سرديات الحرب والدولة في لبنان

تشرين1 18, 2021

المرصد

أسعد سمور- أعادت أحداث الطيونة إلى الأذهان مشاهد الحرب الأهلية التي اندلعت بين ميليشيات الطوائف، التي انتهت بفرز طائفي ومذهبي وتدمير مدينة بيروت ونهب ثرواتها وتكبيد الاقتصاد خسائر هائلة، ووصل عدد الضحايا إلى 150 ألف قتيل، و300 ألف معوق وجريح، وأكثر من 17 ألف مفقود. والتي انتهت أيضا بتسلم قادة الميليشيات الحكم وقيادة لبنان إلى الانهيار المالي عام 2019 وحروب أهلية صغيرة مستمرة منذ انسحاب القوات السورية من لبنان.

هذه الحرب كانت نتيجة مجموعة من العوامل الاقتصادية والتدخلات الاقليمية والدولية ولسرديات حكم الميليشيات الطائفية، وأفضت إلى خراب مستدام وتهجير متواصل للبنانيين. وإلى اغتيال الدولة، وتعزيز منطق الثأر مقابل منطق العدالة، والمحاصصة مقابلة الديمقراطية، والطائفية مقابل الحرية.

السردية الشيعية v/s السردية المسيحية

السردية الأولى هي سردية استهداف الطائفة الشيعية، في هذه السردية المطلوب هو رأس المقاومة أي قيادة حزب الله وحركة أمل وهي سردية مناسبة للحزب باعتباره ممثلا أوحدا للمقاومة المرتبطة بـ"محور المقاومة" الذي تقوده إيران الإسلامية، والشيعية تحديدا، حتى لو أتى  بيان الحزب الشيوعي اللبناني الذي قاد "جبهة المقاومة الوطنية-جمول" متناقضا مع خطاب الثنائي.  

السردية الشيعية قائمة بالأساس على المظلومية الممتدة من 1400 سنة والتي عززت نفسها في أواخر سبعينيات القرن الماضي باعتبار أن الشيعة مبعدين عن إدارات الدولة ومضطهدين وفقراء، لكن الحال تغير بعد اتفاق الطائف ومع عصر الانترنيت والمعلومة السريعة تبين أن الاضطهاد والفقر والابعاد لا يخص طائفة معينة، بل يطال الجميع. عام 2005 بدأت نظرية المؤامرة تشكل حجر الأساس في السردية الشيعية، وبات كل فعل أو تحرك يقوم به الثنائي هو في مواجهة المؤامرة التي يثبت الثنائي قدرته على الانتصار عليها في كل المراحل.

للمسيحية الطائفية أيضا سرديتها القائمة على استهداف الطائفة، فهي الخائفة على الهوية اللبنانية من التغول الاسلامي وإخراج المسيحيين من "ثقافتهم" ونمط حياتهم وتحويلهم إلى أهل ذمة. وحيث أن القوى الإسلامية المسلحة بشكل جدي هي القوى الشيعية فلا بد أن يتركز الاهتمام المسيحي تجاه هذه الفئة، ولذلك كان من المهم عقد تفاهم كتفاهم مار مخايل يضمن للمسيحيين وجودهم وأمنهم، هذا الاتفاق الذي قاده التيار الوطني الحر كان له دور في تعزيز موقع التيار في المجلس النيابي باعتبار أن هذا التفاهم قدم حلا لمعضلة الوجود المسيحي مقابل المد الإسلامي الشيعي. ولكن انتفاضة 17 تشرين أسقطت تفاهمات كثيرة وخلطت قواعد اللعبة.

 تسبب تبني قيادة حزب الله قرار مواجهة الانتفاضة بشكل معلن ومباشر بأضرار "جانبية للحزب" طالت التفاهم. فهو الداعم للاعتداءات على ساحات الاحتجاج عبر مجموعات منظمة بهتافها الشهير "شيعة، شيعة" والتي اعتدت على الأملاك الخاصة في منطقة "مونو" المسيحية في تشرين الثاني 2019، ومن ثم أحداث الطيونة التي ترافقت مع نفس الهتاف، ولكن هذه المرة مع مواجهات مسلحة بين الفريقين (الشيعي-المسيحي) ما جعل من التفاهم في مار مخايل مهزوزا.

إذا لابد من حماية المسيحيين من الاعتداءات والتهجمات الاسلامية وإذا كان اتفاق مار مخايل العوني قد سقط، فلا حل سوى الدفاع عن النفس وفق المنطق القواتي. وعزز تفجير مرفأ بيروت السردية المسيحية، حيث أن الانفجار طال المنطقة "الشرقية" وألحق ضحايا مسيحيين وبالتالي هو قضية مسيحية على القيادة المسيحية أن توصلها إلى خواتيمها، بوجه رفض حزب الله التحقيق.

 

سيناريو المقايضة للإفلات من العقاب

طبعا لكل الطائفيات الأخرى سردياتها، وهي بكل الأحول سرديات متشابهة وتصب في الهدف نفسه. هذه السرديات تأتي في ظل وقائع ثقيلة على القوى الطائفية أولها وأكثرها وطأة تكلس الخطاب الطائفي الذي لم يعد مرحبا بها كما السابق لدى فئات واسعة من الأجيال الشابة وهذا ما عبرت عنه انتفاضة17  تشرين وتقهقر نفوذ الأحزاب في بعض النقابات المهنية بالإضافة إلى الانتخابات الطلابية في الجامعات. ولكن الأخطر بالنسبة لهذه السرديات أنها تأتي في سياق إنفجار مرفأ بيروت وفتح تحقيق قضائي في الحادثة واستدعاء مسؤولين وفق معيار العلم بوجود النيترات والموثق بكتاب تبليغ والصلاحية بالتحرك لمنع الكارثة. وقد طالت الاستدعاءات مسؤولين من كل الأطراف السياسية، وفي حين يرفض الجميع دون استثناء الحضور أمام القاضي. قرر حزب الله على عادته أخذ القضية في صدره وكما أعلن حربه على الانتفاضة بشكل مباشر، ودون مواربة كما تفعل بقية الأطراف الأخرى، أيضا هذه المرة أعلن حربه على القضاء بشكل مباشر ودون مواربة كما تفعل بقية الأطراف الأخرى. أيضا تأتي هذه السردية في ظل إتفاق إيراني- فرنسي ورضا أميركي عبرت عنه الادارة الأميركية بإقتراح مد لبنان بالغاز عبر الأردن وسوريا متجاوزة قانون قيصر، وتوافق دولي واقليمي على ضرورة إجراء الانتخابات.

هذه السرديات ستبني خطابها على أن أحداث الطيونة  أنتجت فريقين من الضحايا، الفريق الأول من غالبية مسيحية قضت بتفجير المرفأ، والفريق الثاني هم من الشيعة الذين قضوا بـ"كمين الغدر القواتي" بالإضافة إلى استعادة الثنائي لضحايا المرفأ الشيعة بأي طريقة. ووفق هذا التقسيم للضحايا نصبح أمام فريقين: مسيحي قواتي يدافع عن مناطق المسيحيين ويحصد أصواتهم في الانتخابات المقبلة، وثنائي شيعي جعل من قيادة حزب الله وليا للدم ويحصد الأصوات الشيعية. وحيث أن الانقسام وفق هذه السرديات سيخرج ما حصل من الاطار القضائي والقانوني، فإنه سيضع الإنفجار ونتائجه، كما أحداث الطيونة ونتائجها في سياق الحل السياسي، أي ضحايا المرفأ مقابل ضحايا الطيونة، وفق مبدأ 6 و6 مكرر، خصوصا أن طرفي النزاع المعلنيين هما القوات من جهة والثنائي من جهة أخرى، وطرفي الاتفاق هما فرنسا من جهة وإيران من جهة أخرى.

هذه السرديات تثبّت مبدأ الحرب الأهلية، وحكم الميليشيات فلا احترام لمفهوم الدولة والسلم الأهلي، إذ يبدو واضحا للجميع أن طرفي الاقتتال الداخلي في الطيونة كانا مستعدين لخوض المعركة التي استمرت لساعات. وهذه الجولة من الاقتتال الداخلي أتت لتعلن صراحة عن استعداد الجميع لتخريب البلد وجره إلى حرب وعدم استقرار في حال زعزعة النظام اللبناني القائم على حكم الميليشيات.

 

السرديات الضائعة

يشكل القضاء العادل أكبر تحدي أمام حكم الميليشيات، فلم يطالب أي فريق منهم فتح تحقيق بالجريمة-المعركة بل استمروا في سرديات الدفاع عن المنطقة، والدفاع عن دماء أبناء الطائفة، دون أدنى إعتبار لمفهوم الدولة القائم أولا على أن الحقوق لا تؤخذ إلا بالقانون وليس بمنطق الثأر والانقسام التي يروج لها طرفي النزاع.

كما أن تفريغ القضية من جانبها القضائي والقانوني وتحويلها إلى قضية طائفية يمهد لاستثمارها سياسيا، ويساهم بشكل جوهري في تثبيت مبدأ الإفلات من العقاب الذي يتفنن به حكام لبنان منذ نشأته حتى اليوم، مرورا بـ15 عاما من الحرب الأهلية لم تنته بمحاسبة أحد، ومن بعدها 20 عاما متواصلة من سرقات المال العام ونهب ثروة اللبنانيين ولم يحاسب  أحد، وصولا إلى جريمتي المرفأ والطيونة.

الملفت أن جميع الجرائم التي ارتكبتها الميليشيات وقادتها كانت تنتهي باتفاقات إقليمية ودولية تكرس مبدأ التبعية وهذا ما قد يحصل مرة أخرى في حال أفلح الاتفاق الايراني- الفرنسي بمقايضة ضحايا المرفأ بضحايا الطيونة ويا "دار ما دخلك شر"

أمام هذه السرديات يقف جمهور 17 تشرين صامتا وعاجزا. بعد أن يأس من إمكانية المجموعات الثورية من صياغة خطابها المواجه للسرديات الطائفية. وبعد أن يأس من ضياع سردية سعر الدولار المتفلت، وسردية احتكار الأدوية والمحروقات، وسردية إنهيار تقديمات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وسردية نهب المال العام والأملاك العامة، وسردية الهيمنة على القضاء، وسردية التفقير والتهجير المسمى "طاقة اغترابية"، وسردية استغلال العمال والأجور الهزيلة، وسرديات البؤس والموت التي نعيش.  

كما يقف هذا الجمهور مرتبكا أمام المعادلة التي فرضتها الطيونة، وهي معادلة قديمة-جديدة، فإما إسقاط التحقيق وتاليا المحاسبة، وإما إسقاط السلم الأهلي وجر البلد إلى حرب طائفية جديدة.

أما هذه المعادلة وواقعها المر لنا الحق جميعا أن نسأل هل يبنى السلم الأهلي على الخوف من الحرب التي من الممكن أن تندلع في أي لحظة لا يرضى بها أي فريق طائفي؟ أم أن السلم الأهلي يبنى على أساس العدالة وفتح تحقيقات جدية في قضية تفجير المرفأ وأحداث الطيونة وجرائم نهب وسرقة المال العام وسوق المتهمين، جميع المتهمين، إلى العدالة؟

0
Shares
  1. الأكثر قراءة
ارتفاع الدولار وإقفال "الإسكان".. ما مصير القروض؟

ارتفاع الدولار وإقفال "الإسكان…

تشرين2 30, 2021 27 من الصحف

"بلطجة" في انتخابات نقابة أطبّاء الأسنان... الفرز يتوقف والنتائج تُلغى

"بلطجة" في انتخابات نقابة أطبّ…

تشرين2 29, 2021 32 من الصحف

بيرم لـ"نداء الوطن": زيادة …

تشرين2 26, 2021 40 من الصحف