شقير يطرق باب تعويضات نهاية الخدمة في الضمان فهل يكون الشرارة التي تفجر الشارع بعد "الواتساب"؟

آذار 31, 2020

النهار-31-3-2020

سلوى بعلبكي 

ثروتان محرّمتان على أفواه حيتان المال واهل السياسة: احتياط الذهب واحتياط الضمان. فمنذ التسعينات وهم يحاولون اقتناصهما وتسييلهما من دون وازع أو رادع، وفي كل مرة كانوا يفشلون بفعل مقاومة العمال وأصحاب الضمائر الحية... فهل ينجحون اليوم مستغلين الظروف الحرجة التي تمر بها البلاد؟

ما هي مناسبة هذه الكلام؟ كانت لافتة أمس المبادرة التي اطلقها رئيس الهيئات الاقتصادية الوزير السابق محمد شقير والتي ترتكز على استخدام أموال من فرع تعويض نهاية الخدمة في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، لدفع مبلغ يوازي الحد الأدنى للأجور أي 675 الف ليرة أو مليون ليرة عن شهر نيسان لكل العمال والموظفين في القطاع الخاص المنتسبين الى صندوق الضمان. هذه المبادرة وإن لاقت ردود فعل شاجبة من المعنيين في الضمان وفي الاتحاد العمالي العام، إلا أنها تؤكد أن الضمان وتحديدا فرع نهاية الخدمة الذي يحوي أكبر فائض مالي في الضمان وتستدين منه بقية الفروع، يتعرض اليوم لهجمة غير مبررة مشابهة للهجمات التي تعرّض لها الصندوق منذ زمن غير بعيد. فلا المشروع المطروح سيحيي طبقة العمال والكادحين، ولا الضمان يستطيع السير به كونه في حاجة الى قانون في مجلس النواب صعب التحقيق راهنا، اضافة الى أن معظم اموال الضمان مستثمرة في سندات الخزينة وبعضها الآخر ودائع مجمدة الى آجال طويلة في المصارف.

ومن أجل تمكين الشريحة العمالية من الحصول على "جرعة الدعم"، طلب شقير من السلطة السياسية (حكومة وبرلمانا) الاسراع في اقرار قانون معجل، يتيح استخدام أموال من فرع نهاية الخدمة لدفع مبالغ الدعم. ولكن سها عن بال شقير أن من يستطيع أن يجمع مجلس النواب لإقرار مثل هذا القانون، يستطيع أن يقر قوانين لاستعادة الاموال المنهوبة وتلك التي تم تهريبها الى الخارج وتمويل العجز منها، وكذلك تحسين ظروف العمال والموظفين الذين يستهدفهم المشروع المقترح. وفي حال استطاعوا جمع مجلس النواب لإقرار مثل هذا القانون، فإن السؤال: هل لدى الدولة القدرة على تسييل سندات خزينة يملكها الضمان للسير في هذا المشروع؟

وتأتي هذه المبادرة، وفق ما يقول شقير "في ظل التبعات الكارثية على المؤسسات التي ترزح تحت أعباء وخسائر لا قدرة لها على تحمّلها، ما ينذر بإقفال عشرات الآلاف منها ووضع مئات آلاف الموظفين والعمال في القطاع الخاص في أوضاع حياتية ومعيشية بالغة الصعوبة نتيجة اجراءات تتخذ تحت ضغط الظروف القاهرة، والتي تراوح ما بين اقتطاعات من الرواتب وفقدان العمل".
"!
ماذا عن كلفة الدعم؟ بما ان عدد المنتسبين الى صندوق الضمان يبلغ نحو 450 الفاً، فإن الكلفة وفق حسابات شقير ستكون كالآتي:

- في حال تم دفع 675 ألف ليرة تكون الكلفة نحو 300 مليار ليرة.

- في حال تم دفع مليون ليرة تصبح الكلفة نحو 450 مليار ليرة.

ويجزم شقير بان فرع تعويض نهاية الخدمة قادر على تمويل هذه الحاجات، خصوصاً ان الموجودات لديه من الاموال تبلغ نحو 13 الفا و400 مليار ليرة، موزعة كالآتي: 6 آلاف مليار ليرة موظفة في سندات الخزينة، 4000 مليار ليرة ايداعات في المصارف الخاصة، و3400 مليار ليرة تم استخدامها لمصلحة فرع المرض والأمومة. كما ان أموال فرع تعويض نهاية الخدمة (الـ13.4 ألف مليار ليرة) مقسمة الى قسمين: القسم الأول الأموال التي تغطي حقوق المضمونين، والقسم الثاني الأموال الفائضة عن حقوق المضمونين، لذلك فإنه بالامكان أيضاً اللجوء الى الأموال الفائضة عن حقوق المضمونين لدفع مبالغ الدعم الى العمال والموظفين في القطاع الخاص.

فهل يمكن أن يوافق الضمان على هذا الطرح؟ ما طرحه شقير شكَّل "صدمة" للمدير العام للضمان محمد كركي، وقال: "الذي يريد التبرع ويعطي حلولا واقتراحات، لا يجدر به أن يعطيها من جيب الآخر. فأموال الضمان لأصحابها من العمال، والحري بأثرياء البلد والذين راكموا الاموال والثروات من التسعينات حتى اليوم أن يفكروا بإنشاء صندوق لدعم عمال لبنان. فالادارة المؤتمنة على أموال المضمونين راكمت أموال نهاية الخدمة لتصل الى نحو 14 الف مليار ليرة بعدما كانت 2500 مليار ليرة، علما أن شقير أقر بنفسه بأن الضمان يقوم بالاستدانة من هذا الفرع ليمول فرع المرض والامومة، وبالكاد يمكننا تمويل التقديمات الصحية من فرع نهاية الخدمة حتى نهاية هذه السنة في حال لم تدفع الدولة المستحقات المتوجبة عليها للضمان والتي تبلغ أكثر من 3000 مليار ليرة".

واذا كان الطرح شكَّل مفاجأة لكركي، فإن رئيس الاتحاد العمالي العام بالانابة حسن فقيه، لم يستغرب مثل هذا الطرح، فهو وفق ما قال لـ"النهار": "مشروع قديم من الدولة واصحاب العمل للسطو على اموال الضمان". لكنه يعتبر في المقابل أن أمرا كهذا "لا يمكن التهاون فيه، فهذه اموال للعمال ولا يمكن "المزاح" بموضوع كهذا". ودعاه الى أن يقترح على اصحاب العمل تنفيذ مثل هذا المشروع عبر تسديد ما عليهم من اموال للضمان والتي تقدر ما بين 600 الى 800 مليار ليرة... وقال: "أنصح شقير ومعه الهيئات الاقتصادية وأصحاب العمل بأن يطرقوا أبوابا أخرى، مثل المصارف التي تستطيع أن تقف الى جانب الدولة في مثل هذه الظروف". وإذ أشار الى أن المضمونين خسروا تعويضاتهم بفعل انهيار سعر صرف الليرة والتضخم في البلاد، أوضح أن "وقوف الاتحاد العمالي الى جانب أصحاب العمل في هذه الفترة ليس إلا من مبدأ حماية العمال لا أكثر ولا أقل، ولكن أن يمدوا أيديهم الى جيوب العمال لمعالجة المشكلة، فهذا أمر غير مقبول ولن يمر مرور الكرام". وجزم فقيه بأن العمال "سيكونون بالمرصاد لهكذا مشاريع"، داعيا أصحاب العمل الى "معالجة المشكلة بوقوفهم الى جانب العمال الذين كانوا سندا لهم طوال الفترة التي كانوا يحققون فيها الارباح، وليس على قاعدة الربح لي والخسارة عليّي وعليك"، معتبرا أن ثروات أصحاب المال "ستتبدد اذا استمروا في التفكير بهذه الطريقة، وكان الاجدى بهم أن ينتهزوا هذه الازمة ليظهروا تكافلهم الاجتماعي، لكي لا تنقلب الامور سلبا عليهم".

واستنتج عضو المجلس الاقتصادي والاجتماعي صادق علوية من مبادرة الهيئات الاقتصادية انها "تنمّ عن عبقرية لاإنسانية"، قائلا إن المبادرات "يمكن تصنيفها ضمن بوتقة الأخلاق، فمنها مبادرات أخلاقية وأخرى لاأخلاقية، وفي الخانة الأخيرة تندرج مبادرة الهيئات الاقتصادية". وسأل: "هل بقيت لأموال المضمونين قيمة شرائية أمام ارتفاع سعر الدولار، وحبس أموال المودعين من المصارف زملاء الهيئات الاقتصادية ورفع أسعار تجار ومصانع الهيئات الاقتصادية تلك، التي تتولى احتكار الأسواق والسلع والامتيازات التي أفقرت العباد ولم تشبع رغم الاعفاءات المتكررة التي تقدمها الدولة لها؟". أما الأجور فمن نافل القول، وفق علوية، أن "قانون الموجبات والعقود وقانون العمل والاتفاقات الدولية ومعايير منظمة العمل الدولية والاتفاقات العربية، كلها تلزم أصحاب العمل دفع أجور العمال خلال فترة التعبئة العامة، والقول بغير ذلك ما هو الا افتئات على حقوق العمال". وختم علوية: "اما عن ديون الضمان في ذمة أصحاب العمل... ففي فمي ماء أخشى أن ينسكب".

وللوزير شقير سابقة غير مقصودة بتفجيره الشارع في 17 تشرين الاول الماضي اثر اعلانه فرض رسم 6 دولارات على الواتساب. فهل يساهم هذه المرة في نزول العمال الى الشارع بطرحه هذا بعد 12 نيسان؟

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

0
Shares
  1. الأكثر قراءة
غازي وزني ورياض سلامة أمام المساءَلة؟

غازي وزني ورياض سلامة أمام المساءَلة؟

تشرين2 23, 2020 9 مقالات وتحقيقات

الدعم يتقلّص الى النصف بدءاً من اليوم

الدعم يتقلّص الى النصف بدءاً من اليوم

تشرين2 20, 2020 25 مقالات وتحقيقات

«نصْبة» في المرفأ بمليونَي دولار! نقل «موادّ خطرة» من المرفأ: 2 مليون دولار ثمناً للذعر والإهمال

«نصْبة» في المرفأ بمليونَي دولار! نقل «م…

تشرين2 19, 2020 20 مقالات وتحقيقات

عام الانهيار والذلّ: «روداج» في الطريق إلى جهنّم

عام الانهيار والذلّ: «روداج» في الطريق إ…

تشرين2 03, 2020 71 مقالات وتحقيقات

الماركات العالمية تهجر لبنان،  الافلاسات التجارية خرجت عن السيطرة

الماركات العالمية تهجر لبنان، الافلاسات…

تشرين2 02, 2020 81 مقالات وتحقيقات

آلاف الطلبات أمام لجان الإيجارات للإفادة من الصندوق المالكون يطالبون بإصدار القرارات والمستأجرون يعترضون

آلاف الطلبات أمام لجان الإيجارات للإفادة…

تشرين2 02, 2020 251 مقالات وتحقيقات

تدقيق في التدقيق الجنائي: أسقطوه بالإجماع

تدقيق في التدقيق الجنائي: أسقطوه بالإجما…

تشرين2 02, 2020 113 مقالات وتحقيقات

صرفت نحو 1200 موظف من أصل 26 ألفاً والحبل على الجرّار! "أضواء" المصارف تنطفئ على وقع "تصفية" الفروع والدمج

صرفت نحو 1200 موظف من أصل 26 ألفاً والحب…

تشرين2 02, 2020 74 مقالات وتحقيقات

عجائب المصارف اللبنانية: كيف تجني الأرباح في عزّ الانهيار؟

عجائب المصارف اللبنانية: كيف تجني الأربا…

تشرين2 02, 2020 90 مقالات وتحقيقات

جامعيون مستقلون من أجل الوطن

جامعيون مستقلون من أجل الوطن

تشرين1 31, 2020 175 مقالات وتحقيقات

شورى الدولة يوقف تنفيذ عقد العمل الموحد لعاملات المنازل: تعطيل مبادرة جديدة للحدّ من ممارسات الاستعباد

شورى الدولة يوقف تنفيذ عقد العمل الموحد …

تشرين1 26, 2020 116 مقالات وتحقيقات

القضاء ينتصر للاستعباد! أصحاب مكاتب الاستقدام ينتفضون ضدّ عقد العمل الموحّد

القضاء ينتصر للاستعباد! أصحاب مكاتب الاس…

تشرين1 26, 2020 85 مقالات وتحقيقات