Print this page

رحلة اللاعودة من الفقر بدأت وتعديل في الهيكلية الاجتماعية اللبنانية

آذار 29, 2021


سنوات صعبة بانتظار لبنان وتأمين المواد الغذائية هو التحدّي الأوّل
استعادة الثبات النقدي والاستقرار الاقتصادي والمالي باب إلزامي للخروج من الأزمة

 

رحلة اللبناني إلى عالم الفقر، بدأت تتظهر الآن وإن كانت بوادرها بدأت مع إعلان الحكومة العتيدة المستقيلة عزمها على عدم سداد ديونها السيادية. هذا أقلّه ما تُشير إليه الوقائع التي لبّدت سماء لبنان بالمآسي والهموم حيث نرى كل يوم تهافتا شرساً على المواد المدعومة تنتهي في أغلب الأحيان بخلافات وتضارب بين المواطنين.

طالعنا جهابذة الحكومة وقتها إن رؤيتها لتخفيض العملة سيأتي بالمنفعة على الوطن ويصحح المسار الخاطئ ويجعل لبنان قبلة السائحين لما في ذلك من انتشار الرخص وانخفاض الأسعار بالنسبة إليهم.

إن أسعار المواد الغذائية في لبنان هي الأعلى في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بحسب البنك الدولي إذ يستمر إرتفاعها في ظل أسوأ أزمة في تاريخ لبنان الحديث. ويُضيف البنك الدولي في تقريره الدوري عن تداعيات كورونا، أن أسعار كل الفئات الغذائية إرتفعت بشكل مُضرّ بالأمن الغذائي للمواطن اللبناني وذلك خلال الفترة المُمتدّة بين 14 شباط 2020 و8 أذار 2021. وإرتفعت أسعار لحوم الأبقار (أساسية في السلسلة الغذائية) بأكثر من 35% مقارنة بـ 11% في 16 دولة أخرى. أما سعر البيض فإرتفع بمُعدّل 20% والبطاطا بأكثر من 71%، والدجاج المجمد بنسبة 68.4%، والتفاح والبرتقال بنسبة تفوق الـ 58%.

هذا مع الإشارة إلى أن أرقام البنك الدولي مبنية على أسعار الدعم المؤمّن من مصرف لبنان ولا تأخذ بعين الإعتبار الممارسات التي يقوم بها التجّار والتي رفعت الأسعار في بعض الحالات إلى أكثر من 400%! وأغلب الظنّ أن المنهجية لم تأخذ بعين الإعتبار فقدان المواد المدعومة المُهرّبة التي تحرم المواطن من الحصول على بديل بأسعار الدعم. وبحسب تقديراتنا فإن ما بين 50 إلى 70% على الأقل من المواد المدعومة يتمّ تهريبها إلى خارج الحدود حيث تذهب المواد الغذائية المدعومة إلى العديد من البلدان القريبة والبعيدة في حين أن تهريب المحروقات يتمّ إلى البلدان المُجاورة.

يضاف إلى ذلك الممارسات التي يقوم بها التجّار من ناحية رفع الأسعار عن غير وجه حقّ على مثال كرتونة البيض التي بلغ سعرها في إحدى السوبرماركات 45 ألف ليرة في حين أن سعرها في المزارع هو 27 ألف ليرة لبنانية! التجّار على أنواعهم (مستوردون، تجّار جمّلة، وتجّار تجزئة) يقومون بممارسات فظيعة بحق المواطنين اللبنانيين ويُساهمون بشكل أساسي بعملية تفقير المواطن.

المواد الغذائية المدعومة المستوردة لا تأتي إلى لبنان إلا بكميات ضئيلة جداً،في حين يقوم التُجّار بتصدير هذه المواد إلى دول أخرى دون المرور بلبنان. هذا ما أكدّه أحد النواب على محطّة تلفزيونية إذ نفى أن تكون البضائع الغذائية تُهرّب من لبنان بعد إستيرادها بل هي تذهب من بلد الإستيراد إلى وجهة أخرى غير لبنان. وبالتالي فإن السلع والبضائع الغذائية المدعومة من قبل مصرف لبنان تذهب إلى غير لبنان والمواد غير المدعومة تأتي إلى لبنان مما يُسبّب إرتفاعًا بالأسعار لا يُمكن للمواطن اللبناني تحمّله لفترة طويلة.

تحليل المُعطيات تُشير إلى أن تُجّار الإستيراد خفّضوا من نسبة إستيرادهم للمواد الغذائية مع رفع الدعم على بعض هذه المواد وبالتالي أصبح إستيراد المواد الغذائية شبه محصور بالمواد المدعومة. هذا الأمر يعني أن اللبناني آتٍ على مرحلة لن يكون أمامه إلا القليل من الخيارات فيما يخصّ المواد الغذائية في حين أن المواد الغذائية الأخرى ستكون شبه مفقودة وإذا توافرت فستكون بأسعار عالية جدًا.

إلا أن الخطر الحقيقي يطال من دون أدّنى شكّ اللحوم وبالتحديد لحم البقر الذي يُشكّل عنصراً أساسياً في العملية الغذائية. فالعرض الداخلي من لحوم الأبقار غير كافٍ لسدّ حاجات السوق المحلّي وهذا الأمر يُشكّل خطراً جوهرياً في السلسلة الغذائية للمواطن اللبناني! من هذا المنطلق فإن أي إجراء لإحتواء المُشكلة يجب أن يمرّ عبر تأمين إستيراد (لحوم) الأبقار بهدف عدم ضرب الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين يوم و1000 يوم! هذه الفترة هي أساسية في تكوينات نورونات الإنسان (neurons in the human brain) وبالتالي إذا كان من مسؤولية أخلاقية، يتوجّب على المعنيين العمل على مُساعدة الشعب على تفادي هذه المُشكلة.

جشعّ التجار يمنعهم أن يكونوا جزءًا من الحـــلّ، وبالتـــالي يتوجّب على الحكومة وضع لائحة بالمواد الغذائية الأســاســية وشرائها من خلال عــقود آجلة (Forward) وذلك لفترة لا تــقلّ عن ستة أشهر. هذه المواد يجب أن يتمّ إســـتيرادها (بحسب العقود) وإسناد توزيعها على المواطنين إلى الجيش أو إلى تجّار التجزئة على أن تكون الرقابة صارمة عليهم.

الهيكلية الاجتماعية في لبنان ستتعدّل بشكل ملحوظ في المرحلة المُقبلة مع زيادة نسبة الفقر بشكل غير مسبوق. ومن المتوقّع بحسب التقديرات التي قمّنا بها، أن ما يزيد عن 75% من الشعب سيكون تحت عتبة الفقر في الأشهر القادمة في حين أن الطبقة الغنية ستكون بحدود الـ 5% والطبقة المُتوسطة ستكون بحدود الـ 20%. دينامية هذه الهيكلية ستفرض واقعًا جديدًا يتمثّل بالدرجة الأولى بالهجرة الاقتصادية القسرية! وإذا كان المُغترب اللبناني لا يترك أهله وسيستمر بإرسال الأموال، إلا أن هذه الأموال لن تكون كافية لطموحات الشباب اللبناني المُقيم.

الـ «social dumping» الذي يعيشه اللبنانيون الآن والذي ستزداد أبعاده في المرحلة المُقبلة سيكون له أوجه عديدة على رأسها الشق الغذائي في الدرجة الأولى إلى جانب الشق الصحّي مع هجرة العديد من الأطباء والممرضين إلى دول أخرى لا سيما مع تراجع قدرة إستيراد المواد الطبية، التي يُمعن أيضًا التجّار بتهريبها، وبالتالي وحتى في ظل وجود فريق طبّي كفوء، فهناك إنخفاض حتمي في نوعية الخدمات الطبّية المُقدّمة للمواطن اللبناني. بالطبع كل الكماليات الأخرى سيتمّ الإستغناء عنها أو إستبدالها بأصناف أقلّ نوعية وهو ما يفترض عودة المستوى المعيشي إلى ما قبل تسعينات القرن الماضي.

هذا الأمر يُعيدنا إلى السؤال الجوهري

وهو كيفية الخروج من الأزمة؟

في الواقع لا يُمكن الخروج من الأزمة من دون الاستقرار في الأسعار الذي يُعتبر أساس الأمن الغذائي. هذا الاستقرار بالأسعار مع الهيكلية الاقتصادية الحالية، يفرض حكمًا ثبات نقدي أي ثبات الليرة اللبنانية مُقابل الدولار الأميركي. هذا الأخير هو عنصر أساسي في الإستهلاك - أي الدولار الأميركي - (85% من الإستهلاك الغذائي مُستورد) مما يجعل من وجوده عاملاً أساسياً في هذا الثبات.

الإقتراحات المُتداولة اليوم هي إقتراحات تذهب في إتجـــاهــين مُعاكسين. فهناك طرح لإنشاء مجلس نقد (currency board) وهدفه تثبيت سعر صرف الليرة بشكل مُتطرّف أكثر مما كان عليه في فترة الـ 1997-2019، والطرح الثاني ينصّ على تحرير سعر صرف الليرة مع إعتماد التعويم المُوجّه.

في الواقع، ومن جهة نظرنا الإقتصادية البحتة، فإن الطرحين غير مؤاتيين للمرحلة المُقبلة؛ إذ على الرغم من الثقة التي قد يبعثها مجلس النقد من خلال تثبيت سعر الصرف وهو ما يجذب الإستثمارات عادة إذ توافرت الأجواء السياسية والأمنية المناسبة، إلا أن مخاطر هذا المجّلس أكبر بكثير من فوائده. فهذا المجلس بحاجة إلى ثبات سياسي غير مُتوافر، كما أنه وفي ظل خطّة حكومية لتحفيز الاقتصاد هناك إستحالة للسياسة النقدية أن تواكب السياسة المالية نظرًا إلى عدم قدرتها على مُخالفة القواعد ونظرًا إلى تعلّقها بالسياسة النقدية الأميركية التي وفي حال إرتفعت الفوائد في الولايات المُتحدة الأميركية فإن المجلس مُرغم على رفع الفائدة على الإحتياطات. ومن جهة أخرى هناك مُشكلة على صعيد القطاع المصرفي الذي يُعاني من مُشكلة سيولة حادة مما يعني إستحالة إقراضه الأموال من قبل المركزي!

أما من جهة التعويم المُوجّه، فهناك أيضاً مُشكلة كبيرة نظــرًا إلى أنه وعلى الرغم من ضرورته، إلا أن الاقتصــاد اللبــناني شبه مُتوقّف! الماكينة الإنتاجية وبالتحديد القطــاعين الأولي والثانوي شبه غائبين مع صناعة لا يُمكنها مواكبة السوق الداخلي وزراعة شبه بدائية.

من هذا المُنطلق، فإن أي تحرير لسعر الصرف سيؤدّي إلى كارثة إجتماعية خصوصًا إذا إستمرت المُقاطــعة مع المُجــتمع الدولي. عمليًا يُمكن البحث بتحرير سعر الصرف في مرحلة ما بعد ضخ إستثمارات في الإقتصاد اللبناني على أن تطال هذه الإستثمارات بالدرجة الأولى القطاعين الصناعي والزراعي.

سعر الصرف الحالي في السوق، هو سعر غير موثوق به من منطلق عدم معرفة آلية تركيبه. وإذا ما أخذنا بعين الإعتبار أن أكثر من 60% من الإستهلاك ما زال مدعومًا من قبل مصرف لبنان، فإن أي رفع للدعم - أي وقف مصرف لبنان عن تأمين الدولارات على سعر 1500 و3900 ليرة - يعني بكل بساطة إنفجار إجتماعي كبير.

يبقى القول إن المركب لا يحوي قبطاناً مع غياب المؤسسة الإجرائية للسلطة التنفيذية – أي الحكومة –، وبالتالي هناك إستحالة لتنفيذ أي إجراءات تخفيفية. والمخاوف الكارثية تبقى أن تعمد السلطة إلى إجبار مصرف لبنان على إستنفاذ الإحتياط الإلزامي (أموال المودعين) وصولا إلى إحتياط الذهب (ثروة الشعب اللبناني) وهو ما نتّجه إليه بخطىً ثابتة للأسف.

والسؤال الآن، ما هي خطة السلطة بعد شح الاحتياطي وبيع الذهب؟