منسيّون في «بلد العسل والبخور»: العمال الأجانب... قنبلة موقوتة أخرى في بيروت

آب 31, 2020

الاخبار-31-8-2020

رضا صوايا 

لم يفرّق انفجار المرفأ، في ضحاياه وأضراره، بين لبناني وآخر ولا بين جنسية وأخرى. رغم ذلك، تصرّ ممارسات أفراد وجمعيات وجهات رسمية عدة - عمداً أو من دون قصد - على التمييز بين الضحايا والمتضررين، وخصوصاً ضد العمال الأجانب، وتحديداً القادمين من دول إفريقية وآسيوية ممن يعيش الآلاف منهم في العراء منذ وقوع الفاجعة. هؤلاء، ما من أحد يسأل عنهم: لا الدولة العاجزة أساساً عن رعاية مواطنيها، ولا دولهم التي تخلّت عنهم وأوصدت في وجههم أبواب قنصلياتها وسفاراتها، ما يجعل منهم قنبلة اجتماعية تنذر في حال تأخر الحلول بانفجار قد يصعب ضبطه.
مشكلة العمالة الأجنبية (غير العربية) بدأت بالتفاقم منذ ما قبل الانفجار، وتحديداً منذ تسارع الأزمة الاقتصادية والمالية وانهيار سعر صرف الليرة، ما دفع بالكثير من أرباب العمل إلى «رمي» (حرفياً) عمالهم في الشوارع، بحجة عدم قدرتهم على دفع مستحقاتهم بالدولار، علماً بأن كثيرين من هؤلاء لم يتقاضوا مستحقاتهم منذ أشهر (وفي بعض الحالات منذ أكثر من سنة). وجاء الانفجار ليزيد من حجم هذه الكارثة الإنسانية، وخصوصاً أن المناطق المتضررة كانت تضم تركزاَ ضخماً لليد العاملة الأجنبية.
«ما من أرقام دقيقة لدينا حول أعداد العمال الأجانب الذين أصبحوا بلا مأوى» بحسب محافظ مدينة بيروت القاضي مروان عبود، لافتاً الى «أننا كنا نسعى جاهدين قبل وقوع الانفجار إلى معالجة وضع العمال الذين تخلى عنهم أرباب عملهم ورموهم في الشوارع. وقد بادرنا لهذه الغاية إلى توقيع اتفاقية مع منظمة اليونيسف لتحسين شروط إيوائهم ومعيشتهم وترحيلهم. كما كنا نخطط لبناء مركز لاستقبالهم... إلى أن حلت الكارثة التي عرقلت هذه الجهود». عبّود أقر بأن «الدولة لم تتعامل، حتى اللحظة، بالشكل المناسب مع هذا الملف الإنساني الشائك». إلا أن الأمر «لا يعود مطلقاً لأسباب عنصريّة أو لعدم اكتراث بوضعهم المأسوي، بل لضعف الإمكانات في ظل مصيبة بهذا الحجم. فنحن بالكاد قادرون على التعامل مع الفاجعة التي ألمّت باللبنانيين».
تقدر فرح بابا، مسؤولة التواصل في «حركة مناهضة العنصرية»، أعداد العمال الأجانب الذين أصبحوا بلا مأوى بالآلاف، وما يزيد من صعوبة تحديد أعدادهم بدقة «افتقاد كثيرين منهم لأوراق ثبوتية ووضعهم القانوني غير الشرعي، ما يعزز مخاوفهم ويحول دون تواصلهم مع الجهات الرسميّة. أضف إلى ذلك أنه، حتى اللحظة، لا يزال العديد من العمال الأجانب يرمون في الشوارع من قبل أرباب عملهم، حتى إن بعض سكان المناطق المتضررة تخلّوا عن العاملين لديهم ليلة وقوع الانفجار»!
البابا لفتت إلى «غياب أي استراتيجية جدية وواضحة للتعامل مع هذا الملف، وجميع المبادرات في هذا المجال يقودها أفراد جمعيات، كل منها بشكل مستقل، ومن دون أي تعاون بينها. في بعض الحالات، تبرع لبنانيون بمسكن مجاني للعمال المتضررين، وفي حالات أخرى حصلت حملات تبرع لتأمين كلفة إيجار شقق لإيوائهم». ونبّهت إلى أنه «رغم أن عدداً كبيراً منهم انتقلوا للعيش مع أصدقاء لهم في مناطق أخرى، إلا أن كلفة هذا الأمر كبيرة جداً، إنسانياً وصحياً، إذ أنهم أساساً يعيشون بشكل مكتظّ في مساحات ضيقة، وهو ما قد يشكل خطراً إضافياً مع تفشي فيروس كورونا وعدم قدرتهم على الاحتفاظ بأي مسافات آمنة أو توفير غرف منعزلة لمن يصاب منهم».

جمعيات وأفراد يمارسون التمييز ضد العمال الأجانب ويحرمونهم من المساعدات

عبود، من جهته، حذّر من «أن إهمال هذا الملف يشكل قنبلة قابلة للانفجار في أي لحظة في بيروت، وخصوصاً إذا طال أمد المعالجة ولم يعد في إمكان العمال الصبر وتحمل وضعهم». الأسوأ أن ممارسات بعض الأفراد والجمعيات تساهم في تعزيز حالة الاحتقان بين العمال الأجانب الذين يشعرون بالتمييز تجاههم، وبـ«تهميش يطالهم لناحية المساعدات الغذائية والألبسة ومواد التنظيف، وفي بعض الحالات تعرّض البعض منهم لاعتداءات جسدية»، بحسب البابا.
المسؤولية لا تقع فقط على عاتق الدولة اللبنانية، بل إن «أغلب دول هؤلاء العمال غير مبالية بوضعهم، وسفاراتهم وقنصلياتهم غائبة عن السمع»، بحسب البابا، مشيرة الى أن غالبية هؤلاء من «إثيوبيا وكينيا وبنغلادش وغامبيا وسريلانكا والكاميرون وسيراليون». وقد ساهم الضغط الإعلامي في تحريك بعض القنصليات، إلا أن «مبادراتهم لا تزال ضعيفة ومحدودة. فيما أغلب العمال يريدون العودة إلى بلادهم، ولا يكترثون بالحصول على مستحقاتهم التي حرم كثيرون منها لأشهر وسنوات».
أما المأساة الأكبر فتكمن في عدد العمال الأجانب الذين لا يزالون في عداد المفقودين ولا معلومات دقيقة عن أعدادهم أو عن هوياتهم. وبحسب محافظ بيروت، فإن «رجال الإنقاذ يرجحون بأن هناك مفقودين من العمال الأجانب لا أحد يدري بهم كونهم دخلوا بطريقة غير شرعية ولا يملكون أوراقاً ثبوتية»، فيما تقول البابا إن «معلوماتنا تشير إلى وجود ثلاثة مفقودين من العمال الأجانب من جنسيات غير عربية، لكننا نرجح أن يكون العدد الفعلي أكبر».

0
Shares
  1. الأكثر قراءة
شورى الدولة يوقف تنفيذ عقد العمل الموحد لعاملات المنازل: تعطيل مبادرة جديدة للحدّ من ممارسات الاستعباد

شورى الدولة يوقف تنفيذ عقد العمل الموحد …

تشرين1 26, 2020 3 مقالات وتحقيقات

القضاء ينتصر للاستعباد! أصحاب مكاتب الاستقدام ينتفضون ضدّ عقد العمل الموحّد

القضاء ينتصر للاستعباد! أصحاب مكاتب الاس…

تشرين1 26, 2020 2 مقالات وتحقيقات

الحركة الشبابيّة للتغيير: إجراءات فوريّة للإنقاذ

الحركة الشبابيّة للتغيير: إجراءات فوريّة…

تشرين1 23, 2020 7 مقالات وتحقيقات

الطبقة الوسطى تنهار: فقدان حزام الأمان الاجتماعي؟

الطبقة الوسطى تنهار: فقدان حزام الأمان ا…

تشرين1 23, 2020 8 مقالات وتحقيقات

حان وقت رفع الدعم عن الأغنياء -

حان وقت رفع الدعم عن الأغنياء -

تشرين1 20, 2020 22 مقالات وتحقيقات

"حرب" الصيدليات ومستوردي الأدوية: حياة المرضى بخطر - جريدة المدن - عزة الحاج حسن

"حرب" الصيدليات ومستوردي الأدو…

تشرين1 14, 2020 41 مقالات وتحقيقات

كلّما ارتفع "المعاش" وانخفضت قيمة الليرة ازدادت نسبة الاقتطاع لصالح القطاع المصرفي الرواتب الموطّنة بالدولار تُنتهك من التعميم 151 واستنسابية البنوك

كلّما ارتفع "المعاش" وانخفضت ق…

تشرين1 14, 2020 41 مقالات وتحقيقات

المافيا تمنع الدواء

المافيا تمنع الدواء

تشرين1 13, 2020 32 مقالات وتحقيقات

أقطاب سلطة النهب يمنعون التدقيق الجنائي لإخفاء جرائمهم المالية

أقطاب سلطة النهب يمنعون التدقيق الجنائي …

تشرين1 12, 2020 28 مقالات وتحقيقات

تعميم مرتقب يمدد العمل بالسحوبات المصرفية على اساس 3900 ليرة تقاذفَ المسؤولين كرة رفع الدعم خوفا من إنفجارها... القرار للحكومة!

تعميم مرتقب يمدد العمل بالسحوبات المصرفي…

تشرين1 12, 2020 41 مقالات وتحقيقات

التدقيق كشف مبالغات: إدانة من دون محاسبة لكارتيل المدارس

التدقيق كشف مبالغات: إدانة من دون محاسبة…

تشرين1 09, 2020 54 مقالات وتحقيقات

البطاقة التموينية... "طبخة بحص"؟

البطاقة التموينية... "طبخة بحص…

تشرين1 06, 2020 44 مقالات وتحقيقات

وعود جديدة بالمزيد من الفقر: جهنم أصبحت قريبة!

وعود جديدة بالمزيد من الفقر: جهنم أصبحت …

تشرين1 05, 2020 178 مقالات وتحقيقات

دراسة لتوفيق كسبار: الدولة أقرضت مصرف لبنان... لا العكس!

دراسة لتوفيق كسبار: الدولة أقرضت مصرف لب…

تشرين1 05, 2020 64 مقالات وتحقيقات

تعويضات نهاية الخدمة: الضمان «يبلف» الأُجراء

تعويضات نهاية الخدمة: الضمان «يبلف» الأُ…

تشرين1 01, 2020 85 مقالات وتحقيقات

صندوق بطالة يوزّع 40 دولاراً في الشهر

صندوق بطالة يوزّع 40 دولاراً في الشهر

أيلول 30, 2020 117 مقالات وتحقيقات

كشف حقائق وتحديد المخالفات في قضيّة الموظفين المصروفين من الجامعة الأميركيّة -

كشف حقائق وتحديد المخالفات في قضيّة المو…

أيلول 30, 2020 89 مقالات وتحقيقات

ديوان المحاسبة يخرق «حصانة الوزراء» حكم …

أيلول 30, 2020 72 مقالات وتحقيقات