جهنم" رفع الدعم: لا بضائع مستوردة ولا سعر لليرة

آذار 22, 2021

جردية المدن-22-3-2021 

علي نور 


ما تبقى من احتياطات قابلة للاستخدام، وفقاً لوزير الماليّة، لم يعد يتخطى مستوى 1.5 مليار دولار. وهو ما يكفي لدعم استيراد المواد الأساسيّة لحدود شهرين أو ثلاثة أشهر كحد أقصى. القرار المنتظر خلال الأسابيع المقبلة سيتعلّق بالمحروقات أولاً، لتقليص الدعم الذي يوفّره مصرف لبنان لاستيرادها تدريجيّاً، إلى حد رفعه بشكل كلّي لاحقاً.. على أن يلي ذلك قرارات أخرى تتعلّق بما تبقى من سلع ما زال مصرف لبنان يدعم استيرادها، كالمواد الغذائيّة والطحين، من دون أن يتضح مصير دعم استيراد الدواء حتّى اللحظة. مع العلم أن مصرف لبنان دخل أساساً مرحلة ترشيد الدعم بقرارات منفردة من الحاكم، كقرار تقليص الدعم الذي يقدّمه المصرف المركزي لاستيراد المستلزمات الطبيّة مثلاً.


جنون سعر الصرف
الدخول في مرحلة رفع الدعم من دون خطة واضحة، ومن دون مشروع منظم لتوحيد أسعار الصرف المتعددة، لن يعني في المرحلة المقبلة سوى إشعال اللبنانيين بلهيب التضخم الذي سيسببه ارتفاع سعر الصرف الجنوني، الذي سينتج عن رفع الدعم. فمصرف لبنان وفّر خلال المرحلة الماضية ما يقارب النصف مليار دولار شهريّاً لدعم الاستيراد. ورفع الدعم عن المواد الاساسيّة سيعني عمليّاً نقل الطلب على الدولارات لاستيراد هذه السلع إلى السوق الموازية، وإطلاق العنان للمزيد من الجنون في سعر الدولار في الأسواق. وزير الماليّة قدّر نسبة التضخّم المتوقعة هذه السنة، نتيجة رفع الدعم، بحدود 77%. لكنّ هذه النسبة تأخذ بالاعتبار ارتفاع أسعار السلع الأساسيّة بعد رفع الدعم فقط، ولا تحتسب ارتفاع أسعار السوق الناتج عن الضغط المتوقع على سعر الصرف. أما نسبة التضخّم الفعليّة، فستكون مفتوحة على جميع الاحتمالات، في غياب أي حدود لقيمة الانخفاض المتوقع في سعر صرف الليرة.

عمليّاً، قد تحمل الأشهر المقبلة ما هو أخطر وأشد وقعاً من التضخّم المفرط الناتج عن رفع الدعم. فخلال الأسابيع الماضية استجدت ظاهرة خطيرة في السوق السوداء، تمثّلت في إحجام غالبيّة حملة الدولارات عن عرضها للبيع، باستثناء حالات الضرورة القصوى، في ظل التهاوي السريع في سعر صرف لبنان. ولهذا السبب، انحصر عرض الدولارات الى أقصى حد. وهو ما جعل عدداً كبيراً من المستوردين يعانون في الحصول على الدولارات المطلوبة لاستيراد السلع. ولهذا السبب، وفي حال جرى ربط استيراد السلع الأساسيّة بتوفّر الدولار في السوق الموازية، فمن المتوقّع أن يشهد اللبنانيون أزمة كبيرة في توفّر هذه السلع بالدرجة الأولى، بمعزل عن سعرها. هذا الواقع تحديداً هو ما يفسّر بعض التوقعات التي ذهبت إلى ترجيح صعوبة الحصول على بعض السلع في المرحلة المقبلة، حتى بالنسبة لمن يملك المال اللازم لذلك.

مكائد السياسة تعقّد المشهد
عمليّاً، تشير الأرقام إلى أن لبنان تلقى خلال العام الماضي ما يقارب 7 مليار دولار من العملة الصعبة من المغتربين وجمعيات المجتمع المدني ومشاريع دعم النازحين وغيرها. وهي قيمة كانت كافية تقريباً لتغطية الفارق ما بين واردات لبنان وصادراته، أي عجز الميزان التجاري. علماً أن هذا العجز شهد انخفاضاً كبيراً نتيجة ارتفاع أسعار السلع المستوردة بعد تهاوي سعر صرف الليرة. لكنّ هذه التحويلات الواردة إلى لبنان لم تدخل بالطبع إلى النظام المالي لانعدام الثقة به. ولم يتم ضخها في السوق على شكل عرض للدولار الأميركي، نتيجة انعدام الثقة بمستقبل الليرة اللبنانيّة.

ولهذا السبب تحديداً، يشير الكثير من المتابعين إلى أن تعويم سعر الصرف ورفع الدعم بشكل منظم، وفق خطة كاملة تضمن استيعاب النظام المالي للعرض والطلب على الدولار الأميركي، وتضمن الحد من تدفق السيولة بالليرة اللبنانيّة إلى السوق، كان يمكن أن يضمن انتقالاً سلساً من مرحلة الدعم إلى مرحلة سعر الصرف المرن أو المعوّم. كما كان يمكن إيجاد بدائل عمليّة تكفل حماية الفئات الأضعف خلال هذه المرحلة الانتقاليّة الحساسة. مع العلم أن تعويم سعر الصرف بشكل منظم ومدروس، كان بإمكانه دفع سعر الصرف في السوق السوداء إلى الانخفاض لا العكس، خصوصاً إذا لحظت الخطة آليات لتدخل مصرف لبنان عند اللزوم، للتحكم بمسار سعر الصرف المعوّم وإبقائه ضمن هوامش معقولة، وإذا تضمنت الخطة إجراءات لوقف طباعة النقد بشكل اعتباطي كما يجري اليوم.

لكن مكائد السياسة دخلت على الخط طوال الأشهر الماضية. فحكومة دياب رفضت الدخول في أي مسار من شأنه تنظيم أو معالجة مسألة الدعم أو تعويم سعر الصرف، مفضلةً الاكتفاء برسم سيناريوهات نظرية ورميها للمجلس النيابي لدراستها، رغم علمها المسبق بأن المجلس النيابي لا يملك صلاحية أو قدرة الدخول في تنفيذ هذا النوع من الخطط. ولعلّ دياب أراد من كل هذه المناورات الابتعاد عن تحمّل مسؤولية هذا النوع من القرارات غير الشعبيّة، ورمي لغم رفع الدعم إلى جدول أعمال حكومة الحريري المقبلة لتتعامل معه، ولو عنى ذلك تعقيد المشهد حتّى ذلك الوقت.

العهد عاش طوال الفترة الماضية في عالم خاص من نظريات المؤامرة، التي لم ترَ في ارتفاع سعر الصرف في السوق السوداء سوى مؤامرات تستهدف الرئيس، كما استهدفته قذائف عمليّة تشرين الأول سنة 1990، كما أشار الرئيس نفسه. ولهذا السبب ذهبت الرئاسة بعيداً في تنظيم الاجتماعات الأمنيّة والاقتصاديّة التي استهدفت التعامل مع تطبيقات سعر الصرف والصرافين بأسلوب أمني، بدل البحث مع مصرف لبنان في تفاصيل تصوراته للمرحلة المقبلة بالنسبة إلى عملية تعويم سعر الصرف، وتوحيد أسعار الصرف المتعددة، وإعادة الانتظام إلى عمل النظام المالي. مع العلم أن هذا النوع من الخطط يمثّل الاستجابة المطلوبة اليوم من ناحيتين: إيجاد البدائل للخروج من سياسة الدعم بشكل مدروس وهادىء، ومعالجة أزمة انفلات سعر الصرف في السوق السوداء.

أما حاكم مصرف لبنان فمارس سياسة شراء الوقت في ظل انشغال الجميع بالمكائد والمناورات، فأمعن في سياسة "تسييل الخسائر" التي استهدفت طباعة النقد لمعالجة بعض أزماته المتراكمة، عبر تسديد ديون الدولة بالليرة للمصارف، والاستمرار بسداد قيمة الودائع المدولرة بالعملة المحليّة، بالإضافة إلى ابتداع بعض الهندسات الماليّة الجديدة، التي ساهمت في خلق النقد لدعم المصارف خلال مرحلة إعادة الرسملة. أما النتيجة الطبيعيّة لكل تلك الإجراءات، فكانت الإمعان في زيادة الفوارق بين أسعار الصرف المتعددة، بدل السعي لتوحيدها تدريجيّاً تمهيداً لمرحلة الخروج من مرحلة الدعم.

جهنّم الموعودة
النتيجة الطبيعيّة لكل هذا المشهد هو الذهاب لرفع دعم فوضوي وعبثي، بدل الانتقال الى معالجة مدروسة لهذه المسألة. أما ما يعقّد المشهد أكثر، فهو غياب أي شكل من أشكال رزم الدعم الخارجيّة من خلال صندوق النقد أو غيره، وهي رزم كان لبنان يحتاجها في إطار مرحلة الانتقال من سياسة الدعم وأسعار الصرف المتعددة إلى مرحلة سعر الصرف الموحّد والمعوّم. وكما هو معلوم، فهذه الرزم غائبة عن المشهد اليوم لتناقض مصالح القيّمين على النظامين المالي والسياسي مع شروط برامج الدعم، التي تبدأ بالتدقيق الجنائي والتحديد الواضح والصريح للخسائر، وتنتهي بإعادة هيكلة المصارف والدين العام.

باختصار، ترتبط مشكلة رفع الدعم ومصير المواطن المجهول بعدها بأزمة التخبط في معالجة تعدد أسعار الصرف. والأزمة النقديّة بدورها مرتبطة بأزمة القطاع المالي وما يجري اليوم من خلق للنقد للتعامل مع خسائره. وهذه المشكلة معلّقة اليوم بانتظار البت بمصير الدين العام والمفاوضات لإعادة هيكلة. بمعنى آخر، لا يمكن تصوّر حل لأزمة واحدة من هذه الأزمات بمعزل عن الأزمات الأخرى، وبمعزل عن خطة ماليّة كاملة تضمن الخروج من حالة الانهيار الحالي. وهذه الخطة تحتاج أولاً سلطة تنفيذيّة منزّهة عن مصالح المستفيدين من النظام المالي الموجود، وسلطة نقديّة تملك تصوّراً كاملاً لكيفيّة الخروج من هذا المأزق، وهذا ما يفتقده اللبنانيون اليوم.

 

0
Shares
  1. الأكثر قراءة
رجالات الاستقلال: الأوليغارشيّون الأوائل

رجالات الاستقلال: الأوليغارشيّون الأوائل

أيار 07, 2021 20 مقالات وتحقيقات

احتكارات المحاصصة الشاملة

احتكارات المحاصصة الشاملة

أيار 07, 2021 14 مقالات وتحقيقات

العاملات الأجنبيات يهجرن لبنان: هل بدأ عهد العاملات السوريات؟

العاملات الأجنبيات يهجرن لبنان: هل بدأ ع…

أيار 07, 2021 13 مقالات وتحقيقات

حلّت ساعة الصفر: اللحوم والدواجن بلا دعم وأسعارها تتضاعف

حلّت ساعة الصفر: اللحوم والدواجن بلا دعم…

أيار 07, 2021 16 مقالات وتحقيقات

محاكمة الرئيس وإمكانية ذلك

محاكمة الرئيس وإمكانية ذلك

أيار 06, 2021 15 مقالات وتحقيقات

«العربدات الماليّة» مستمرّة: المصارف تُكوّن مؤونات على «اليوروبوندز» من أموال المودعين

«العربدات الماليّة» مستمرّة: المصارف تُك…

أيار 06, 2021 17 مقالات وتحقيقات

فصل لبنان عن النظام المالي العالمي أصبح "قاب قوسين أو أدنى" نتيجة عدم مطابقة ميزانيات البنوك مع المعايير العالمية هل يكون "الكابيتال كونترول" المسلّة التي "تنكز" المصارف لإعادة الهيكلة؟ -

فصل لبنان عن النظام المالي العالمي أصبح …

أيار 05, 2021 17 مقالات وتحقيقات

خطة دعم العائلات بالدولار: وداعاً لآخر احتياطي مالي

خطة دعم العائلات بالدولار: وداعاً لآخر ا…

أيار 05, 2021 21 مقالات وتحقيقات

بين مصادر تمويل الدولة واحتياطي مصرف لبنان... هل دقّت ساعة "الدعم"؟

بين مصادر تمويل الدولة واحتياطي مصرف لبن…

أيار 05, 2021 17 مقالات وتحقيقات

عيد العمال؟ بأي حال!

عيد العمال؟ بأي حال!

أيار 04, 2021 18 مقالات وتحقيقات

تفاصيل خفض دعم البنزين والأدوية: "ا…

أيار 04, 2021 23 مقالات وتحقيقات

البطاقة الإجتماعية بدعة جديدة في أيدي السياسيين؟

البطاقة الإجتماعية بدعة جديدة في أيدي ال…

أيار 04, 2021 21 مقالات وتحقيقات

مقترح قانون يتضمّن صاعق تفجير ذاتياً في كل بند من بنوده  "الكابيتال كونترول" يضع "العصمة" بيد "المركزي"

مقترح قانون يتضمّن صاعق تفجير ذاتياً في …

أيار 04, 2021 18 مقالات وتحقيقات

نظام البطالة بعد الإفلاس: مساعدة مالية وتغطية صحية للعاطلين

نظام البطالة بعد الإفلاس: مساعدة مالية و…

أيار 04, 2021 16 مقالات وتحقيقات

المسوّدة النهائيّة للبطاقة التمويليّة: 137 دولاراً نقداً لكل أسرة بالعملة الخضراء

المسوّدة النهائيّة للبطاقة التمويليّة: 1…

أيار 04, 2021 22 مقالات وتحقيقات

عمال لبنان في العراء. الدولة خانتهم، برئيسها وحكوماتها وبرلمانها وحاكم مصرفها المركزي

عمال لبنان في العراء. الدولة خانتهم، برئ…

أيار 03, 2021 20 مقالات وتحقيقات

شهراً لإنتاج كابيتال كونترول مُريب 18

شهراً لإنتاج كابيتال كونترول مُريب 18

نيسان 29, 2021 32 مقالات وتحقيقات

تأمين مصادر تمويلها بشكل مستدام ورشيد وإيجاد آلية إيصالها إلى مستحقيها هما أصعب ما يواجهها البطاقة التمويلية... "سلسلة" جديدة ستلف على أعناق اللبنانيين

تأمين مصادر تمويلها بشكل مستدام ورشيد وإ…

نيسان 28, 2021 29 مقالات وتحقيقات

لآمال المعلّقة على "أسترازينيكا" لاستعادة النشاط الإقتصادي عافيته أصيبت بالخيبة فقدان اللقاحات... تهريب أم سوء تنظيم؟

لآمال المعلّقة على "أسترازينيكا…

نيسان 27, 2021 31 مقالات وتحقيقات

بعدما "قَطَع رؤوس" أكثر من 1500 موظف... "سيف" الطرد يُهدّد آلاف العاملين في البنوك المصارف تُسابق إقرار "بروتوكول" حماية الحقوق وتُخرج أكبر قدر ممكن... عـ"السكت"

بعدما "قَطَع رؤوس" أكثر من 150…

نيسان 26, 2021 39 مقالات وتحقيقات

بطاقة رفع الدعم: اللبنانيون إلى المقصلة

بطاقة رفع الدعم: اللبنانيون إلى المقصلة

نيسان 26, 2021 33 مقالات وتحقيقات

المزارعون يدفعون ثمن تهريب المخدرات من لبنان وقرار السعودية "ظالم"

المزارعون يدفعون ثمن تهريب المخدرات من ل…

نيسان 26, 2021 34 عمالية ونقابية