تُفجّر لغم الصرف التعسفي بموظفيها MAG

حزيران 11, 2021

 

المرصد-علي حشيشو

على بُعد امتار من مبنى منظمة MAG لنزع الالغام في دير الزهراني يقف علي سكافي الموظف المصروف تعسفاً من العمل مع زوجته وبناته وعدد من زملاء العمل الذين لاقوا نفس المصير، للاحتجاج على فسخ عقود عملهم في المنظمة البريطانية الممولة من عدد من دول العالم.

علي واحد من اكثر من 70 موظفاً في MAG تم فسخ عقود عملهم بطريقة تعسفية بحجة وقف تمويل برنامج نزع الالغام، حضر الى الاعتصام ولم يحمل يافطة، بل كان يحمل ندوباً وحروقاً ملأت جسده نتيجة انفجار لغم كان يفككه في احد حقول الالغام التي زرعها الاحتلال الاسرائيلي في جنوب لبنان، زوجته تروي معاناته: "أنا زوجة المجاهد الجريح البطل علي سكافي، زوجي يعمل في MAG منذ 20 عاماً وقدّم دماً وكاد يفقد روحه اثناء العمل، انفجر بين يديه لغم ظل على اثرها شهر في الكوما، ونجا لكنه مصاب بكسر في الجمجمة وفقد عينه وسمعه في احدى اذنيه واعاقة دائمة في يده اليسرى" وتتابع "يا ريت بيّن معن، طردوه بلا تعويض حتى، لأنهم وعدوه بإعادته للعمل في مقابل التوقيع على ابراء ذمة المنظمة والتنازل عن تعويض نهاية الخدمة، افتروا على زوجي بحجة انهم يعانون من توقّف التمويل بينما وظفوا مكانه شخص آخر"، وتسأل سلمى متحسرةً: "ماذا سنفعل بلا وظيفة في هذه الظروف؟".

علي واكثر من 200 اخرين وهو الرقم الذي رسى عليه عدد الموظفين في MAG مؤخراً، وMAG بدأت عملها في لبنان 2000 – 2001 بتمويل من الحكومة البريطانية ودول اخرى، خصصته لمساعدة السكان في نزع الالغام والقنابل العنقودية والذخائر الحربية غير المنفجرة الناتجة عن الاجتياحات الاسرائيلية لجنوب لبنان، وكانت بدأت بتوظيف الشبان مقابل رواتب بالدولار الاميركي، وصل عدد العاملين في العام 2006 الى 500 شكلوا 26 فريقاً (نازعو الغام – مسعفون – حراس – سائقون - ناقلو متفجرات – عمال تنظيفات - اداريون – مدرِّبون) معظمهم من ابناء الجنوب، وهو امر لحظته سياسة التوظيف التي ارتأت انه من المفيد ان يكون العاملون في حقول نزع الالغام من وسط البيئة الجاري العمل فيها.

كانوا محرومون من اي تغطية صحية باستثناء مَن كان يصاب او يقتل في حقول الالغام. مدة عقود العمل سنة واحدة تتجدد باستمرار بنفس الشروط، وعند اقتراب انتهاء التمويل في كل مرة يوقع العاملون على انذار (فسخ عقد) وتحتفظ به الادارة وتعود وتمزقه عند توفّر التمويل وتطلب من العاملين التوقيع على عقود جديدة بنفس الشروط السابقة.

في السنوات الاخيرة تراوح عدد العاملين بين 200 – 225 شخصاً مقسمين جندرياً 85 % ذكور – 15 اناث % ومن حيث الجنسيةً 93 % لبنانيون – 7 % اجانب.

اما الرواتب فأدناها 750 دولار اميركي واعلاها 2900 دولار اميركي. 

ومع انفجار الازمة الاقتصادي وانهيار الليرة حسد كثيرون موظفي MAG كونهم يقبضون رواتب بالعملة الصعبة، وهو امر جعلهم بمنأى عن تداعيات الازمة، لكن ذلك لم يدم طويلاً.

اليوم يشكو المصروفون من ان القرارات التعسفية جعلتهم في مهب الريح في ظل الانهيار الخطير، مما يعرضهم وعائلاتهم لمخاطر شتى جراء التعطل عن العمل وحرمانهم من رواتب بالدولار في ظل انهيار الليرة، وبالتالي واستحالة العثور على عمل بديل في الظروف الراهنة يجنبهم فقدان مقومات العيش الكريم.

قرار الصرف

في 2020/12/23  آخر يوم عمل قبل عطلة نهاية السنة، جمعت ادارة MENAF (وهي الوكيل المحلي لـ MAG منذ 2012)، بالطابور حوالي 75 من العاملين وطلبت منهم التوقيع على فسخ عقودهم، وانهاء خدماتهم بصورة فورية، وذلك بحجة توقف التمويل، مقابل وعود بإعادتهم للعمل مطلع شهر نيسان 2021 بعد ان يكون التمويل قد تأمن من بريطانيا والدول الداعمة.

 لكن الامر الخطير الذي ارتاب منه العاملون كان الطلب اليهم ان يوقعوا على إبراءات ذمم للادارة تحمل تاريخاً مقدَّماً ثلاثة اشهر (2021/3/31)، وهو اقرار منهم بأنهم قبضوا كامل رواتبهم عن الاشهر الثلاثة القادمة، وبان ليس لهم اي مستحقات مالية في ذمة الادارة بما فيها تعويضات نهاية الخدمة، بعض العاملين وقّع خوفاً من عدم تجديد عقده بعد عطلة الاعياد، والبعض الآخر جرى ترهيبه بحرمانه من قبض راتب الشهر القادم.      

انتهى شهر نيسان ولم تستدع MENAF المصروفين لتجديد عقود عملهم، وتلقوا وعداّ جديداً بإعادتهم مطلع حزيران، ومرّ الموعد ولم يتحقق الوعد ايضاً، كل ذلك والادارة لا تنفك "تنصح" المصروفين بعبارة: (إحفظوا خط الرجعة للشغل)، لمنعهم من تنفيذ خطوات تصعيدية.

توفيق حمدان مطرود آخركان يعمل ناقل متفجرات من مخازن الجيش الى حقول الالغام طوال 14 عاماً يشرح ما يسميه "ضرب الاحتيال" الذي قامت به المنظمة بحق الموظفين: "بالحيلة قالوا لنا امضوا على فسخ العقود واتركوا العمل بصورة قانونية، لأنه في نيسان المقبل يعود التمويل فنُعيدكم الى العمل، مضينا على هذا الاساس، حالنا كحال الغريق الذي يتعلق بقشة، صرنا في الشارع عاطلين عن العمل بدون اي تعويضات"، يعدد توفيق ساعات الخطر التي عاشها طوال مدة وظيفته متنقلاً بين حقول الالغام حاملاً المتفجرات التي كان يستلمها من ثكنات الجيش اللبناني لتفجير الذخائر والالغام المنقبة. ويكرر نفس سؤال زملائه المطرودين: "كيف أتت الادارة بموظف ليحل مكاني اذا كانت ذريعتها لطردي عدم توفر المال؟". 

20 سنة عمل قضاها احمد عيسى حارساً لمقر المنظمة، وقد بنى خططاً له ولعائلته استناداً الى مدخوله المادي المنتظم والى الثبات الوظيفي، مشكلته اليوم تتشابه في مع رفاقه في المظلومية وفقدان الامان الاجتماعي، لكنها تفتح العين على قضية "شركات مقدّمي الخدمات"، والضرر الذي تسببه لموظفي الشركات الكبرى، فقد طردت MAG  موظفي قسم الحرس فيها، واستقدمت شركة خاصة ولزّمتها مهمات الحراسة والامن: "استبدلونا بأشخاص اخرين يقبضون نفس قيمة رواتبنا وبالدولار ايضاً، وكذلك فعلوا في قسم التنظيفات أيضاً غير آبهين بمصيرنا ومصير اولادنا، خصوصا عندما لا تشترط شركاتنا في عقودها مع مقدمي الخدمات ديمومة عملنا كوننا خدمناها لسنوات طويلة وفي ظروف خطرة، رغم اننا عرضنا على الشركة تخفيض رواتبنا للنصف مقابل البقاء في الوظيفة، ثم عرضنا العمل بلا مقابل للأشهر الثلاثة القادمة وهو التاريخ الموعود لعودة التمويل، لكن عروضنا قوبلت بالرفض والتنعنّت".

عيسى يشير الى انه لمس في العامين الاخيرين تغيّراً في تعاطي الادارة ويبدي اعتقاده ان مرد ذلك أسباب سياسية. 

في الانتهاكات ايضاً تأخرت الشركة في دفع التعويضات العائلية للمصروفين عن 3 اشهر، ولما توجه المصروفون للمصرف لقبضها بعد مضي 3 اشهر أُجبروا على اغلاق حساباتهم المصرفية وهي بالدولار الاميركي والتي كانت تُحول اليها الرواتب والتعويضات.

ويقول الحارس جمال نور الدين: "ان MAG كانت تجبر بعض الموظفين في السابق على توقيع انهاء عقد العمل، وتبقي عليهم كعامل مياومين لمدة شهرين ثم تطلب منهم التوقيع على عقد عمل جديد لكن براتب أدنى من راتبه السابق، وهو تحايل على قانون صندوق الضمان".

 

ويشبه المصروفون ادارة MAG وMENAF بـ دولة لبنانية على مصغّر، من حيث الفساد والسمسرات والمحسوبيات والتحايل على القوانين والاستقواء على الموظفين، ويكشفون عن تواطؤ الاحزاب السياسية النافذة مع ادارة MAG و MENAF مقابل توظيف محاسيب وتنفيعات من بينها تدريب طواقمهم الحزبية على نزع الالغام، ومع ان قرار الصرف التعسفي شمل عدداً من الحزبيين، الا ان الاحزاب تلك لم ترفع الصوت لأن مازال لها اعداداً كبيرة من الموظفين في MAG وMENAF.

 

محمود حرشي الموظف الاداري المالي (12 سنة عمل) يوضح ان ادارة MENAF استبقت رد وزارة العمل على (ملف تشاور)  رفعته اليها تبلغها فيه بنيتها صرف 130 عاملاً  لديها بسبب نقص التمويل طالبةً موافقتها، لكن الوزارة وحتى تاريخه، من دون اعطائهم اية تعويضات او بدل الصرف التعسفي. 

 

ويدحض حرشي السبب المعلن للصرف (تراجع التمويل الآتي من الحكومة البريطانية)، ويتهم المنظمة بتسييس الطرد ويستشهد عل ذلك برسالة من مدير المنظمة سيلفان ليفورت كان وجهها لموظفيه بتاريخ ١٧ تشرين الثاني ٢٠٢٠ بالايميل، يقول فيها حرفياً: "...أود أن أؤكد وأوضح أن قرار المملكة المتحدة بسحب دعمها للأعمال الإنسانية المتعلقة بالألغام في لبنان ليس مرتبطاً بأداء المجموعة الاستشارية للألغام (وشريكتهاNPA) بل هو قرار سياسي مرتبط بأولويات الحكومة البريطانية واستراتيجتها".

ويسأل حرشي: "هل يعقل ان تتخلى حكومة بريطانيا عن تمويل منظمة بريطانية وتنتظر ان تمدها حكومات اجنبية كالسويد وغيرها بالاموال اللازمة؟".

يضيف: "لقد استبدلوني بموظفيْن احدهما اجنبي يتقاضى راتباً شهرياً يمثل أضعاف ما كنت اتقاضاه"، 

فضلا عن ان MAG قررت مؤخراً تمويل برنامج في بيروت تتراوح قيمته بين 5 و6 مليون دولار.

 

 

شكوى:

 حرشي و ٨ من المصروفين لجأوا الى وزارة العمل، وقدموا شكوى لمجلس العمل التحكيمي في النبطية ضد MAG وMENAF بتهمة الصرف التعسفي مطالبين بتعويضات نهاية الخدمة لقاء سنوات العمل مع MAG قبل  MENAF، لكنهم أُجبروا على نقل مكان الشكوى الى بيروت حيث المركز الرئيس للشركة الخصم، ويركزون بواسطة محاميهم على دحض ذريعة الشح المالي من خلال فضح التوظيفات الجديدة برواتب اعلى من رواتب المصروفين وكذلك من خلال نشر اعلان عبر منصة " الدليل المدني" عن الحاجة الى موظفين لملء مراكز شاغرة.

0
Shares
  1. الأكثر قراءة
قرأة نقدية لسياسات الحماية الاجتماعية للسلطة اللبنانية

قرأة نقدية لسياسات الحماية الاجتماعية لل…

تموز 24, 2021 12 مقالات وتحقيقات

عمال المخابز والأفران...حقوق مستلبة وخوف من الآتي

عمال المخابز والأفران...حقوق مستلبة وخوف…

تموز 19, 2021 27 مقالات وتحقيقات

النقابة تنتصر: التغيير أمر واقع

النقابة تنتصر: التغيير أمر واقع

تموز 19, 2021 86 عمالية ونقابية

12 ألف ليرة "تفكّ أسْر" مئات الأصناف من الأدوية وتفتح باب "القلق" أمام اللبنانيين  خطة "الصحة" الطموحة مغلّفة بـ"قشرة" رفْع الدعم الخجولة

12 ألف ليرة "تفكّ أسْر" مئات ا…

تموز 19, 2021 29 مقالات وتحقيقات

السلطة للنساء: لا فوط... عليكنّ بالقماش وورق الجرائد!

السلطة للنساء: لا فوط... عليكنّ بالقماش …

تموز 16, 2021 27 مقالات وتحقيقات

إقتراح لاستجرار وقود معامل الطاقة من المملكة الأردنية الهاشمية عبر سوريا من دون التعرض لعقوبات "قيصر" هل ينجح "الغاز العربي" بحل أزمة الكهرباء بعدما فشل في الماضي؟

إقتراح لاستجرار وقود معامل الطاقة من الم…

تموز 16, 2021 33 مقالات وتحقيقات

حيرة المودعين بين التعميمين 158 و151: أيهما "سرقة" أقل؟

حيرة المودعين بين التعميمين 158 و151: أي…

تموز 16, 2021 67 مقالات وتحقيقات

المصانع الى الإقفال اذا لم يتوافر المازوت

المصانع الى الإقفال اذا لم يتوافر المازو…

تموز 16, 2021 34 مقالات وتحقيقات

كل شيء ينهار تحت أقدام سلامة: منصة "صيرفة" سقطت!

كل شيء ينهار تحت أقدام سلامة: منصة …

تموز 15, 2021 29 مقالات وتحقيقات

البطاقة التمويليّة إلى السقوط: لا أحد يريد تمويلها

البطاقة التمويليّة إلى السقوط: لا أحد ير…

تموز 15, 2021 23 مقالات وتحقيقات

السلطة تنتظر الـ860 مليوناً بفارغ الصبر

السلطة تنتظر الـ860 مليوناً بفارغ الصبر

تموز 15, 2021 27 مقالات وتحقيقات

تنتظر قرار الإستئناف وتراهن على إحداث خرق في "جدار" مصادرة أصوات الأجراء على المستوى الوطني نقابة عمال "سبينس": ربح "معركة" البداية لا يعني انتهاء "الحرب"

تنتظر قرار الإستئناف وتراهن على إحداث خر…

تموز 14, 2021 36 مقالات وتحقيقات

سعر الدولار مُضخَّم... والمحتكرون يتحكمون بالسوق في غياب «المركزي»

سعر الدولار مُضخَّم... والمحتكرون يتحكمو…

تموز 12, 2021 36 مقالات وتحقيقات

الحقيقة تقترب.. 20 دولاراً في الشهر فقط للمحظوظين

الحقيقة تقترب.. 20 دولاراً في الشهر فقط …

تموز 12, 2021 34 مقالات وتحقيقات

دعاوى واتهامات بـ «تركيب ملفات» والصرف التعسّفي: «إمبراطورة» تحكم قسم التمريض في «الحريري»؟

دعاوى واتهامات بـ «تركيب ملفات» والصرف ا…

تموز 08, 2021 41 مقالات وتحقيقات

هكذا تحصل على 400 دولار

هكذا تحصل على 400 دولار

تموز 08, 2021 46 مقالات وتحقيقات