الانتفاضة تستعيد زخمها وتواجه تحديات المرحلة الثانية

كانون2 15, 2020
  • المرصد

أسامة القادري - انفجر الشارع مجددا بعد هدوء نسبي لم يخل من مواجهات نفذتها مجموعة شبابية متنوعة في المصارف لإجبار الموظفين فيها على دفع أموال المواطنين. الانفجار بدأ منذ ساعات الصباح الأولى في ظل حملة واسعة من قطع الطرقات في الشمال والزوق وجل الديب وجبيل بالاضافة إلى قطع طرقات عدة في البقاع. أما في بيروت فتوزع  المحتجون بين جسر الرينغ حيث نصبت الخيام باتجاه الصيفي، والمدينة الرياضية، وأخيرا أمام مصرف لبنان.

حصيلة يوم "استعادة الزخم" انتهت بحوالي 52 موقوفا وأكثر من 20 جريح بعد حالة من الهرج والمرج التي سادت أمام مصرف لبنان حيث حاولت مجموعات يسارية متنوعة إقتحامه بعد تحطيم الجدار الحديدي الذي تم تشيده لحماية المصرف المركزي، ولم تلبث أن دخلت مجموعات جديدة من الضاحية الجنوبية، ولكنها لم تستطع الوصول بسبب الطوق الأمني. من جهتها كثفت القوى الأمنية من حضورها في الحمرا وطاردت المحتجين الذين حطموا واجهات المصارف في شارع الحمرا واستمرت القوى الامنية بمطاردتهم حتى كاركاس.

اليومين السابقين أعلنا انطلاق الموجة الثانية من الانتفاضة اللبنانية. وهنا لابد من التذكير أن 17 تشرين إنطلقت بموجة احتجاجات شعبية واسعة مترافقة مع حالة من "العنف الثوري" استهدفت المحال التجارية والمصارف في وسط بيروت، ولعب القادمون من الضاحية الجنوبية دورا هاما في تصعيد حدة هذا العنف قبل أن ينسحب جزء منهم من ساحات الاحتجاج أنذاك بناء على أوامر حزبية. أيضا في 14 كانون الاول استعادت الانتفاضة زخمها وترافق استعادة الزخم مع تدفق عشرات الشبان من الضاحية الجنوبية إلى الحمرا مساهمين في زيادة حدية العنف الممارس.

اليوم أثبت أركان الحكم اللبناني فشلهم في تقديم أي حلول مقبولة تساهم في تخفيف حدة الأزمة الاقتصادية التي ما فتئ نظام المحاصصة الطائفي بإنتاجها بشكل دائم، فبعد انفراط التسوية الرئاسية وخروج ما كان يسمى بتجمع 14 آذار، عجزت المكونات التي كانت تشكل ما يسمى بتجمع 8 آذار عن تشكيل حكومة في ظل ازدياد وطأة الأزمة الاقتصادية، فضلا عن التأزم المحاصصتي بين مكونات هذا التجمع الميت سريريا. ولا يخفى على أحد أن خروج عشرات الشبان من الضاحية الجنوبية قد أتى تحت نظر مرجعياتهم الحزبية، ولم يتوان هؤلاء عن إطلاق الهتافات الطائفية والمؤيدة لزعاماتهم السياسية بالاضافة إلى هتافات شتم حاكم مصرف لبنان رياض سلامة.

أمام هذا الواقع، وبغض النظر عن الاعلان الصريح للشبان الذين دخلوا ميدان الاحتجاجات من بوابة مصرف لبنان عن تمسكهم بولائهم الطائفي وتبعيتهم لزعامتهم  وسواء كانت مشاركة هؤلاء الشبان نابعة من غضبهم بسبب تردي الأوضاع المعيشية في البلاد أم كانت بقرار حزبي تبقى الانتفاضة أمام تحديات جدية تفرض عليها  أولا الحفاظ على استقلاليتها وتحصين نفسها كما فعلت بعد أن كان جمهور النظام يتحرك دعما للرئيس عون أمام قصر بعبدا أو دعما للحريري في كورنيش المزرعة.

ومن الضروري أن تعمل الانتفاضة على تطوير آليات عملها وإيجاد حلول فعلية لحماية الساحات من اللغم الطائفي والمذهبي. فالقوى الطائفية لم تتحرك هذه المرة بشكل منعزل عن ساحات الاحتجاج. هذه المرة كانت القوى الطائفية تدخل إلى ساحات الانتفاضة وتحمل شعارها (خصوصا شعار يسقط حكم المصرف) وتدخل معها أيضا خطابا طائفيا يشكل تهديدا وجوديا لاستمرارية الانتفاضة.

التحديات الماثلة أمام الانتفاضة تفرض عليها ليس تعزيز التواصل بين مجموعاتها ورفع مستويات التنسيق إلى أعلى درجة ممكنة فقط، بل أيضا وبشكل أكثر أهمية تعزيز التواصل بين المجموعات الثورية والجمهور اللبناني فمن غير المقبول أن يبقى الشارع اللبناني بعيدا عن قضايا انتفاضته، ولا يجد أمامه سوى الاعلام الرسمي الذي يناقش قضايا النظام الطائفي ومحاصصته بدلا من مناقشة قضايا الانتفاضة والمشكلات التي تواجهها والتحديات الماثلة أمامها. هذا الضعف على المستوى الاعلامي يترافق أيضا مع غياب خطابات سياسية ثورية تعبر عن طموحات الشعب اللبناني  ونقيضة للخطاب الطائفي المحاصصي المعبر عن مصالح أقلية حاكمة تهيمن على حياة اللبنانيين. وتبقى الحاجة إلى خطابات سياسية ثورية ضرورة إذ أن الخطابات الثورية الرائجة حاليا مفرطة في اقتصادويتها، وتقوم على قاعدة مفادها أن الفقر سيدفع المزيد من اللبنانيين إلى الانضمام للانتفاضة، في حين أن التاريخ اللبناني أثبت لنا أكثر من مرة أن الفقر يمكن أن يكون سببا جوهريا في تعزيز الولاءات الطائفية خصوصا أن أمراء الطوائف يتعاملون مع مؤسسات الدولة باعتبارها غنيمة حرب من جهة، كذلك يمكلون مصادر تمويل خارجية تمكنهم من ابتزاز الجمهور وجره إلى موقع التبعية والولاء مقابل تأمين خدمات صحية وتعليمية وتشغيليه تبقيهم أحياء بما يكفي لحماية مصالح زعميه الطائفي.

0
Shares
  1. الأكثر قراءة
شكاوى بالجملة على الاقتطاعات المصرفية من الحسابات وعلى السحوبات حرب العمولات تشتعل بين البنوك وزبائنها

شكاوى بالجملة على الاقتطاعات المصرفية من…

كانون2 20, 2021 19 مقالات وتحقيقات

تعويم سعر الليرة: سقوط درة تاج سلامة و…

كانون2 11, 2021 51 مقالات وتحقيقات

الطلاب يقاطعون الدفع | إدارة «الأميركية»: العودة إلى 1515 تقفل الجامعة! -

الطلاب يقاطعون الدفع | إدارة «الأميركية»…

كانون2 08, 2021 60 مقالات وتحقيقات

رحيل عصام الجردي: المستقيم في عالم ملتوٍ

رحيل عصام الجردي: المستقيم في عالم ملتوٍ

كانون2 08, 2021 60 مقالات وتحقيقات

ليس الوضع الصحّي في البلاد، وحده الذي خرج عن السيطرة. بل انعدام الآفاق حول تشكيل حكومة جديدة منتجة، سيخرج البلاد بأكملها عن السيطرة ومعها الإقتصاد والأمن. فالصورة السوداوية قد تصبح اكثر سواداً وانهياراً، ما يطرح تساؤلات حول السيناريوات التي قد نش

ليس الوضع الصحّي في البلاد، وحده الذي خر…

كانون2 06, 2021 84 مقالات وتحقيقات

المصارف و«الدولار الطالبي»: بلّوه واشربوا ميّتو!

المصارف و«الدولار الطالبي»: بلّوه واشربو…

كانون2 06, 2021 84 مقالات وتحقيقات

ماذا فعلت السلطة بالعمال في سنة ٢٠٢٠؟

ماذا فعلت السلطة بالعمال في سنة ٢٠٢٠؟

كانون2 04, 2021 255 مقالات وتحقيقات

لهذه الاسباب تتأخر مجالس العمل التحكيمية…

كانون1 31, 2020 102 مقالات وتحقيقات

خلاصة ومحطات 2020: أين هي انتفاضة 17 تشرين؟

خلاصة ومحطات 2020: أين هي انتفاضة 17 تشر…

كانون1 31, 2020 107 مقالات وتحقيقات

عام البؤس: كأنّ عقوداً حدثت في سنة

عام البؤس: كأنّ عقوداً حدثت في سنة

كانون1 31, 2020 78 مقالات وتحقيقات

آخر دهاليز الدعم: وضع اليد على الاحتياطي سِرّاً - جريدة المدن - خضر حسان

آخر دهاليز الدعم: وضع اليد على الاحتياطي…

كانون1 30, 2020 109 مقالات وتحقيقات