Print this page

عن تقرير البنك الدولي: جريمة ماليّة جماعيّة تاريخيّة "متعمَّدة"

حزيران 03, 2021

جريدة المدن - علي نور

لم يعد يصح مقارنة تطوّرات الأزمة الماليّة اللبنانيّة بحالة الأسواق العالميّة في الوقت الرهن فقط، ولا حتّى بالأزمات الماليّة التي شهدها التاريخ الحديث. فحسب تقرير "مرصد الاقتصاد اللبناني" الذي يصدره البنك الدولي كل ستة أشهر، (وللاطلاع على كامل نص التقرير: انقر هنا) باتت أزمة لبنان واحدة من أسوأ ثلاث أزمات ماليّة شهدها العالم منذ منتصف القرن التاسع عشر. أي منذ نشوء وتطوّر الأسواق الماليّة الحديثة كما نعرفها اليوم. وعملياً، تشير أرقام المرصد إلى أن ناتج البلاد المحلّي، أي حجم اقتصادها الإجمالي، فقد ما يقارب 40% من قيمته خلال هذه الأزمة. إذ انخفض من نحو 55 مليار دولار في سنة 2018، إلى ما يقارب 35 مليار دولار الآن. أهم ما في التقرير لم يكن الأرقام الصادمة التي عرضها، بل تحليله للأرقام من ناحية تداعياتها الاجتماعيّة البعيدة الأمد، ومسؤوليّة السلطات التنفيذيّة والتشريعيّة والنقديّة عن هذا الواقع.


حرب بلا مدافع
إنها حرب على اللبنانيين بلا مدافع، هذا ما يمكن استنتاجه من أولى صفحات التقرير. فوفقاً للبنك الدولي، لا يحدث هذا النوع من الانكماشات السريعة والصادمة في حجم الاقتصاد المحلّي، إلا في حالات الحروب والأزمات الكبرى. في الحالة اللبنانيّة، لم تتسبب أي حرب تقليديّة معلنة بهذا الضمور المالي المفاجىء، بل كان السبب "فقدان الإجماع السياسي حول أي سياسات تصحيحيّة يمكن أن تخرج البلاد من أزمتها". لا بل وعلى العكس تماماً، توفّر الإجماع السياسي فعليّاً في مراحل عديدة حول حماية نظام مالي مفلس وغير منتظم، ما أدّى إلى عرقلة جميع محاولات التصحيح المالي.

ولهذا السبب بالتحديد، لا يوجد اليوم أي نقطة تحوّل تلوح في الأفق، وخصوصاً في ظل "الشلل المتعمّد" على مستوى السياسات الرسميّة. ولعلّ عبارة "المتعمّدة" كانت الكلمة الأكثر تكراراً في التقرير عند الحديث عن هذه السياسات. وكأن البنك الدولي أراد تقصّد الإشارة إلى مصالح ما تتحكّم بالقرارات الرسميّة، وتقودها إلى شن هذه الحرب الصامتة عن عمد على اللبنانيين وبلا مدافع، عبر تفادي تحديد ومعالجة الخسائر المتراكمة في النظام المالي.

وإذا كان البنك الدولي أراد القول ضمناً أن مدافع الحرب الصامتة هي هذه السياسات، التي كانت إما مشلولة أو سارت باتجاه حماية النظام المصرفي المفلس، فالتقرير كان أكثر صراحة في تحديد الضحايا والمستهدفين بهذه المدافع، وهم الفئات التي تحمل اليوم كلفة الانهيار، أي صغار المودعين والعمال والمؤسسات الصغيرة الحجم.

فسياسة تسييل الودائع بالعملات الأجنبيّة، أي طبع النقد لسدادها الليرة، أدت إلى انهيار في سعر الصرف، دفع ثمنه العمال على شكل تراجع في قيمة أجورهم المقومة بالعملة المحليّة. كما أدّت هذه السياسة نفسها إلى اقتطاع كبير في قيمة مدخرات صغار المودعين، الذين لا يملكون موجودات أو استثمارات وازنة خارج النظام المصرفي. أما المؤسسات الصغيرة الحجم، فدفعت الثمن الباهظ نتيجة الركود الاقتصادي الذي يصيب اليوم جميع المفاصل الاقتصاديّة الأساسيّة، والذي انعكس على شكل ضمور في نشاطها التجاري.

الوضع الاجتماعي والاقتصادي المزري
لم تتقتصر لائحة ضحايا الحرب الصامتة على هذه الفئات، بل شملت الكثير من الشرائح الاجتماعيّة الأخرى. فوفقاً للتقرير، أظهرت الاستبيانات أن نحو 41% من العائلات المقيمة في لبنان تواجه اليوم شبح الجوع، مع مواجهتها صعوبات في تأمين الحاجات الغذائيّة الأساسيّة. أما الأخطر، فهو أن ما يقارب 36% من هذه العائلات صارت تواجه اليوم مصاعب في تأمين كلفة الخدمات الصحيّة الأساسيّة. أما معدلات البطالة، فارتفعت لتلامس مستوى 40% من إجمالي القوّة العاملة في البلاد.

على مستوى النشاط الاقتصادي، يشير التقرير إلى أن مؤسسة واحدة من أصل كل خمس مؤسسات لبنانيّة باتت بحكم المقفلة نهائيّاً، فيما صرّحت 72% من المؤسسات بأنها اضطرّت لأن تقفل مؤقّتاً في مرحلة من المراحل. أما بالنسبة للمؤسسات المستمرّة بالعمل، فهي تعمل بنحو 35% فقط من قدرتها الإنتاجيّة، تحت وطأة انخفاض قيمة الطلب على السلع والخدمات محلياً. مع العلم أن 79% من المؤسسات الاقتصاديّة صرّحت بأنها شهدت انخفاضات وازنة في مبيعاتها، فيما بلغ متوسّط هذا الانخفاض حوالى 69%. وفي الخلاصة، بات نحو نصف المؤسسات الاقتصاديّة يعاني اليوم من مشاكل في السيولة، وهو ما سيهدد خلال المرحلة المقبلة استمراريّة عمل هذه المؤسسات. مع الإشارة إلى أن المؤسسات الصناعيّة بالتحديد كانت الأكثر تضرراً من هذه التطورات، إذ بلغ متوسط انخفاض مبيعاتها نحو 70%.

رياض سلامة: الغموض غير البنّاء
لا يبدي التقرير الكثير من الإعجاب بحاكم المصرف المركزي، الذي يُعده المهندس الحصري للسياسات الرسميّة منذ حصول الانهيار المالي، باستثناء الحقبة التي حاولت فيها حكومة دياب صياغة خطة للمعالجة الماليّة. التقرير يطرح الكثير من التساؤلات حول السياسة النقدية الغامضة وغير الواضحة التي يتبعها، والأهداف التي تحاول تحقيقها على المدى البعيد. فمنصّة التداول بالعملات الأجنبيّة لا تنسجم مع أي خطة كاملة يطرحها مصرف لبنان اليوم. لا، بل تتعارض مع سياسات أخرى يعتمدها الحاكم. ومصادر تمويلها غير واضحة حتّى اللحظة. بل وحتّى الوظيفة التي يفترض أن تقوم بها مازالت غير مفهومة أبداً.

في ما يخص تعاميم إعادة الرسملة، انتهت المهلة الممنوحة للمصارف منذ نهاية شهر شباط، ولم تتضح حتّى اللحظة نتيجة هذه العمليّة، لا بل لم يسمع أحد بأي خطوة لاحقة لهذه التعاميم، التي كان يفترض أن تمهّد لعمليّة إعادة الانتظام إلى العمل المصرفي. أما البديل، فلم يكن سوى الإعلان عن نيّة لجنة الرقابة على المصارف دراسة ملف كل مصرف على حدة. أما المسألة الأكثر غرابة، فكانت أن يقرأ اللبنانيون في تقرير للبنك الدولي تفاصيل الهندسة الماليّة الأخيرة التي أجراها سلامة مع المصارف منذ أشهر، وهي عمليات جرت في ذلك الوقت بشكل سرّي وبعيداً عن أعين الرأي العام، من دون أن تتضح خلفيتها أو الكلفة التي رتبتها على ميزانيات المصرف المركزي.

على أي حال، في عدّة أماكن من التقرير، يتضح سريعاً أن معدّيه يحمّلون حاكم مصرف لبنان مسؤوليّة أساسيّة في تفاقم نتائج الانهيار الحاصل، وخصوصاً من جهة آثار سياسة طبع النقد التي يعتمدها للتعامل مع بعض جوانب الانهيار، والتضخّم الحاصل نتيجة هذه السياسات. علماً ان التقرير يعد هذا التضخّم كلفة قاسية، تضرب بشكل أساسي القيمة الشرائيّة لمحدودي الدخل والفئات الأكثر فقراً في المجتمع.

الانكماش الحاد والمزمن
في خلاصة كل هذه المؤشرات، يتبيّن أن لبنان يعاني اليوم ما يصنّفة التقرير بالكساد الحاد والمزمن، أي حالة الانكماش والتراجع الاقتصادي السريعة والتي من المرتقب أن تستمر لفترة طويلة، خصوصاً كون البنك الدولي يقدّر أن يستمر الانكماش الاقتصادي هذه السنة ليسجّل نسبة 9.5%. ولذلك، يصنّف التقرير حالة لبنان كثالث أسوأ أزمة ماليّة منذ منتصف القرن التاسع عشر، بعد أزمتي تشيلي سنة 1926 وأسبانيا خلال الحرب الأهليّة سنة 1936. مع الإشارة إلى أن التقرير اعتمد لهذا التصنيف على جدول يأخذ بالاعتبار عاملين: نسبة التراجع في حجم الناتج المحلي، والفترة المتوقعة التي سيتطلبها التصحيح المالي لاحقاً.

عملياً، يمكن القول أن المفارقة الأساسيّة اليوم تكمن في اتخاذ مؤسسة كالبنك الدولي مواقف صارمة وحازمة على يسار النظامين السياسي والنقدي اللبنانيين، وهي مسألة لا يمكن أن تنتج إلا عن ذهاب المسؤولين في لبنان بعيداً في تحميل الفئات الأكثر هشاشة تداعيات حالة الانهيار الحاصلة، سواء كان ذلك عبر تعاميم مصرف لبنان الملتسبة، أو عبر الحرب التي شنتها الكتل النيابيّة على أي محاولة للتصحيح المالي أو الاعتراف بالخسائر. وهذا النوع من الجرائم الماليّة الجماعيّة التاريخيّة، لا يمكن تفسيره إلا بحجم الترابط الكبير بين مصالح المصرفيين والمستفيدين تاريخيّاً من السياسات الماليّة القائمة، ومصالح السياسيين وأصحاب القرار في مصرف لبنان.