«مسرحيّة» الأملاك البحريّة: القضاء يرفض وضع اليد على المخالفات!

آذار 12, 2020

الاخبار-12-3-2020

رلى ابراهيم 


الدولة لا تريد استعادة أملاكها البحرية ولا تحصيل أموالها المنهوبة. الفضيحة، اليوم، يتحمل مسؤوليتها كل من وزراء الأشغال والداخلية والعدل والنيابة العامة التمييزية. عشرات آلاف الأمتار المربعة من المخالفات على طول الشاطئ اللبناني متاحة، منذ 5 أشهر، لوضع يد الدولة عليها بموجب القانون... إلا أنه يبدو أن لا أحد يريد تطبيق القانون. قبل أيام، انتهت مهلة الشهر التي مدّدها القاضي غسان خوري لتسديد المخالفين رسوم إشغال هذه الأملاك. ورغم أن التمديد نفسه مخالف للقانون 64/2017 الذي حدد انتهاء مهلة التسديد بتاريخ 30/10/2019، فإن قرار بـ«وضع اليد» على المخالفات التي لم تُسدد غراماتها ــــ بحسب القانون ــــ لم يصدر عن القاضي خوري. والحديث هنا عن نحو 680 متخلّفاً عن دفع رسوم الإشغال من أصل 1068 مخالفاً، كأن ثمة نيّة لـ«تنييم» الملف.
خوري أكد لـ«الأخبار» أن القانون وُضع «لجباية المال وليس هناك إمكانية لوضع اليد». وأشار إلى أن معظم أصحاب المنتجعات والمسابح الأثرياء عمدوا الى تسوية أوضاعهم ضمن المهلة، وتقوم وزارة الأشغال بتحضير جداول التحصيل والتكاليف. «أما القسم الآخر فهم من القاطنين في مجمّعات سكنية شعبية كالسان سيمون والأوزاعي وصيدا. وهؤلاء يفترض بالدولة أن تجد حلولاً لهم. أنا بدّي حلّ الموضوع. ما فيي هجّر العالم»، لافتاً الى أن «خلافاً سياسياً نشب حول الموضوع في جلسة لجنة الأشغال النيابية». إلا أن عضو اللجنة، النائب جميل السيد، شدّد على أن «موضوع المجمعات السكنية أثير داخل الجلسة، وجرى التأكيد على أنه خارج نطاق المخالفات البحرية أي الـ 1068 ملفاً التي تتنوع ما بين مشاريع فردية تعتدي على الأملاك العمومية البحرية ومنتجعات ومسابح ومشاريع تجارية وصناعية وزراعية...». واعتبر أن «القاضي أو غيره يسعون لاتخاذ الأمر ذريعة من باب المماطلة وتمييع الملف»، مؤكداً أنه أبلغ خوري في الجلسة أنه «ليس مرجعاً لتفسير القانون بل لتنفيذه، وهو عمد الى تمديد مهلة المخالفين خلافاً لما يذكره القانون»، علماً بأن وزارة الأشغال «أخطأت بالطلب من وزارة الداخلية والنيابة العامة التمييزية اتخاذ الإجراءات اللازمة بحق المخالفين بدل طلبها المؤازرة لتنفيذ وضع اليد والاسترداد».
تأكيد السيد والمدير العام للنقل البري والبحري في وزارة الأشغال عبد الحفيظ القيسي أن السان سيمون والأوزاعي يدخلان ضمن مشروع «أليسار» ولا علاقة لهما بالمخالفات البحرية المطروحة في القانونين 64/2017 و132، لا يقنع خوري: «اتخذنا إجراء بإجبار المخالفين على دفع الغرامات، وبعدها فليجد مجلس الوزراء حلّاً لقضيتهم». يكرر: «كيف بدي هجّرهم؟ القرار سهل، بس مش هيك بتنحلّ الأمور». من جهة أخرى، يقول القاضي خوري إنه «لن يتهاون مع أي منتجع مخالف أو من يملكون الأموال. بدن يدفعوا بالقوة». ويشير الى أن من تعود مخالفاته الى ما بعد عام 1994 سيدفع الغرامة وتزال مخالفته. ليست المخالفة قصة كبيرة «معظمها شاليه أو سنسول بالبحر»، ليعود ويسأل «مين بدو يزيل المخالفة»؟ أما القسم الثالث أي الذي التزم بالقانون، «فصدر بحقه أوامر تحصيل وحظي بمهلة أسبوعين ليدفع في مديرية الواردات. بدأت أتلقى محاضر بالدفع». لكن لماذا حتى اللحظة لم يصدر قرار قضائي باستعادة العقارات التي يشغلها المخالفون المتخلّفون عن الدفع؟ «القانون يقول بإجبارهم على دفع الغرامة خمسة أضعاف، وهذا ما نقوم به. ومن لا يدفع نتخذ إجراءات بحقه. لشو في حبس؟». هل يستحيل أن يطبق الإجراءان معاً، أي وضع اليد على الأملاك البحرية وإجبارهم على الدفع؟ «هناك جدل حول آلية وضع اليد ومن ينفذ الأمر. ما زلنا في مرحلة دفع الغرامات وليس واضحاً من هي الجهة المخوّلة وضع يدها. فضلاً عن أن كل المخالفات المنجزة بعد عام 1994 يفترض هدمها واستعادتها. لكن من سيستعيدها؟»، يسأل خوري. عند استيضاحه عما يمنعه من إصدار قرار وضع اليد، أشار القاضي الى أن من السهل إصدار قرار مماثل: «بكتبو ومين بنفذو؟ هل مفرزة الشواطئ ستقوم بإخلاء العقار المتاخم للبحر واستعادة المساحة؟مش هيك روحية النص القانوني بالنسبة لوضع اليد، لا دراسة أصلاً تأتي على ذكر مفاعيلها القانونية».
ثمة من يقول هنا إن القضية برمتها منسقة بين مختلف الجهات. هي مسرحية لم يكن الغرض منها سوى جباية المال لتمويل سلسلة الرتب والرواتب. ورغم ضغط بعض السياسيين على الحكومة لتمديد المهل القانونية التي كان قد وضعها وزير الأشغال السابق يوسف فنيانوس ثلاث مرات، تمنّع أغلب المتعدّين على الأملاك البحرية عن الدفع، وذلك لمعرفتهم المسبقة أن الدولة، وهم جزء منها ومن نظامها، لن تتخذ أي إجراء بحقهم.
المدير العام للنقل البحري والبري عبد الحفيظ القيسي يؤكد أن «وضع اليد يجب أن يكون من مسؤولية القضاء. صحيح أن القانون يتحدث عن وضع يد الإدارة أي نحن، ولكن يجب أن يسبق ذلك إجراءات قانونية أي ما يشبه الاستنابات القضائية». وبحسب القيسي، المهلة انتهت في 30/10/2019 والرسوم المفترض دفعها الآن هي بمثابة غرامة على التخلّف عن السداد ولا تسوّي وضع أيّ كان. المديرية أرسلت اللائحة المفصّلة إلى القضاء بشأن من تقدّم بطلب لمعالجة وضعه ضمن المهلة القانونية ومن لم يتقدم، وبالتالي من المفترض على القاضي المكلف بالملف أن يتحرك. القانون واضح، يلفت القيسي، ولا يحتاج الى مراسيم تطبيقية ولا يشمل المخيمات والمجمعات السكنية المشمولة بمشروع «أليسار».
اللافت أن وزراء الحكومة المؤلفة حديثاً من وزير الداخلية محمد فهمي، الى وزير الأشغال ميشال نجار، وصولاً الى وزيرة العدل ماري كلود نجم التي تترتب عليها مسؤولية مضاعفة في هذا الملف، يتفرجون منذ وصولهم على «تمييع» القانون وتقاذفه بين الإدارات والقضاء نفسه.

0
Shares
  1. الأكثر قراءة
التعليم عن بُعد حلّ أمثل يتناسب مع جَيب المواطن ومصلحة المؤسسات التعليمية  بين "الفريش" والمساعدات... لا زيادة لأقساط الجامعات!

التعليم عن بُعد حلّ أمثل يتناسب مع جَيب …

حزيران 21, 2021 12 مقالات وتحقيقات

من الذل الى الاذلال اليومي

من الذل الى الاذلال اليومي

حزيران 21, 2021 7 مقالات وتحقيقات

كلفة السكن أضعاف الرواتب.. المستأجرون والمُلاك في الفوضى والانهيار

كلفة السكن أضعاف الرواتب.. المستأجرون وا…

حزيران 21, 2021 6 مقالات وتحقيقات

قراءتان لاضراب الاتحاد العمالي العام

قراءتان لاضراب الاتحاد العمالي العام

حزيران 20, 2021 10 مقالات وتحقيقات

"رويترز": المصارف ابتلعت 250 مليون دولار من أموال اللاجئين

"رويترز": المصارف ابتلعت 250 م…

حزيران 18, 2021 21 أخبار

تقنين الضمان لموافقات الاستشفاء مخالفة قانونية تهز ما تبقّى من الأمن الصحي والاجتماعي

تقنين الضمان لموافقات الاستشفاء مخالفة ق…

حزيران 17, 2021 17 مقالات وتحقيقات

تُفجّر لغم الصرف التعسفي بموظفيها MAG

تُفجّر لغم الصرف التعسفي بموظفيها MAG

حزيران 11, 2021 419 مقالات وتحقيقات

الضمان في طرابلس وعكار: نقص موظفين واعتصام مياومين

الضمان في طرابلس وعكار: نقص موظفين واعتص…

حزيران 11, 2021 37 مقالات وتحقيقات

التأخير المتعمّد باستيراد البنزين ليصرخ اللبنانيون: سنشتريه بأي ثمن

التأخير المتعمّد باستيراد البنزين ليصرخ …

حزيران 11, 2021 37 مقالات وتحقيقات

المستشفيات تختار مرضاها... والمختبرات تفضّل الاقفال

المستشفيات تختار مرضاها... والمختبرات تف…

حزيران 11, 2021 33 مقالات وتحقيقات

منصّة «صيرفة» كأنّها لم تكن: المضاربة مس…

حزيران 10, 2021 35 مقالات وتحقيقات

البنزين بين 2008 و2021: كيف سرقتنا الوزارة والشركات

البنزين بين 2008 و2021: كيف سرقتنا الوزا…

حزيران 10, 2021 61 مقالات وتحقيقات

البنزين بين 2008 و2021: كيف سرقتنا الوزارة والشركات

البنزين بين 2008 و2021: كيف سرقتنا الوزا…

حزيران 10, 2021 60 مقالات وتحقيقات

طوابير الذل «بروفا» صناديق الاقتراع

طوابير الذل «بروفا» صناديق الاقتراع

حزيران 09, 2021 29 مقالات وتحقيقات

"سخرية القدر" تجمع "الكابيتال كونترول" مع الموافقة الإستثنائية على سلفة الكهرباء وتطرح أسئلة عن الهدف من تقييد الودائع "غيض" الدولار للمودعين... و"فيضه" لإطالة عمر الأزمة

"سخرية القدر" تجمع "الكاب…

حزيران 09, 2021 30 مقالات وتحقيقات

تفاصيل وخفايا تعميم مصرف لبنان بسحب "400$ و400 لولار"

تفاصيل وخفايا تعميم مصرف لبنان بسحب …

حزيران 09, 2021 31 مقالات وتحقيقات

إعداد العدة لمواجهة الإنهيار الشامل بدأ  "سراج الكاز والشموع" بدائل الناس في زمن العتمة

إعداد العدة لمواجهة الإنهيار الشامل بدأ …

حزيران 08, 2021 27 مقالات وتحقيقات

المصارف تعهّدت الدفع: 400 دولار و5 ملايين ليرة شهرياً

المصارف تعهّدت الدفع: 400 دولار و5 ملايي…

حزيران 08, 2021 35 مقالات وتحقيقات

4 أيام قبل العتمة.... المولدات تبدأ التقنين والانترنت في خطر

4 أيام قبل العتمة.... المولدات تبدأ التق…

حزيران 07, 2021 28 مقالات وتحقيقات

قناة «تهريب» مليارات النافذين «الحسابات الائتمانيّة» تنخفض بأكثر من 4 مليارات دولار: قناة «تهريب» مليارات النافذين إلى الخارج

قناة «تهريب» مليارات النافذين «الحسابات …

حزيران 07, 2021 29 مقالات وتحقيقات

الإنذارات القديمة التي جرى تفاديها بحلول ترقيعية في السابق أصبحت اليوم أكثر جدية "الطاقة" تزرع فشل الخطط والمواطنون يحصدون العتمة الكالحة

الإنذارات القديمة التي جرى تفاديها بحلول…

حزيران 07, 2021 31 مقالات وتحقيقات