبنانية دخلت في ما أصبح متعارفاً عليه بسلسلة "بونزي"، أي إنها أصبحت تأخذ مالاً من مودع (شخص أو شركة) ما، مقابل إعطائه فائدة 15% على وديعته على سبيل المثال، ثم تدفع له هذه النسبة من المودع الجديد، في دوامة ورقية، وسلسلة وهمية تفترض دائماً أن يكون هناك داخل جديد في اللعبة.

وبدأت المصارف في التورط عندما قل أو توقف المودعون الجدد عن وضع أموالهم في مصارف لبنان، لسببين؛ الأول اقتصادي، حيث هناك مؤشرات واضحة على أزمة تباطؤ في النمو الاقتصادي ظهرت قبل نحو 5 سنوات، وكان هناك تقارير تحذيرية من البنك الدولي وصندوق النقد وحتى وكالات التصنيف الائتماني.

وثانيًا، لأن المودع بكميات كبيرة يدرك منطقياً أن اقتصاداً مريضاً لا يمكنه أن يدفع 15% أو حتى 5% مهما فعل، لذا يشك في قدرة البنوك على السداد ويتراجع.

أضف إلى ذلك أن هناك عوامل إقليمية ودولية تغيرت؛ فمثلاً في الخليج هناك تباطؤ اقتصادي بسبب تراجع أسعار النفط حيث أصبحت كل ميزانيات دول الخليج عاجزة، وأصبحت مقترضة من أسواقها المحلية أو الدولية لإقفال عجوزاتها المالية، كما لجأت إلى رفع الرسوم والضرائب على الأجانب المقيمين. وهذا الأمر أثّر على حال اللبنانيين الذين يعيشون في الخليج، ولم تعد لديهم فوائض، كما كان سابقاً، لوضعها في المصارف اللبنانية.

الدين العام تفاقم أيضاً

كل هذه العوامل أدت إلى تراجع ودائع المصارف سنة بعد أخرى. ولأنها "بونزي"، فقد وجدت الاخيرة ضالتها في تحريك الأموال لديها بتوجيهها نحو إقراض الدولة اللبنانية، حيث بدأ نموذج آخر من تمويل عجوزات المالية العامة عبر تحصيل فوائد مرتفعة تدفع فيها للمستحقين من الودائع. فبدلاً من ان يدخل مودع جديد، أصبحت الدولة تمول فوائد المودعين القدامى، حتى تشربكت الأمور، فلا الاحتياطات العامة تكفي لسد الفوائد على المدى المتوسط والطويل، ولا توجد ايرادات للدولة لتمويل عجزها بسبب الفساد والإهدار في المؤسسات العامة. وزادت الديون والفوائد حيث أصبح لبنان بسبب هذه الشربكة ثالث أكبر دولة في العالم بنسبة الدين إلى الناتج. وامتصت الحكومة كل أموال الطبقة المتوسطة والفقيرة عبر الضرائب وضرائب القيمة المضافة والرسوم المرتفعة، الى ان وصلت إلى مرحلة فرض ضرائب على سلع مجانية مثل ضريبة خدمة "الواتساب" التي كانت الشرارة التي أشعلت الثورة في لبنان.

انتهاء صلاحية المصارف

الآن ماذا حدث؟ تماماً كما انتهت الميزة التنافسية للقطاع السياحي منذ 15 سنة، انتهت أيضاً صلاحية القطاع المصرفي. فلا شك في أن الثقة معدومة بالمصارف الآن وبمصرف لبنان في إمكانية حل الأزمة وإعادة الوضع لما كان عليه. ومن الصعب توقع أن أحداً سيودع أمواله في ظل هذه الأزمة أو يجمدها كوديعة. كما من الصعب عودة سمعة المصارف اللبنانية على الأقل في العشر سنوات المقبلة، بعدما تبين أن هذا القطاع عبارة عن فقاعة مالية.

لذا أصبح الاقتصاد اللبناني معدوماً الآن، بلا أمل في السياحة والخدمات المصرفية، وبالطبع، بلا أي أفق لقطاع آخر بسبب إهمال التركيز على اي رافعة خلفية للاقتصاد (على سبيل المثال أُهمل قطاع الزراعة لدرجة أن المزارعين يجدون صعوبة في تصريف منتوجاتهم للخارج بسبب أزمة تلوث المياه والتربة).

■ صحافي اقتصادي - عمل سابقاً في "النهار".

0
Shares
  1. الأكثر قراءة
التيار النقابي المستقل :تأمين مقعد مدرسي لكل القادمين الكُثُر إلى التعليم الرسمي

التيار النقابي المستقل :تأمين مقعد مدرسي…

أيلول 17, 2020 43 مقالات وتحقيقات

لماذا التمييز بين المواطنين في التعويض العائلي

لماذا التمييز بين المواطنين في التعويض ا…

أيلول 16, 2020 66 مقالات وتحقيقات

اتركوا المدارس... إلى التعليم المنزليّ!

اتركوا المدارس... إلى التعليم المنزليّ!

أيلول 14, 2020 60 مقالات وتحقيقات

نظام التعويضات العائلية وضرورات تطويره نحو نظام تقديمات  عائلية وتعليمية

نظام التعويضات العائلية وضرورات تطويره ن…

أيلول 09, 2020 131 مقالات وتحقيقات

فوضى إدارة الكوارث وخدمات الطوارئ: المساعدات في لبنان تذهب إلى التلف!

فوضى إدارة الكوارث وخدمات الطوارئ: المسا…

أيلول 09, 2020 85 مقالات وتحقيقات

لا للزبائنية نعم لصندوق بطالة يحمي حق العيش الكريم

لا للزبائنية نعم لصندوق بطالة يحمي حق ال…

أيلول 04, 2020 119 مقالات وتحقيقات

تقرير أوّلي لوزارة الصناعة: تضرّر 211 مصنعاً

تقرير أوّلي لوزارة الصناعة: تضرّر 211 مص…

أيلول 03, 2020 113 مقالات وتحقيقات

إنفجار بيروت يفاقم الانكماش والكلفة الاولية تتخطى 5 مليارات دولار كومار جاه لـ" النهار": دعوة للاستيقاظ والعمل على تغيير مؤسسي واقتصادي

إنفجار بيروت يفاقم الانكماش والكلفة الاو…

أيلول 03, 2020 113 مقالات وتحقيقات

البنك الدولي: 8٫1 مليار دولار «أضرار وخس…

أيلول 01, 2020 76 مقالات وتحقيقات

مناقصة ببنود ملتبسة تكبّد الخزينة 15 مليار ليرة إضافية: ترف الطوابع المالية

مناقصة ببنود ملتبسة تكبّد الخزينة 15 ملي…

أيلول 01, 2020 139 مقالات وتحقيقات