صراع كورونا والجوع... ما هي الحلول للمواءمة بين الأزمتين الاقتصادية والصحيّة؟

كانون2 28, 2021

النهار-28-1-2021 

 

صراع كورونا والجوع... ما هي الحلول للمواءمة بين الأزمتين الاقتصادية والصحيّة؟
مع دخول لبنان اليوم العشرين من قرار الإقفال في البلاد للحدّ من انتشار كورونا، بدأت تعلو صرخات الناس المتمثِّلة باحتجاجات في بعض المناطق، أعنفها في طرابلس، ولا سيّما مع الفقر المدقع الذي طرق باب عدد كبير من اللبنانيين من جراء الأزمة الاقتصادية المستفحِلة، التي لا بوادر لحلّها في القريب العاجل.

ومع احتمال تمديد الإقفال حتى وصول اللقاح، كيف يمكن المواءمة بين الأزمتين الصحّية والاقتصادية ومحاربة الجوع خلال الإقفال؟ خبراء يضعون تصوّراً لحلول وسطية من شأنها التخفيف من وطأة هذه الأزمة.

يشرح أستاذ اقتصاد في الجامعة الأميركية في بيروت، جاد شعبان، أنّ "مشكلتنا أنّنا لسنا في بلدٍ قادر على تحمّل تبعات الإقفال الكامل لأنّنا نعاني من أزمات عدة مرتبطة في ما بينها، كالأزمة الاقتصادية وانهيار العملة والبطالة والأزمة السياسية والتخبّط في قرارات الحكومة والفساد، إضافة إلى الأزمة الصحّية. لذا لا يمكننا تنفيذ خطة صحّية لا تأخذ بالاعتبار الوضع الاقتصادي - الاجتماعي".

وفي معرض حديثه، يرى شعبان أنّه "ليس هناك معايير واضحة لقرارات إقفال القطاعات كافة. وبرأيي، من الصعب وضع سياسة محدَّدة في هذا الوضع. لكن يجب الأخذ بالاعتبار الأولويات المتمثِّلة بمساعدة الشركات الصغيرة وأصحاب المهن عبر مساعدات مالية عاجلة لا تنتظر إطلاق منصات إلكترونية. فهذه القطاعات لا تمتلك أيّ مصدر رزق آخر، ويحب أن تفتح جزئياً بدوام نصفي مشروط بتطبيق أقصى الإجراءات الوقائية ورفع قيمة المحاضر للمخالفين".

وكذلك، "يجب أولاً تفعيل مساعدات سريعة للقطاعات التي يجب أن تقفل، وهي أكثر القطاعات التي تستقطب تجمعات كالمجمعات التجارية والمطاعم وسواها، وتكون هذه المساعدات على شكل إعفاءات ضريبية ومساعدات لموظفيهم. وقد وُضعت خطة لهذه الغاية وخُصّص لها 1200 مليار ليرة، لكنّها لم تُطبّق، وحتى مجلس النواب لم يعقد جلسة لإقرار الخطة في الموازنة"، وفق شعبان.

ويرى شعبان حاجة مُلحّة لتفعيل دور البلديات في هذا الإطار. ويقول بأنّه "يجب توفير الإمكانات لها مع استخدام تطبيقات ذكية لمراقبة عمل المحالّ الصغيرة. لكن المشكلة أنّه لم تُعطَ البلديات هذه الإمكانات، لكن يمكن تفعيل هذا الإجراء عبر تحويل مبلغ معيّن لكل بلدية لتوظّف من خلاله بشكل سريع مراقبين من قِبلها، مسؤولين عن التجوّل في المحالّ لمراقبة تطبيق الإجراءات، بدلاً من إقفال المحالّ وإفقار الناس".

ويشدّد على أنّه "يجب إيجاد حلّ وسط ولا يمكننا الاستمرار بالإقفال الشامل والتام، وخصوصاً المحالّ الصغيرة والأسواق الصغيرة التي يمكن أن تفتح جزئياً شرط المراقبة المضاعفة، فالناس الفقراء يبحثون عن قوت يومهم في الأسواق الشعبية. وبدلاً من إقفالها، يجب توفير عناصر الأمن هناك لمراقبة تطبيق الإجراءات وتقليص عدد الزوّار. وهذه هي الحلول الأفضل لمواءمة الوضعين الصحّي والاقتصادي دون أي تمايز بين القطاعات".

ويؤكّد أنّ "الكلام عن أنّ عدد عناصر قوى الأمن غير كافٍ لمراقبة جميع القطاعات غير دقيق، فلدى الأجهزة الأمنية أكثر من 170 ألف عنصر ونحن في ظل تعبئة عامّة. أي إنّ من المفترض تعبئة جميع أو جزء كبير من العناصر وتوزيعهم على القطاعات التي يمكن أن تفتح جزئياً، مع إعطائهم صلاحية التدخل في إقفال أيّ محلّ أو مؤسسة مخالِفة لإجراءات الوقاية".

ويضيف شعبان أنّ "الفتح الجزئي يقتضي بشكل أساسي فتح المصانع أيضاً بشروط صحية محدَّدة مع تشدّد البلديات في تطبيقها، إذ هناك تناقض ما بين إقفال القطاعات كافة، والفتح الجزئي للمطار مع فرض الحجر المشروط بمراقبة من البلدية. ولذلك، يجب إعادة فتح القطاعات الإنتاجية كافة وفق خطة وتدابير معينة داخل كل مصنع تشرف عليها البلديات. فإمّا إقفال نهائي للجميع وإمّا معاملة القطاعات أسوةً ببعضها، باستثناء القطاعات التي تُعدّ من الكماليات. وبهذه الحال، يمكن لجميع المصانع أن تفتح وتُلغى فكرة أولوية فتح مصانع دون أخرى. ففي نهاية الأمر جميع المصانع هي مصانع منتِجة سواء كانت تصدّر للسوق الأجنبية أو تبيع للسوق المحلية. وبما أنّ الأفران والسوبرماركت استُثنيت من الإقفال، من غير المنطقي إقفال القطاع الصناعي والقطاعات الإنتاجية، فداخل كل مصنع عدد معين من العمال كما في الأفران وفي السوبرماركت".

يرى الكاتب والباحث الاقتصادي زياد ناصر الدين، أنّه "في ظل الأزمة التي نعيشها وواقع غياب الحكومة والمناخ المتشنّج سياسياً، لا يتركون المجال لحلول تقنية - اقتصادية للتمكّن من المواءمة ما بين الأزمة الاقتصادية والصحية، ولا اقتصاد سليماً إذا كان الجسم ميّتاً. ويُضاف إلى أزمة انتشار كورونا أزمة فقر مدقع ومميت، لذلك يجب إيجاد حل سريع. ولدينا 18 مليار دولار من الذهب و 17 مليار دولار احتياطي عملات أجنبية، ولن تقع كارثة إذا ما استعمِل منها 500 مليون دولار لدعم الناس الأكثر فقراً ليصمدوا في منازلهم خلال الحجر، فجميع دول العالم تطبع العملة وتضعها في التداول لكي تصمد، ولا تصمد عبر ادخار احتياطها، وهي على علم بأنّها ستدفع ثمن ذلك بالتضخم لاحقاً".

ويتابع ناصر الدين: "نحن نعاني عقبات كثيرة، فلدى الدولة نية توزيع المساعدات مثلاً، لكن تصطدم بعدم وجود إحصاءات عن الأشخاص الأكثر حاجة، فنحن نطلب ذلك من إنسان ميت، والدولة عبارة عن كيان ميت"، مشيراً إلى أنّه "كحل سريع، ما يمكن فعله هو دعم الأدوات الطبّية للاستيراد قدر الإمكان منها. ولو خُصّص مبلغ من هذه الاحتياطات والذهب، ولو اضطر الأمر لتخصيص 500 مليون دولار لشراء اللقاحات من دول عديدة بشكل سريع، فأملنا الوحيد هو اللقاح للحد من انتشار كورونا".

ويشدّد الباحث على أنّ "من الضروري جداً فتح المصانع مع إخضاعها للمراقبة، لأنّ هناك 200 ألف عائلة تعيش منها، وهي تُدخل 3 مليارات دولار سنوياً من الخارج. ومَن لا يلتزم بالإجراءات الوقائية فليلقَ أقسى الجزاء".

ويشرح أنّ "هناك نوعين من الصناعات؛ الأولى المعنية بالأمن الغذائي الاجتماعي،فهي دورة مرتبطة ببعضها، فمصانع الموادّ الغذائية بحاجة إلى موادّ التغليف والتوضيب والتعليب وهي مقفلة حالياً. لذا، لا يمكن النظر للمصانع اليوم على أنّها أصحاب رؤوس أموال، بل يجب أن يُنظر إليها من ناحية الأمن الغذائي الاجتماعي، وله الأولوية في الصناعات".

أمّا المصانع الأخرى التي تُدخل الدولار إلى البلد، فيوضح الباحث بأنّ "لديها التزامات مع الخارج ولا يمكن إغلاقها، ويجب اتخاذ تدابير معينة تجاهها في ما يتعلّق بشروط العمل خلال الإقفال تطبيقاً لإجراءات الوقاية. لذا لا يمكن ذبح هذه المصانع فهم يفيدون البلد، وليس المطلوب قتل الاقتصاد تحت عنوان كورونا، فالوضع لا يحتمل أن تُغلق المصانع في لبنان أبوابها وأن يبقى 200 ألف شخص عاطلين من العمل، فالقطاع الصناعي هو الرصاصة الأخيرة لكن الأهم إنقاذ الاقتصاد مستقبلاً، فجميع دول العالم فتحت مصانعها رغم إقفالها بسبب كورونا".

0
Shares
  1. الأكثر قراءة
جان العلية يكشف ملفّاته للتدقيق الجنائي: فليشنقوني!

جان العلية يكشف ملفّاته للتدقيق الجنائي:…

نيسان 14, 2021 14 مقالات وتحقيقات

جسر «سليم سلام»: سرقة 77 % من قيمة العقد!

جسر «سليم سلام»: سرقة 77 % من قيمة العقد…

نيسان 14, 2021 14 مقالات وتحقيقات

الجامعة الاميركية تتحدّى القضاء: تهديد بطرد 76 طالباً

الجامعة الاميركية تتحدّى القضاء: تهديد ب…

نيسان 14, 2021 15 مقالات وتحقيقات

وزيرة العمل لميا يمين تتجاهل الإصلاحات الملحة في الضمان الإجتماعي وتتفاخر بالتدقيق المالي.

وزيرة العمل لميا يمين تتجاهل الإصلاحات ا…

نيسان 13, 2021 59 مقالات وتحقيقات

إستمرار الممارسات غير القانونية يتعمق في ظل غياب القضاء والبرلمان ولجنة الرقابة على المصارف المصارف "تفتّت" ما بقي في الحسابات... بالعمولات

إستمرار الممارسات غير القانونية يتعمق في…

نيسان 13, 2021 17 مقالات وتحقيقات

المصارف اللبنانية أساءت الأمانة وانتحرت - جريدة الجمهورية

المصارف اللبنانية أساءت الأمانة وانتحرت …

نيسان 13, 2021 23 مقالات وتحقيقات

موظفو الـ Liban post  يطالبون بأجور عادلة

موظفو الـ Liban post يطالبون بأجور عادل…

نيسان 12, 2021 23 تحركات واحتجاجات

إحتياطي "المركزي" نفد والبطاقة التموينية لم ترَ النور والدولار إلى ارتفاع يوم يتحقّق كابوس رفع الدعم من دون خطة بديلة!

إحتياطي "المركزي" نفد والبطاقة…

نيسان 12, 2021 18 مقالات وتحقيقات

الإتحاد العمالي العام يستيقظ من "الكوما" ليحضر "لتحرك وطني كبير"

الإتحاد العمالي العام يستيقظ من "ال…

نيسان 09, 2021 85 تحركات واحتجاجات

بعد انتهاء "الدغدغة": مجزرة تنتظر موظفي المصارف

بعد انتهاء "الدغدغة": مجزرة تن…

نيسان 09, 2021 20 مقالات وتحقيقات

نقابة موظفي المصارف دعت الى التوقف الفوري عن عمليات الصرف

نقابة موظفي المصارف دعت الى التوقف الفور…

نيسان 09, 2021 26 مقالات وتحقيقات

السائقون العموميون ينادون بسلة مطالب، والخلاف بات ظاهرا بين النقيبين طليس وفياض

السائقون العموميون ينادون بسلة مطالب، وا…

نيسان 08, 2021 56 تحركات واحتجاجات

نقابة المحامين تسدّ عجز الصندوق التعاوني: صفر مساءلة... صفر محاسبة!

نقابة المحامين تسدّ عجز الصندوق التعاوني…

نيسان 08, 2021 22 مقالات وتحقيقات

نقابة المحامين في معركة حماية أموال المودعين: مقاضاة دولية!

نقابة المحامين في معركة حماية أموال المو…

نيسان 02, 2021 51 مقالات وتحقيقات

نزوح العدالة من لبنان: قضاة ومحامون يتسابقون على الهجرة

نزوح العدالة من لبنان: قضاة ومحامون يتسا…

آذار 29, 2021 40 مقالات وتحقيقات

رحلة اللاعودة من الفقر بدأت وتعديل في الهيكلية الاجتماعية اللبنانية

رحلة اللاعودة من الفقر بدأت وتعديل في ال…

آذار 29, 2021 64 مقالات وتحقيقات

الأسباب المُعلنة والغامضة لتقلّبات سعر الصرف

الأسباب المُعلنة والغامضة لتقلّبات سعر ا…

آذار 29, 2021 48 مقالات وتحقيقات

موظفو المصارف مهددون بالتسريح...

موظفو المصارف مهددون بالتسريح...

آذار 26, 2021 68 مقالات وتحقيقات

...نقابة مالكي الشاحنات في مرفأ بيروت على مقربة من تحصيل حقوقها، فيما السائقون ينتظرون

...نقابة مالكي الشاحنات في مرفأ بيروت عل…

آذار 24, 2021 56 عمالية ونقابية

رابطة المودعين للجنة الرقابة على المصارف: قوموا بواجباتكم وتحركوا فورا لوقف الإجحاف في حق المودعين

رابطة المودعين للجنة الرقابة على المصارف…

آذار 23, 2021 56 مقالات وتحقيقات

نموذج من سرقة المال العام في تقرير لديوان المحاسبة: الهدر في تنفيذ أشغال يصل إلى 80 في المئة!

نموذج من سرقة المال العام في تقرير لديوا…

آذار 23, 2021 67 مقالات وتحقيقات

مدير عام "بلوم بنك": السياسيون اللبنانيون هدّدونا لتهريب أموالهم

مدير عام "بلوم بنك": السياسيون…

آذار 23, 2021 66 مقالات وتحقيقات