وعود جديدة بالمزيد من الفقر: جهنم أصبحت قريبة!

تشرين1 05, 2020

المرصد

أسعد سمور- لم نعد قادرين على دعم السلع الأساسية، القمح والوقود، والدواء. هذا ما أعلنه حاكم مصرف لبنان  رياض سلامة بعد أن كشف أن احتياطات مصرف لبنان وصلت إلى 19 مليار دولار،  لا يمكن المس بـ 17 مليار منها لأنها أموال المودعين، بحسب رياض سلامة. جميع التقديرات تفيد أن أمامنا شهرين قبل أن تحل المجاعة وتفتك بنا الأمراض. لقد كان واضحا أن أزمة شح الدولارات ستتفاقم والتدهور سيقودنا إلى المرحلة الأسواء في تاريخ لبنان بعد مجاعة 1915.

إذا رفع الدعم أصبح مسألة وقت، والسلطة السياسية قررت أن لا تقدم حلولا، بل بدأت تشغل رأسها بكيف سترفع الدعم دون أن يتسبب ذلك  بردود فعل عنيفة. إنها تفكر بـ"كيف نقودهم إلى جهنم بهدوء". مفاعيل القنبلة التي فجرها حاكم مصرف لبنان، ستكون أقوى بكثير من الأثار الاقتصادية لانفجار المرفأ، إذ أن رفع الدعم عن المحروقات كفيل بدفع ما تبقى من اللبنانيين إلى براثن الفقر وإلى تآكل حاد في القدرة الشرائية لجميع اللبنانيين.

 إذ أنه في حال قررت الحكومة دعم الوقود على سعر 3900 ل.ل للدولار الأميركي فإن سعر صفحة البنزين سيصل إلى 61 ألف. أما تنكة المازوت فستصل إلى 41 ألف ليرة لبنانية.  ورفع الدعم لا يقتصر على سعر البنزين للتنقل أو المازوت للتدفئة بل يمتد على كل شيئ، فمن المتوقع أن تزداد كلفة الاشتراك بالمولدات بنسبة 160% كذلك سترتفع أسعار جميع السلع بعد ارتفاع كلفة النقل. أما الارتفاع الأكبر سيكون بأسعار السلع المصنعة محليا، نظرا لازدياد كلفة الطاقة في المصانع. أما إذا قررت رفع الدعم كليا فإن الأسعار ستقفز بشكل أكثر جنونا.

 

الحلول الرسمية: استغباء للناس

"جهنم غلاء الأسعار" المنتظر سيتم تجميله بعمليات دعم مباشر عبارة عن 500 ألف ل.ل سيتم تقديمها للأسر الأكثر فقرا. هذا الاقتراح الفذ هو الاقتراح الوحيد المطروح اليوم، وحيث أن نسبة الذين هم تحت خط الفقر في لبنان هي 55% فمن المتوقع أن يستفيد من هذا الدعم أكثر من 680 ألف أسرة.

مشروع الـ500 ألف يذكرنا بقرار حكومة دياب بتوزيع 400 ألف على الأسر المحتاجة. آلية التوزيع حينها أثارت الكثير من اللغط والشبهات حول عدالة التوزيع، وسرعة وصول المساعدات النقدية، كما أن توزيع المساعدات يثير المخاوف نظرا لعدم ثقة اللبنانيين بالقائمين على السلطة ونزاهتهم فهل تصل المساعدات إلى المحتاجين إليها أم سيتم توزيعها مجددا على الأزلام والمحسوبيات؟

خيار تقديم دعم الـ500 ألف لا يثير فقط التساؤل حول نزاهة توزيع الأموال على الأسر الأكثر فقرا، بقدر ما يطرح التساؤل حول فعالية هذا الدعم؟ فماذا ستقدم الـ500 ألف لمئات ألاف العمال الذين يذهبون إلى  عملهم بسياراتهم في ظل الارتفاع الجهنمي المتوقع لسعر البنزين، وكيف يمكن للأسر في المناطق الباردة لاسيما في البقاع أن تواجه قساوة إرتفاع الأسعار وكلفة التنقل وبرد الشتاء مع تضاعف سعر صفيحة المازوت أكثر من 300% بالحد الأدنى. وكيف سيواجه المصروفين من عملهم كلفة الموجة الجديدة من ارتفاع الاسعار؟

لاشك أن الـ500 ألف "ما تشيل الزير من البير" وهي أيضا ليست البحصة التي ستسند "الخابة" الممتلئة هموما ومشاكل وغلاء في أسعار الطعام والشراب والدواء والتنقل وكل شيء

ماذا يمكن أن نفعل؟

لابد من التكرار مجددا، أن السياسات الاقتصادية المتبع، وطبيعة النظام اللبناني القائم على المحسوبيات الطائفية تسببت بأغلبية الأزمات التي عاشها لبنان، وقاد البلد إلى هذه الأزمة. هذا النظام لم يفكر ولو للحظة بتقديم حلول جدية بالرغم من الوطأة الشديدة للأزمة على اللبنانيين والمقيمين على السواء، وبالرغم من الانفجارات الاجتماعية التي شهدناها (17 تشرين) والتي قد نشهدها لاحقا. وأغلب الظن أن جميع أطراف النظام يعرفون جيدا أن حلول الحد من التدهور متاحة ولكنهم جميعا لن يقدموا عليها.

المسألة أصبحت واضحة، بقاء لبنان وتجنيبه "جهنم الموعودة" يتطلب أن يشارك أصحاب الملايين بتحمل أعباء الأزمة. لقد حقق هؤلاء أرباحا خيالية بسبب هذا النظام، إذ أن 2% من المودعين في المصارف يملكون 60% من الودائع المصرفية. لا بل أكثر من ذلك فإن 103 مودعين يملكون أكثر من 12 مليار دولار أي ما يوزاي 30% من احتياطات مصرف لبنان من العملات الاجنبية، وعلى هؤلاء أن يشاركوا في تحمل أعباء الأزمة الاقتصادية. إذ أنه لم يعد من المجدي أو المقبول أن يستمر أصحاب الدخل المحدود والمصروفين والعاطلين عن العمل بتحمل أكلاف الأزمة الاقتصادية، فيما يضاعف أصحاب المليارات ملياراتهم ويهربون أموالهم خارج البلاد.

لقد بات من الضروري والملح أن تبدأ السلطات المعنية باتخاذ الاجراءات الآيلة إلى الاقتطاع من الودائع (haircut)، ولابد أن يكون هذا الاقتطاع من الودائع الضخمة، كذلك يجب قوننة الـcapital control، بما يضمن إمكانية حصول المصانع والمزارعين على الدولارات الكافية لتأمين استيراد السلع التي تساعد في الانتاج.  واقرار القوانين اللازمة لاستعادة الأموال المنهوبة والمهربة. كذلك من المهم جدا أن تقوم الأجهزة الأمنية بدورها وتتشدد في مكافحة التهريب لاسيما المحروقات، بدلا من أن تقضي وقتها في استدعاء الصحافيين ومطاردة المتظاهرين وتعنيفهم.

كذلك يجب إقرار القوانين والمراسيم اللازمة لتحرير السوق من الاحتكارات التي تستنزف قدرة اللبنانيين الشرائية. وتحرير الأسواق من الاحتكارات سيؤدي إلى خفض الأسعار بنسبة 30% على الأقل. كذلك على وزارة الاقتصاد تعزيز الرقابة على الأسعار المتفلتة وغير المنطقية على الاطلاق. حيث يستغل التجار فوضى سعر الصرف لتحقيق المزيد من الأرباح على حساب العمال عبر خفض أجورهم وصرفهم من العمل من جهة، وزيادة الأسعار على المستهلكين لتحقيق المزيد من الثروات. لذلك فقد بات من الضروري أن تتدخل الجهات الرسمية والوزارات لاسيما وزارات الاقتصاد والمالية والشؤون الاجتماعية والعمل واتخاذ قرارات فعليه لكبح جماح التدهور، ودعم الفئات الأكثر فقرا وتهميشا، لأن هذه الفئات لم تعد قادرة على تحمل كلفة الأزمة منفردة، وزيادة الضغوط عليها سيقود إلى تهشيم ما تبقى لنا من الأمن الإجتماعي. أما استمرار النظام بهذه السياسات فيعني إصراره على أن يقودنا إلى جهنم كرمى لعيون مالكي الثروات الضخمة

0
Shares
  1. الأكثر قراءة
ألف وحمسماية  موظف صُرفوا من القطاع المصرفي منذ بداية 2019 و5 آلاف يُتوقع صرفهم بعد آذار نتيجة الدمج وإقفال فروع

ألف وحمسماية موظف صُرفوا من القطاع المص…

تشرين2 26, 2020 7 مقالات وتحقيقات

خرق قوانين بالجملة وتضييع حقوق الأجيال الحالية والقادمة من أجل المحافظة على ثبات سعر الصرف "معصية" المركزي التي أدخلت اللبنانيين إلى "جهنم" الفقر والإنهيار

خرق قوانين بالجملة وتضييع حقوق الأجيال ا…

تشرين2 25, 2020 13 مقالات وتحقيقات

معاً نستردّ الدولة": مبادرة ملحم خلف الإنقاذية

معاً نستردّ الدولة": مبادرة ملحم خل…

تشرين2 24, 2020 15 مقالات وتحقيقات

غازي وزني ورياض سلامة أمام المساءَلة؟

غازي وزني ورياض سلامة أمام المساءَلة؟

تشرين2 23, 2020 18 مقالات وتحقيقات

ربع اللبنانيين فقراء لا تعرفهم الدولة

ربع اللبنانيين فقراء لا تعرفهم الدولة

تشرين2 18, 2020 32 مقالات وتحقيقات

إنتحار مُبكر... شطب 80 % من الودائع منذ اليوم

إنتحار مُبكر... شطب 80 % من الودائع منذ …

تشرين2 16, 2020 32 مقالات وتحقيقات

هل تفرض المصارف قيوداً جديدة على المودعين؟

هل تفرض المصارف قيوداً جديدة على المودعي…

تشرين2 13, 2020 58 مقالات وتحقيقات

الماركات العالمية تهجر لبنان،  الافلاسات التجارية خرجت عن السيطرة

الماركات العالمية تهجر لبنان، الافلاسات…

تشرين2 02, 2020 85 مقالات وتحقيقات

آلاف الطلبات أمام لجان الإيجارات للإفادة من الصندوق المالكون يطالبون بإصدار القرارات والمستأجرون يعترضون

آلاف الطلبات أمام لجان الإيجارات للإفادة…

تشرين2 02, 2020 259 مقالات وتحقيقات

تدقيق في التدقيق الجنائي: أسقطوه بالإجماع

تدقيق في التدقيق الجنائي: أسقطوه بالإجما…

تشرين2 02, 2020 119 مقالات وتحقيقات

صرفت نحو 1200 موظف من أصل 26 ألفاً والحبل على الجرّار! "أضواء" المصارف تنطفئ على وقع "تصفية" الفروع والدمج

صرفت نحو 1200 موظف من أصل 26 ألفاً والحب…

تشرين2 02, 2020 80 مقالات وتحقيقات

عجائب المصارف اللبنانية: كيف تجني الأرباح في عزّ الانهيار؟

عجائب المصارف اللبنانية: كيف تجني الأربا…

تشرين2 02, 2020 97 مقالات وتحقيقات

جامعيون مستقلون من أجل الوطن

جامعيون مستقلون من أجل الوطن

تشرين1 31, 2020 184 مقالات وتحقيقات