قراءة قانونية في ما تضمّنته الخطة الاصلاحية للحكومة مرقص: "الورقة" تدمّر القطاع المصرفي وتضرب الدستور

أيار 12, 2020

النهار-12-5-2020

موريس متى 

تنطلق الحكومة اللبنانية بمحادثاتها الرسمية مع صندوق النقد الدولي هذا الاسبوع، في اجتماعات تخصَّص في مراحلها الاولى للبحث في تفاصيل الخطة الاقتصادية التي وضعتها الحكومة والتي تعتبرها أساسا في مفاوضاتها مع الصندوق لحصول لبنان على برنامج تمويلي.

مفاوضات لن تكون سهلة واجتماعات تأمل الحكومة ان تحمل في نهايتها تمويلا مشروطا للبنان من المؤسسة الدولية التي وصفت خطة الحكومة بـ"الخطوة المهمة نحو الامام"، ليبقى المطلوب من لبنان العمل على تأمين الاستدامة المالية كانطلاقة جديدة للنمو وما ينعكس إيجابا على المواطنين. حكومة الرئيس حسان دياب تأخذ خطتها الانقاذية أساسا في المفاوضات مع الجهات الدولية، وتحديدا صندوق النقد، لتأمين تمويل خارجي تسعى الى ان يصل الى 10 مليارات دولار بحلول العام 2024.

سلسلة ملاحظات قانونية ودستورية تُطرح بالنسبة الى تفاصيل "برنامج الحكومة الإصلاحي"، فرغم عدد لا بأس به من الايجابيات التي تتضمنها الخطة على صعيدي الاصلاحات المالية والهيكلية لتأمين استدامة المالية العامة، يؤكد رئيس منظمة جوستيسيا المحامي بول مرقص ان "الورقة المقدمة تخفي مغالطات واشكاليات دستورية وقانونية، منها اولا في الشكل والعنوان. فما سمّي "برنامج الحكومة الاصلاحي" ليس إلا محاولة خاطئة في قسم كبير منها على الأقلّ، لإعادة التوازن الرقمي إلى المالية العامّة وترميم الفجوة المالية من مطارح مالية غير صائبة، وليست خطّة اقتصادية كما حاولت الحكومة الايحاء به، مع ضرورة الإشارة إلى حالة التلبّك في المفهوم والتسمية، فتارةً تسمى ورقة الحكومة "برنامجا" وتارةً "خطة" والفرق كبير بين المفهومين". ويشير مرقص الى ان هذه الخطة "تتضمن ايضا مغالطات واشكاليات دستورية وقانونية في إمكان المراجعة القضائية بوجه هذه الورقة. فالمراسيم والقرارات الوزارية الصادرة بمقتضى ورقة الحكومة المشكو منها، قابلة للطعن بموجب مراجعة إبطال أمام مجلس شورى الدولة في مهلة شهرين من تاريخ نشر القرار المطعون فيه، إلا إذا كان من القرارات الفردية فتبتدئ المهلة من تاريخ التبليغ او التنفيذ بحسب المادة /69/ من نظام مجلس الشورى. والمراسيم والقرارات الوزارية الصادرة بمقتضى برنامج الحكومة قابلة للطعن بموجب مراجعة إبطال أمام مجلس شورى الدولة، ومهلة المراجعة شهران تبدأ من تاريخ نشر القرار المطعون فيه إلا اذا كان من القرارات الفردية، فتبدأ المهلة من تاريخ التبليغ أو التنفيذ. وإذا انقضت مهلة المراجعة القضائية وتقدم بعد ذلك صاحب العلاقة بمراجعة إدارية إلى السلطة نفسها أو إلى السلطة التي تعلوها، فإقدام الإدارة على درس القضية مجدداً لا يفتح باب المراجعة إذا كان القرار الصادر نتيجة هذا الدرس مؤيداً للقرار الأول، لا تقبل الدعوى المقدمة بعد إنقضاء المهلة". ويضيف: "يمكن تقديم طلب الإبطال بسبب تجاوز حد السلطة ممن يثبت أن له مصلحة شخصية مباشرة مشروعة في إبطال القرار المطعون فيه على غرار المصارف، وعلى مجلس شورى الدولة أن يبطل الاعمال الادارية المشوبة بعيب من هذه العيوب:

- إذا كانت صادرة عن سلطة غير صالحة.

خطة الحكومة تعدم الثقة بالمصارف... و"لكن بعد فيه أمل"
- إذا اتخذت خلافاً للمعاملات الجوهرية المنصوص عليها في القوانين والأنظمة.

- إذا اتخذت خلافاً للقانون أو الأنظمة أو خلافاً للقضية المُحكمة.

- إذا اتخذت لغاية غير الغاية التي من أجلها خوّل القانون السلطة المختصة حق اتخاذها".

هذا على الصعيد الحكومي، أما على الصعيد التشريعي، فيلفت مرقص الى ان هذا البرنامج "قائم على سياسات وإجراءات، ولكنه يعوِّل أيضاً على صدور قوانين عن المجلس النيابي، وهذه القوانين عرضة للطعن أمام المجلس الدستوري المُنشأ بالقانون 250 الصادر عام 1993 من عدد من المرجعيات، لاسيما منها 10 نواب. فليس صحيحاً أن هذه الورقة لا تحتاج إلى قوانين، بدليل اقتراحات:

- زيادة الضرائب، ص 31.

- زيادة الغرامات، ص 32.

- زيادة الرسوم، ص 32.

- "إعداد مشروع قانون لتقديم تفاصيل عن آليات التنفيذ"، ص 32.

- شطب التزامات مصرفية، ص 46.

- انشاء صناديق، ص 52.

- انتخاب القضاة بدل تعيينهم، ص 57.

- وسواها الكثير...

حتّى أن الورقة الحكومية نفسها، تنص على سنّ مجموعة كاملة من القوانين عدّدتها الورقة في متن الصفحة 51".

وفي أسباب المراجعات القضائية المحتملة، فإن فلسفة الورقة الحكومية وروحيتها "غريبة" عن النظام الاقتصادي في لبنان، بحسب مرقص، "وكأن القائمين بها لا يعرفون هذا النظام أو لم يدركوا معناه في الصميم، وهو يعتبر الخطّ البياني للحياة الاقتصادية في لبنان. فالنظام اللبناني بحسب الفقرة "و" من الدستور، قائم على النظام الاقتصادي الحر الذي "يكفل" المبادرة الفردية والملكية الخاصة. والمادة /15/ من الدستور تنص على حماية الملكية الخاصة، بينما الورقة الحكومية تنص على "شطب التزامات" وتعديل في الحقوق المكتسبة والملكيات والرساميل واستبدال ودائع بأسهم وانشاء صندوق مخصص لاسترداد الودائع المختلسة ودمج "قسري" للمصارف. والعبرة في كل ذلك ليس في أن الأفكار التي أتت بها الحكومة أو من هم حولها، تحتاج إلى استحداث قوانين جديدة أو تعديل قوانين جديدة. فحتى لو صدرت مثل هذه القوانين، فلا بدّ أن تكون دستورية أي قوانين دستورية، وبمعنى آخر فهي تتطلّب تعديل الدستور لأنها تمسّ بالملكية الخاصة المكفولة دستورياً. والملكية فقهاً واجتهاداً لا تعني تملّك العقارات والمنازل فحسب بل المنقولات وغير المنقولات معاً بما في ذلك الودائع والأسهم وسندات الدين".

وفي ما يتعلق بجواز تعديل القوانين أو تعديل الدستور لهذا الغرض، يشير مرقص الى ان "تعديل الدستور لا يعني أنه أمر دستوري. فحتّى القوانين الدستورية التي تعدّل الدستور عرضة للإبطال. وقد سار على هذا المسار المجلس الدستوري في كل من لبنان وفرنسا، إذ إن المساس بالحقوق المكتسبة للمودعين في المصرف ولو كانوا من كبار المودعين، وللمساهمين في المصرف، ممّن لا ذنب لهم في الفجوة اللاحقة بالمالية العامة نتيجة سوء الإدارة الحكومية والفساد، هذا المساس لا يستقيم ولو بتعديل دستوري ولم يحصل في أي دولة، خصوصاً أن الواقع اللبناني مختلف عن سواه في اليونان أو أسبانيا أو البرتغال أو حتى فنزويلا والأرجنتين حيث لم تعرف هذه البلاد هذا المستوى من سوء الإدارة الحكومية، وحتى الفساد في هاتين الدولتين الأخيرتين لم يبلغ اختلاس الأموال العامة كما في لبنان حيث لا ذنب للمساهمين في المصارف والمودعين فيها. أمّا إعطاء أمثلة على غرار النموذج القبرصي في الاقتطاع من الودائع أو استبدالها بأسهم Bail- in فمغاير للواقع اللبناني، وقد اقتصر النموذج القبرصي عام 2013 على مصرفين اثنين متعثّرين فقط، أما ما تناول المصارف القبرصية وتلك العاملة في الجزيرة فاقتصر على قيود على السحب والتحويل لبضعة أشهر بناء على نص قانوني. فيظهر إذاً أن المفاهيم الاقتصادية هي الأخرى مشوّهة بحسب المنظار الحكومي اللبناني، وكذلك إعطاء القوانين مفعولاً رجعياً، جميعها أمور غير دستورية ولو صدرت بقوانين دستورية". ويتابع: "ما تقدّم من تصويب يحول دون المساس بالنظام الاقتصادي الحرّ، يقع في نطاق المبادئ القانونية العامة principes généraux de droit حيث إن المسألة ليست مجرّد نصوص وضعية يمكن تعديلها، والتعديل في القوانين وبالحريّ في الدستور à prioriيجدر أن يحترم أصول التشريع الذي أصبح علماً يسمّى Légisitiqueوإلا لكان جاز تشريع الجرائم المالية كسرقة واختلاس المال الخاص لدواعٍ تتّصل بإصلاح وترميم الفجوات في المالية العامة. هذا فضلاً عن الحماية الدولية للحقوق الاقتصادية والاجتماعية التي يكفلها العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية الصادر عام 1966 والنافذ عام 1972 بالنسبة الى لبنان الذي اعتمده مع الاعلان العالمي لحقوق الانسان وسائر المواثيق العالمية لحقوق الانسان التي نصت عليها مقدمة الدستور اللبناني لعام 1990 وجاء المجلس الدستوري اللبناني يعطيها الأهمية عينها التي يعطيها لنصوص الدستور". وينهي بالتأكيد ان "الكثير ممّا أتـت به الورقة الحكومية من أفكار، لا يستقيم دستورياً ولا يأتلف مع النظام الاقتصادي الليبرالي الحرّ الذي يطبع الحياة الاقتصادية والمالية في لبنان، ولا يتماشى مع المعايير الدولية لحقوق الانسان، فضلاً عن عدم لزومها من الناحية المالية الموضوعية حيث إن الحريّ التفتيش عن إجراءات بديلة متوافرة في ميدان إصلاح المالية العامة واستعادة المال المسروق بدل قوننة السرقة الموصوفة للملكيات الخاصة".

0
Shares
  1. الأكثر قراءة
شكاوى بالجملة على الاقتطاعات المصرفية من الحسابات وعلى السحوبات حرب العمولات تشتعل بين البنوك وزبائنها

شكاوى بالجملة على الاقتطاعات المصرفية من…

كانون2 20, 2021 19 مقالات وتحقيقات

تعويم سعر الليرة: سقوط درة تاج سلامة و…

كانون2 11, 2021 51 مقالات وتحقيقات

الطلاب يقاطعون الدفع | إدارة «الأميركية»: العودة إلى 1515 تقفل الجامعة! -

الطلاب يقاطعون الدفع | إدارة «الأميركية»…

كانون2 08, 2021 60 مقالات وتحقيقات

رحيل عصام الجردي: المستقيم في عالم ملتوٍ

رحيل عصام الجردي: المستقيم في عالم ملتوٍ

كانون2 08, 2021 60 مقالات وتحقيقات

ليس الوضع الصحّي في البلاد، وحده الذي خرج عن السيطرة. بل انعدام الآفاق حول تشكيل حكومة جديدة منتجة، سيخرج البلاد بأكملها عن السيطرة ومعها الإقتصاد والأمن. فالصورة السوداوية قد تصبح اكثر سواداً وانهياراً، ما يطرح تساؤلات حول السيناريوات التي قد نش

ليس الوضع الصحّي في البلاد، وحده الذي خر…

كانون2 06, 2021 84 مقالات وتحقيقات

المصارف و«الدولار الطالبي»: بلّوه واشربوا ميّتو!

المصارف و«الدولار الطالبي»: بلّوه واشربو…

كانون2 06, 2021 84 مقالات وتحقيقات

ماذا فعلت السلطة بالعمال في سنة ٢٠٢٠؟

ماذا فعلت السلطة بالعمال في سنة ٢٠٢٠؟

كانون2 04, 2021 255 مقالات وتحقيقات

لهذه الاسباب تتأخر مجالس العمل التحكيمية…

كانون1 31, 2020 102 مقالات وتحقيقات

خلاصة ومحطات 2020: أين هي انتفاضة 17 تشرين؟

خلاصة ومحطات 2020: أين هي انتفاضة 17 تشر…

كانون1 31, 2020 107 مقالات وتحقيقات

عام البؤس: كأنّ عقوداً حدثت في سنة

عام البؤس: كأنّ عقوداً حدثت في سنة

كانون1 31, 2020 78 مقالات وتحقيقات

آخر دهاليز الدعم: وضع اليد على الاحتياطي سِرّاً - جريدة المدن - خضر حسان

آخر دهاليز الدعم: وضع اليد على الاحتياطي…

كانون1 30, 2020 109 مقالات وتحقيقات