الانتفاضة لم تخلُ من رؤى اقتصادية... هذه بعضها

تشرين1 20, 2020

النهار-20-10-2020

 


فرح نصور

كانت المجموعات المشاركة في #انتفاضة #17 تشرين الأول الفائت، ورؤيتها ال#اقتصادية، تذهبان باتجاه تبعاً للظروف القائمة حينها. أمّا وقد تدهور الوضع الاقتصادي وانهار سعر صرف الليرة منذ سنة حتى وصل إلى أوجِهِ اليوم، اختلف المشهد المالي والنقدي والاقتصادي تماماً، فالظروف حتّمت وضع أولوية لخططٍ ومشاريع طوارئ لإنقاذ البلد وليس لحلول جذرية. مع حلول الذكرى السنوية الأولى للانتفاضة، تحدّثت "النهار" مع بعض المسؤولين في بعض المجموعات المنتمية للانتفاضة، لطرح رؤيتها الاقتصادية والحلول البديلة التي تراها في هذه الظروف، كونها حركات تغيير.

بعد انتفاضة 17 تشرين الأول بنحو شهر، تقدمت حركة "مواطنون ومواطنات في دولة" بطرح سياسي لمقاربة الأزمة التي يعيشها البلد وهي الانهيار المالي، وهذا الطرح تمثّل بوثيقة بعنوان "المأساة ليست قدراً بل قد تكون فرصة استثنائية"، وهو يقوم على فرض تفاوض الانتقال السلمي للسلطة إلى حكومة انتقالية مع صلاحيات تشريعية لمدة 18 شهراً، وتكون لديها مهمتان أساسيتان: مواجهة تداعيات الأزمة المالية، وإقامة أسس لدولة مدنية في لبنان. وفي خطٍ موازٍ، يفيد مفوّض العلاقات السياسية في حركة "مواطنون ومواطنات في دولة"، معن الخليل، أنّ الحركة عملت على وضع طرحٍ اقتصادي للأزمة الحالية، وهو عمل عميق تطلّب أبحاثاً وتحضيراً، نتج عنه إصدار كتابٍ بعنوان "اقتصاد ودولة للبنان" بثلاث لغات منذ نحو شهرين، وأمين عام الحركة الوزير السابق شربل نحاس هو المساهم الأساسي فيه. ويحتوي على الطروحات الاقتصادية المرتبطة بالسياسات مع شروحات لكل قطاع من القطاعات، وفصل مهم جداً يتعلّق بالنقد ودوره في الاقتصاد وفي القطاع المصرفي وغيره.

"لم نتقّدم للسلطة بطروحاتنا، فنحن لسنا مستشارين لدى أحد منهم، طرحُنا موجه للشعب اللبناني"، والمشكلة تكمن في أنّ لدينا نظاماً سياسياً قائماً على تآلف ستة زعماء طوائف، وهذا النظام سقط بالموت الذاتي ولم يسقط بفعل تظاهر الناس في الشوارع وعدم رضاهم عن السلطة، إنّما سقط لأنّ شريان التغذية لهذا النظام أي الدولارات التي تأتي من الخارج، توقّفت. وفي الاقتصاد يجب اتخاذ خيارات سياسية وتأمين موارد لها، حتى لو كانت لها أثمان. وبرأينا، الأزمة التي نعيش فيها اليوم هي ناتجة بشكلٍ كبير جداً عن عجزٍ بنيوي في ميزان المدفوعات، فنحن نستورد أكثر بكثير ممّا نصدّر، وبالتالي نستورد كلّ ما نستهلكه ولا نستورد أي شيء. ويشرح الخليل أنّ "التحدي هو عبر كيفية بناء أسس اقتصاد قابل للتوازن مع الخارج للتخفيف من الاستيراد بشكلٍ كبير جداً وتعزيز التصدير، وهذا خيار سياسي. كما يجب تعزيز السلع والخدمات القابلة للتبادل مع الخارج مقابل السلع والخدمات غير القابلة للتبادل مع الخارج. ولدينا في استهلاكنا هذا النوع من السلع والخدمات، لا بل تتطلّب استيراد مواد كثيرة. وهذا من العناوين الأساسية في مهمات النهوض من الأزمة، عبر بناء اقتصاد يتوازن مع الخارج، وهذا نتيجته ليست اقتصادية فقط بل سياسية أيضاً، فموقف لبنان تجاه الخارج يصبح أقوى بدلاً من انتظار المعونات والخوف على اقتصادنا من زعل أي دولة منا. فعندما يكون اقتصادنا متوازناً مع الخارج، تعرُّضَنا للضغوطات الخارجية يصبح أقلّ".
والبداية في الإنقاذ، برأي الخليل، من مسؤولية الحكومة المقبلة، فعليها أن تقوم بجردة الموجودات، إذ لا أحد يعرف اليوم المبلغ الدقيق عن حجم الدولارات للاستعمال، وليس هناك رقم رسمي. ويجب السؤال عن الذهب أيضاً، أين هو موجود، وهل هناك أي قيود عليه، وهل استُخدم كلّه أم جزء منه، لأنه يجب معرفة ما هي الموارد المتاحة. ثانياً علينا التفاوض مع الدول الخارجية للبحث بما يمكن تأمينه من موارد مادية وعينية وبأي شروط، هل هي سياسية أم اقتصادية، وإذا ما كانت سياسية، ما هو مقبول منها وما هو مرفوض. هذان الإجراءان يجب أن تقوم بهما الحكومة في الثلاثة أسابيع الأولى من انطلاقها.


التمويل بالنمو كخطة حلّ أساسية

لدينا مشروع اقتصادي كنّا نعمل عليه قبل انتفاضة 17 تشرين بسنوات، ويرتكز على تحقيق العدالة الاجتماعية بتغيير مفاهيم موجودة في النظرية الاقتصادية السياسية، وفق ما يقول نائب رئيس مركز التمويل بالنمو للدراسات، طالب سعد. اليوم هناك أكثر من فساد أشخاص في الحكم، هو فساد مفاهيم وتخلّف في الفكر والرؤية الاقتصادية والسياسية الحاكمة. مشروعنا هو تمويل الإنفاق العام الحكومي عبر النمو، والمقصود به القوة الشرائية للأفراد وليس الناتج المحلي، وبذلك نستهدف الفرد في المجتمع لأنّ نمو الناتج المحلي لا يعكس حقيقة وضع الأفراد الاقتصادية والمالية، وليس دراسة الاقتصاد على أنّها ورقة موازنة. الآن يستعينون بخبراء لخفض العجز، لكنّهم يخفضون الدين على الأوراق وليس في الوضع الاقتصادي الذي يصيب الناس مباشرةً. مشروعنا يتم عبر ضخ النقد من البنك المركزي وليس عبر جباية الضرائب التي تسحب أكثر من السيولة في المجتمع.

ويكمل سعد حديثه بأنّ أزمة لبنان المالية ليست الوحيدة في العالم، فقد أصيب كثير من البلدان الكبرى بأزمات مماثلة، والتعامل مع الأزمة بما نشهده اليوم هو تخلّف وغياب للبحث العلمي في الخروج منها. والانهيار الحاصل لا يمكن حلّه عبر سحب جزء آخر من سيولة الناس عن طريق الضرائب بسبب موازنة الدولة، بدليل أنّ الإنفاق العام الحكومي المتزايد اليوم والذي أصبح فيها مستوى الكتلة النقدية أكثر من عشرة أضعاف، -وعادةً يؤمنه المصرف المركزي في السوق- تعيش الدولة على الضخ النقدي وهي عملية التوفير النقدي التي يؤمنها المركزي، وبالتالي نذهب إلى مستوى أكثر صعوبة من خلال هذه الإجراءات. في الوضع الراهن، لا حلّ إلّا عن طريق دعم قطاعات الإنتاج بأسرع وقت، فهي الوحيدة القادرة على تأمين عملات أجنبية عن طريق التصدير، عبر تقليل كلفة الإنتاج التي تحمل عبئاً كبيراً من القطاع العام وحجمه وضخامته وعدم إنتاجيته. وكان من المفترض تنفيذ ذلك سابقاً لتوفير الدولارات. ويجب البارحة قبل اليوم توفير المواد الأولية اللازمة وإعفاء الشركات المنتجة وقطاعات الإنتاج من الضرائب، ودعمها بشكلٍ كاملٍ كي تستطيع إنتاج سلع لتصديرها لإدخال دولارات إلى البلد.

وبرأيه، إن هذه الإجراءات هي بمثابة إسعافات أولية للبنان، فاليابان وألمانيا قامتا بهذه الإجراءات لإنقاذ اقتصادهما ونجحتا. ويجب تنفيذ عفو عام على الأفراد وإعفاؤهم من دفع الضرائب أيضاً. أمّا الحلول الجذرية للإنقاذ فهي بحاجة إلى إصدار قرارات سياسية. وقد تقدّمنا لأطراف سياسية عديدة بطروحاتنا قبل الانتفاضة، لكن أحداً لم يتعامل مع الموضوع بشكلٍ جدّي.


دعم قطاعات الإنتاج كحلّ سريع

تحوّل نظامنا اللبناني منذ ثلاثين عاماً إلى نظام اقتصاد ريعي وضعفت كافة القطاعات المنتِجة، عندما أُلغيت الحماية الجمركية عن البضائع في بلدٍ صناعته غير مدعومة، ما أدّى إلى ضربها، وعندما ألغوا الروزنامة الزراعية أصبح الإنتاج الزراعي للدول المجاورة يزاحم إنتاجنا خاصة وأنّ دول الجوار زراعتها مدعومة، يشرح القيادي في التيار النقابي المستقل، جورج سعادة. الأزمة هي أزمة نظام اعتمد خيار النيو - ليبرالية وضرب الاقتصاد بدلاً من أن يحميه. وصلنا الآن إلى مكانٍ لم تعد أزمة، بل انهيار كامل للاقتصاد وللنظام الاجتماعي والمالي والتربوي وسواه.

كان لدينا رؤية اقتصادية تقضي بإعادة الاعتبار للنظام الاقتصادي المنتِج عبر دعم الصناعة والزراعة لزيادة حصتهما من الإنتاج الوطني، وهي إجراء بسيط يستدعي فقط زيادة القروض، بالإضافة إلى استعادة الأموال المنهوبة وما زال مطلبنا، وإصلاح النظام الضريبي عبر وضع ضريبة على الودائع الكبيرة التي استفادت من الهندسة المالية والفوائد الكبيرة، فهي قادرة ويجب أن تدفع، فيجب فرض الضريبة التصاعدية كما في العالم بأسره وليس ضريبة ثابتة وقدرها 15 % كما الحال لدينا. فضلاً عن ذلك، طالبنا باستعادة الأملاك البحرية والنهرية، وكذلك استعادة الأموال التي دُفِعت للهندسات المالية لأنّها كانت مخالفة للأصول الوطنية.

أمّا في الوقت الراهن، وبحسب سعادة، فلا زال جزء من هذه الإجراءات قادراً على تحريك الاقتصاد وإنعاشه، فإذا ما استعادت الدولة الهندسة المالية ولو جزئياً، والأموال المنهوبة، يمكننا أن نقف من جديد، وهذا يتطلب قراراً ومتابعة ورفع حصانة. وإذا ما أوقفت الدولة الهدر والفساد اللذين لم يتوقفا دقيقة واحدة، تستطيع الدولة استرجاع 5,5 مليارات دولار، وذلك عبر قيام حكومة إلكترونية، لأنّ هذا الفساد حاصل بالتواصل المباشر بين المواطن والموظّف.

ولإنعاشٍ سريع، يرى سعادة أنّ على الدولة وضع مشروع دعم للإنتاج بكافة قطاعاته. فهناك ودائع محجوزة للناس تُقدَّر بنحو 17 مليار دولار، يمكن للدولة أن تستقطب أصحاب الحسابات هذه وأن تعطيهم إيّاها لصرفها على المشاريع المنتِجة المدعومة، والدولة هنا عليها إعفاء هؤلاء المستثمرين من الرسوم والضرائب. هنا، بحسب سعادة، ستندفع الناس للاستثمار في هذه المشاريع بدلاً من بقاء أموالها محجوزة في المصارف. وعندما ننتج نقلّل من الاستيراد، فأزمتنا هي أنّنا كنّا نستورد بقيمة 16 مليار دولار سنوياً ونصدّر بين 3 و 4 مليارات فقط، فهذا الاستنزاف أفرغ العملة الصعبة من البلد.

وقيام البلاد يستدعي تنفيذ مشاريع تنموية، وفي حال رفع الدعم الذي يدور الحديث عنه، يجب تأمين بطاقة تموينية صحيحة لجميع اللبنانيين، وليس بطاقة بـ 400 ألف ليرة لا تكفي لثلاثة أيام، لأنّ حينها سنذهب إلى فقر ومجاعة وازدياد عدد الأفراد الذين هم دون خط الفقر، إلى أكثر من 65%.

0
Shares
  1. الأكثر قراءة
ألف وحمسماية  موظف صُرفوا من القطاع المصرفي منذ بداية 2019 و5 آلاف يُتوقع صرفهم بعد آذار نتيجة الدمج وإقفال فروع

ألف وحمسماية موظف صُرفوا من القطاع المص…

تشرين2 26, 2020 6 مقالات وتحقيقات

خرق قوانين بالجملة وتضييع حقوق الأجيال الحالية والقادمة من أجل المحافظة على ثبات سعر الصرف "معصية" المركزي التي أدخلت اللبنانيين إلى "جهنم" الفقر والإنهيار

خرق قوانين بالجملة وتضييع حقوق الأجيال ا…

تشرين2 25, 2020 13 مقالات وتحقيقات

معاً نستردّ الدولة": مبادرة ملحم خلف الإنقاذية

معاً نستردّ الدولة": مبادرة ملحم خل…

تشرين2 24, 2020 15 مقالات وتحقيقات

غازي وزني ورياض سلامة أمام المساءَلة؟

غازي وزني ورياض سلامة أمام المساءَلة؟

تشرين2 23, 2020 18 مقالات وتحقيقات

ربع اللبنانيين فقراء لا تعرفهم الدولة

ربع اللبنانيين فقراء لا تعرفهم الدولة

تشرين2 18, 2020 32 مقالات وتحقيقات

إنتحار مُبكر... شطب 80 % من الودائع منذ اليوم

إنتحار مُبكر... شطب 80 % من الودائع منذ …

تشرين2 16, 2020 31 مقالات وتحقيقات

هل تفرض المصارف قيوداً جديدة على المودعين؟

هل تفرض المصارف قيوداً جديدة على المودعي…

تشرين2 13, 2020 58 مقالات وتحقيقات

الماركات العالمية تهجر لبنان،  الافلاسات التجارية خرجت عن السيطرة

الماركات العالمية تهجر لبنان، الافلاسات…

تشرين2 02, 2020 85 مقالات وتحقيقات

آلاف الطلبات أمام لجان الإيجارات للإفادة من الصندوق المالكون يطالبون بإصدار القرارات والمستأجرون يعترضون

آلاف الطلبات أمام لجان الإيجارات للإفادة…

تشرين2 02, 2020 259 مقالات وتحقيقات

تدقيق في التدقيق الجنائي: أسقطوه بالإجماع

تدقيق في التدقيق الجنائي: أسقطوه بالإجما…

تشرين2 02, 2020 119 مقالات وتحقيقات

صرفت نحو 1200 موظف من أصل 26 ألفاً والحبل على الجرّار! "أضواء" المصارف تنطفئ على وقع "تصفية" الفروع والدمج

صرفت نحو 1200 موظف من أصل 26 ألفاً والحب…

تشرين2 02, 2020 80 مقالات وتحقيقات

عجائب المصارف اللبنانية: كيف تجني الأرباح في عزّ الانهيار؟

عجائب المصارف اللبنانية: كيف تجني الأربا…

تشرين2 02, 2020 97 مقالات وتحقيقات

جامعيون مستقلون من أجل الوطن

جامعيون مستقلون من أجل الوطن

تشرين1 31, 2020 184 مقالات وتحقيقات