Print this page

جان العلية يكشف ملفّاته للتدقيق الجنائي: فليشنقوني!

نيسان 14, 2021

المدن-14-4-2021

خضر حسان 

 

في زمن الحديث عن التدقيق الجنائي، وتشدُّق أركان المنظومة السياسية بالحاجة إليه لكشف مسارات الفساد في الدولة، وَضَعَ مدير عام إدارة المناقصات جان العلية نفسه والإدارة التي يتولاّها، أمام التدقيق. طالباً في مؤتمر صحافي عقده يوم الثلاثاء 13 نيسان، الإنطلاق من إدارة المناقصات، كَونَها نقطة البداية الأساسية للمشاريع العامة المقدَّمة مِن كل الوزارات والإدارات، وكَون الصفقات العمومية في لبنان "تشكِّل واحةً وساحةً لعبث المُفسِدين بالمال العام والقيم الاخلاقية".


أرضية للتدقيق
تحوي إدارة المناقصات أرضيات خصبة للتدقيق. منها ما يتعلّق بصفقات المطار ومراكز المعاينة الميكانيكية والاتصالات وغيرها. إلاّ أن الصفقات المرتبطة بقطاع الطاقة، هي الأبرز، لما تشهده من استمرارية ولما ترتبط به من دفاع مستميت مِن قِبَل فريق سياسي يريد تنفيذ الصفقات رغم مخالفتها للقانون.
التدقيق الجنائي إذا ما بدأ في إدارة المناقصات، سيجد أمامه بشكل رئيسي، صفقات بواخر الكهرباء منذ العام 2012 إلى العام 2018. فضلاً عن صفقات الفيول "التي أتى بها مجلس الوزراء إلى إدارة المناقصات، حيث يجب أن تكون وفقاً لأحكام القانون، وذلك بموجب قرار رقم 42 بتاريخ 2-11-2017، إلا أن صدى هذه الصفقات وصل لأول مرة إلى إدارة المناقصات بتاريخ 10-10-2018، بموجب كتاب وزارة الطاقة عن طريق المديرية العامة للنفط، بهدف إبداء الرأي بدفتر شروط صفقة احتكارية بامتياز"، وفق العلية.

أما النوع الثالث من الصفقات، فهو "مناقصة بناء معامل الطاقة بطريقة BOT، التي نقّاها المجلس الدستوري من لغم استثنائها من قانون المحاسبة العمومية، وأصبحت هذه الصفقة خاضعة بالكامل لقانون المحاسبة العمومية ونظام المناقصات". إلا أن الخضوع جاء بالشكل القانوني "لكن في الواقع لم تخضع". ويرى العلية بأنه "لو جرى تطبيق مناقصة المعامل بعد إقرار القانون في نيسان 2019، لكان بالامكان جذب المستثمرين. لكن بعد 17 تشرين الأول 2019، لم يعد ذلك ممكناً".

تحديد المسؤوليات

البحث في تفاصيل ملفّات إدارة المناقصات، يوصل إلى تحديد المخالفات والانحرافات القانونية والإدارية، ويسهِّل تحديد الآثار الناجمة عن الارتكابات، مالياً واقتصادياً وبيئياً واجتماعياً. ومِن المفترض أن يؤدّي ذلك إلى "إلزام مرتكبي المخالفات بالتعويض من مالهم الخاص، عملاً بقاعدة المسؤولية وتطبيقاً للمادة 112 من قانون المحاسبة العمومية التي تقول أن الوزير مسؤول شخصياً عن كل نفقة يعقدها متجاوزاً حدود الاعتمادات المرصدة لوزارته". ويلفت العلية النظر إلى أن هذه المادة تأخذ بالاعتبار أن النفقة قانونية، فتؤكد على وجوب عدم تجاوز النفقة المحددة، فكيف إذا كان عقد النفقة غير قانوني؟.

ولتسريع نتائج استعادة الأموال المهدورة "على وزارة المالية إصدار أمر التحصيل اللازم". فهناك صفقات أهدرت المال العام، وهناك أوجه أخرى للهدر. وهي ابتزاز الدولة لدفع مبالغ مالية للشركات، خوفاً من لجوئها إلى التحكيم الدولي في حال حصول خلافات بعد خطأ ما في العقود أو في تنفيذ الإلتزامات. فبعض الوزراء، وخاصة في وزارة الطاقة، كانوا يحثّون الدولة على دفع مبالغ مالية أقل مما يمكن دفعه في حال اللجوء للتحكيم. وهذا الأمر كان يحصل مراراً بعد تخطي المهل القانونية لتفريغ الفيول لصالح مؤسسة كهرباء لبنان ومشروع بواخر الطاقة، على سبيل المثال لا الحصر. علماً أن التأخير يحصل نتيجة عراقيل إدارية داخلية مقصودة. وقانونياً، على الوزير دفع المتوجبات من ماله الخاص وليس المال العام، لأن التأخير ليس وليد خطأ قانوني، بل تقصير إداري.

رصاصات التيار العوني

تركيز العلية على ملف الطاقة والبواخر، ليس نتاج ثأر شخصي ضد طرف سياسي محدد، بل هو نتيجة استهداف مُرَكَّز مِن قِبَل وزراء ونواب وأنصار التيار العوني منذ انطلاق مشروع بواخر الطاقة، وبالتوازي بواخر الفيول، وهو المشروع الحلم للتيار العوني القابض على وزارة الطاقة. وكانت إدارة المناقصات ترفض تمرير الصفقات لما فيها من مخالفات قانونية.

وعلى سبيل المثال، أكّد النائب جورج عطالله في حديث إذاعي، بأن العلية يعرقل مناقصات البواخر لأنه يطمح للحصول على منصب. في حين يؤكّد العلية أن منصبه الحالي، هو منصب مرتفع وصل إليه بطريقة قانونية، وبقرار من مجلس الوزراء، بعد نجاحه في امتحانات مجلس الخدمة المدنية. ويشير مدير عام إدارة المناقصات إلى أنه سيدّعي على عطالله حين تدعو الحاجة.
وكلام عطالله ليس الأول من نوعه ضد العلية، بل سبقه وزير الطاقة السابق سيزار أبي خليل، الذي رفع العلية دعوى قضائية ضده بجرم القدح والذم، واتهامه بتحوير وتزوير مستندات رسمية.

الهجوم العوني لم يكن سوى رصاص صوتي لا يقدِّم ولا يؤخِّر. فلَم يُخِفِ الصدى إلاّ باقي أركان المنظومة، حين كانوا يسارعون لتمرير الصفقات رضائياً، ضَماناً لموافقة التيار على مشاريعهم في المقلب الآخر. لكن إدارة المناقصات كانت جاهزة لتفجير قنابل قانونية، تطيح بالفاسدين وتمهّد الطريق أمام القضاء لـ"دفن" المرتكبين في السجون.
واللافت أن الرصاص العوني كان سابقاً نياشين وشهادات بالوطنية بحق العلية، حين كان الأخير يتصدّى قانونياً لصفقاتٍ يستفيد منها خصوم العونيين. لكنه حين استعملَ القاعدة القانونية ذاتها في مشاريع البواخر، قامت الدنيا ولم تقعد ضدّه.
علماً أن رَفض العلية تمرير صفقات البواخر، يؤيّده خبراء الاتحاد الأوروبي، الذين عارضوا مشروع البواخر بوصفه حلاً مؤقتاً يضرب الحل الدائم ويلوّث البيئة، وقدّموا حلاً متكاملاً "يقوم على زيادة توربينَين لانتاج الكهرباء في معلم الزهراني، يعملان على الغاز". وهذا الحل يضمن وفراً مالياً وزيادة في الطاقة المنتجة. إذ أن الأرض موجودة لصالح الدولة ولا حاجة لاستملاك أراضٍ جديدة ودفع الأموال. كما أن الحل الدائم "يعطي طاقة بقدرة 1800 ميغاواط، ويوفّر ما لا يقل عن مليار دولار".

ملفات كثيرة يطلب العلية فتحها أمام التدقيق الجنائي، وبذلك فإنه يلفّ الحبل حول عنقه في حال ارتكابه مخالفات قانونية وتضييعه للمال العام جراء معارضته لمشاريع تنموية كما يدّعي البعض. لكن العلية يصرّ على مطلبه لأنه ينطلق من مقولة "الفاسدون يخشون التدقيق الجنائي، أما الأبرياء فيفرحون به". وإن كان هناك ارتكابات مخالفة للقانون "فليشنقوني".