تعليق على قرار الهيئة الاتهامية في بيروت رقم 118/2019 في النزاع أيوب /خليفة

عزة سليمان (دكتوراه في الحقوق)

صدر قرار الهيئة الاتهامية في بيروت رقم 118/2019 برئاسة جوزيف بو سليمان منتدباً وعضوية المستشار بلال بدر والمستشارة كارلا شواح منتدبة، في عشر صفحات، في النزاع القائم بين رئيس الجامعة اللبنانية ف. أيوب مدعياً والاستاذ المتقاعد ع. خليفة مدعى عليه، انتهت فيه الهيئة الاتهامية إلى فسخ قرار قاضي التحقيق واتهام المدعى عليه بجناية المادة 408 عقوبات – شهادة الزور والجزم بالباطل – وإصدار مذكرة إلقاء قبض بحقه.
تكتسب قضية ف. أيوب / ع. خليفة أهمية قصوى في دلالاتها ورمزيتها وتوقيت صدور قرار الهيئة الاتهامية وشكله ومضمونه. فالقضية المثارة تتناول مرفقاً أساسياً من مرافق الدولة وهو الجامعة اللبنانية بما تعنيه هذه الجامعة من قضايا وتاريخ وآلية إدارة ومشاكل ومناهج وحقوق وعدالة اجتماعية. كما أن القرار الصادر يثير دور السلطة القضائية وتركيبتها وحضورها على المستوى الوطني والمستوى الحقوقي، ودورها في تحقيق العدالة وحماية الاستقرار الاجتماعي، باعتبارها مرجعية آمنة وموثوقة لكل مواطن. وذلك إضافة إلى دورها في تكريس حكم القانون في الدولة، أمام غياب واضح لدور النقابات كتشكيل اجتماعي اقتصادي ضامن لفعالية المطالب الشعبية في وجه السلطة السياسية في وقت الأزمات.
وتبرز خصوصية الموضوع وخطورته في اجتماع هاتين القضيتين في ذروة الأزمة السياسية والاجتماعية الوطنية على وقع انتفاضة شعبية شكلت العدالة الاجتماعية واسترداد الاموال المنهوبة واستقلال السلطة القضائية ودور الجامعة اللبنانية أهم مطالبها وقضاياها.
تظهر القضية نزاعاً جوهرياً بين طرفين يشكل كل منهما في موقعه وعمله نموذجاً حيوياً لإثارة الرأي العام واهتمام فئات المجتمع كافة بمضمونها. هذا المضمون الذي يمس قضية المال العام وكيفية استخدامه، وآلية اتخاذ القرار في الإدارات العامة، ودور المجتمع في المساءلة عند وجود شبهات حقيقية والاحتكام إلى القانون من خلال سلطة قضائية عادلة وحيادية ومستقلة، ناهيك عن احترام حرية التعبير عندما يكون القصد منه حماية الخدمة العامة.
هو سؤال طرحه الدكتور عصام خليفة، على أثر قرار اتخذ في مجلس الجامعة اللبنانية تضمن تقييماً علمياً لمسيرة مهنية لرئيس الجامعة وعمداء في الجامعة استفادوا من خلاله بدرجة وظيفية ومالية. علماً أن الرئيس والعمداء المعنيين هم من مكونات المجلس المذكور. كما واستفاد غيرهم من الأشخاص الذين يتبوأون مراكز إدارية في الجامعة اللبنانية. يشكل هذا الموضوع تحديداً قضية مستقلة بذاتها تتمحور حول آلية التقييم العلمي للأبحاث والمعايير المعتمدة وطريقة توزيع الرتب العلمية وهي قضية بقيت موضوع جدل وتساؤل دائمين في أوساط الأكاديميين في الجامعة اللبنانية والمجتمع العلمي في لبنان وخارجه، لن نخوض غمارها الآن.
عصام خليفة وهو الباحث في التاريخ والأكاديمي والنقابي من الصف الأول، والاستاذ المتقاعد الذي كرس عمله وعلمه وأمضى حياته المهنية في كنف الجامعة اللبنانية دوناً عن غيرها كمصدر ومرجع لعمله ولانتاجه، طرح سؤالاً حول هذا القرار بحيثياته التي أثيرت في الإعلام وأثارت الرأي العام حينها، مدلياً بمضمون محضر مجلس الجامعة نفسه والأخبار الواردة في الصحف (موقع جريدة النهار تاريخ 1 أيار 2018 https://nahar.news/798661)
شعر رئيس الجامعة بالاعتداء المعنوي على كرامته ومكانته وهذا حقه، وادعى قضائياً للمطالبة بإحقاقه حقه وهذا أداء مؤسساتي وتكريس لدولة القانون، إنما الخلط بين البعد الشخصي والبعد المؤسساتي وقعت أيضاً به المحكمة وهذا يطرح سؤالاً حول حياديتها وموضوعيتها.
كان قاضي التحقيق في بيروت، قد أصدر قراره في 19/11/2019 بمنع المحاكمة عن خليفة لعدم توفر أركان الجريمة. إلا أن قرار الهيئة الاتهامية جاء سطحياً وغير مقنع وهذا ما سنحاول تبيانه في تعليقنا ما يثير قلق المواطن اللبناني وريبته حول طبيعة الدور والعمل الذي يقوم به قضاة لبنان بما يشبه أداء السلطة السياسية المستهزئة بمطالب وتطلعات الشعب اللبناني.
ملاحظات في الشكل
شاب قرار الهيئة الاتهامية عيوباً شكلية متعددة مرتبطة بالأخطاء اللغوية والمطبعية المتكررة في متن النص، ما تجلى في ذكر التاريخ حيث يظهر في النسخة المصورة أنه معدل بخط اليد من 3/12 إلى 31/12 وهما يوما عمل ما يثير الاعتقاد أنها أنجزته في مهلة قياسية دون أن تتعمق في مضمون الدعوى. سرعة صدور القرار ليس شبهة في عمل المحكمة بل هو دليل جدية مطلوبة لو كانت السرعة القياسية في الأحكام تتناول كل دعاوى المواطنين. هذا الشك يتزايد عند قراءة مضمون القرار الذي لم يفرد بوضوح وقائع القضية وأدلة تفيد تعمق المحكمة في التحقيق.
كما أن الشبهة تثار من أعضاء الهيئة الاتهامية حيث أن العضو الأصيل الوحيد متعاقد في الجامعة اللبنانية وتتضارب بالتالي مصالحه الخاصة مع دوره الحيادي، إذ كان يتوجب عليه التنحي وذلك أضعف الإيمان. هذه المسألة تثير عدد العقود المتزايد بين الجامعة اللبنانية والقضاة ما يطرح سؤالاً جوهرياً حول إمكانية هؤلاء القضاة للمساءلة في قضايا الجامعة طالما أن هذه الأخيرة محط أنظار لانتفاعهم المالي والوظيفي، وهذه مسألة تتطلب تحقيقاً موسعاً سنتخطاه في موضوعنا هذا.
في مضمون الحكم:
أما لناحية مضمون القرار وأداء المحكمة فنلاحظ التالي:
أفردت المحكمة من الصفحة الأولى لغاية المقطع الأخير من الصفحة 6 من القرار مضمون الإدعاء بشكل مسهب، ولم تفرد مضمون الدفاع وهو عيب يعطي انطباع بأن المحكمة لم تكرس مبدأ الوجاهية في المحاكمة. واستندت المحكمة إلى مذكرة مكتوبة مقدمة من المدعى عليه نفى بموجبها التهم الموجهة إليه حيث أكد على واجبه بالمساءلة وفقاً للتوصية المقدمة من الاونيسكو والتي وافقت عليها الحكومة اللبنانية"، دون أن يناقش مختلف النقاط المدعى بها عليه. كما اعتمدت في الأدلة على أقواله أمام النيابة العامة المالية. وهذا إما لعدم اكتراث المدعى عليه لمضمون التهم أو لكون الهيئة لم تول وقتاً للاستماع لرد المدعى عليه ومناقشته، على الرغم من خطورة القضية المرتبطة بالنظام العام. فقد عالجتها المحكمة وكأنها دعوى ذاتية مرتبطة بالقدح والذم دون مسها بقضية عامة.
أما تحت عنوان "في القانون" في الصفحات 6 و 7 و8 من القرار فقد عرضت المحكمة مضمون الإدعاء من جديد الذي يتضمن حق الدكتور فؤاد ايوب بالرتب العملية وفقاً لأنظمة الجامعة اللبنانية ثم وصلت في الصفحة 9 من القرار إلى تحديد عناصر الجرم المدعى به وتأكيد حصوله بإعادة ذكر مضمون الإدعاء ومجريات الدعوى أمام النيابة العامة المالية"، دون أن تعلل كيفية استنتاج الركنين المادي والمعنوي للجريمة.

• في الركن المادي
لناحية الركن المادي للجريمة خلطت المحكمة بين مضمون الشهادة أمام النائب العام الاستئنافي وبين التقارير والمقابلات الصحافية حيث اعتبر المدعى عليه أن المبلغ المقبوض مرتفع جدا وأن هذا الأمر لم يحصل في تاريخ الجامعة. ففي الشهادة أمام القضاء لم يجزم المدعى عليه بقبض المدعي المبلغ المالي بل شهد وفقاً للسطر الأخير من الصفحة 3 " أنه شخصياً لم يصرح عن المبلغ الذي قبضه نتيجة زيادة الدرجات... " وأنه "علم بأن وزير التربية شكل لجنة لدراسة هذا الأمر ووافق على إعطاء المدعي درجة ونصف الدرجة"، كما قال "وإذا قمنا بالاحتساب يكون قد استفاد بمبلغ مالي كبير جدا على حساب المال العام وهذا أمر لم يحصل بتاريخ الجامعة " وفقاً لحرفية الشهادة الواردة في مضمون القرار الهيئة. فإن الأدلة المذكورة في الحكم حول تصريح المدعى عليه بالمبالغ المالية لم تكن أمام المحكمة ولا يمكن اعتبارها تضليلاً للقضاء أو جزءاً من جلسات المحاكمة.
وفي اعتبار المحكمة أن المقابلات الصحفية من شأنها أن تؤثر على القضاء اعترافاً صريحاً بضعف السلطة القضائية وابتعادها عن موضوعيتها وموجب التحفظ الملزمة به، وعلى السلطات القضائية إذن تأهيل قضاتها في حال عدم أهليتهم.
أتى قرار الهيئة الاتهامية خارج منطق التحديد القانوني للواقعة دون أن يركز على مضمون محضر مجلس الجامعة أو دور وزير التربية في تثبيت الدرجة والنصف التي تم إقرارها عوضاً عن الأربع درجات. وهذا التدقيق لا يعني البتة أن رئيس الجامعة قبض مبلغاً مالياً على حساب المال العام وهو أثبت ذلك بكشفه أمام النيابة العامة المالية عن حساباته المصرفية.

في دور وزارة التربية:
اعتبر الادعاء أن مسألة التقييم العلمي لا يدخل في صلاحيات الوزير بل ضمن الصلاحيات الاكاديمية للجامعة وفقاً لتقارير اللجان المختصة، وهذا يضمنه الاستقلال المالي والاداري للجامعة، وذلك في ص. 5 من مضمون الادعاء، وقد تبنته المحكمة في مضمون حكمها في نهاية ص. 9 وبداية الصفحة 10 دون أن تعلل قرارها في هذه الاشكالية.
سعى إذن الادعاء إلى رفض أقوال خليفة نافياً اي صلاحية للوزير في التقييم العلمي، دون أن ينفي حصول واقعة مراجعة مضمون القرار من قبل الوزير لناحية الاستفادة من التقييم العلمي مالياً.
علما أن وزير التربية وفقا لأنظمة الجامعة هو سلطة وصاية تدخل في صلاحياته الموافقة والرقابة وليس مجرد الإحالة إلا إذا كان الموضوع تقييماً علمياً بحتاً لا يتعلق بالمالية العامة وحسن سير العمل. فقد اعتبرت المادة 18 من قانون تنظيم الجامعة 75/67 "لا يصبح قرار مجلس الجامعة المتعلق بنظام الجامعة الداخلي ... نافذاً إلا بعد موافقة الوزير" والمادة 49 من الأنظمة المالية المرسوم 8620/1996 المعنون بـ "نظام محاسبة المواد"، "مع الاحتفاظ برقابة كل من سلطة الوصاية الإدارية والرقابية" فقد احتفظ القانون لسلطة الوصاية بهامش من الصلاحيات ما يبرر مناقشة هذه الاشكالية المطروحة في إدلاءات الطرفين من قبل المحكمة. وفي هذا السياق تبنت الهيئة الاتهامية مضمون الادعاء دون أن تناقش قانونيته أو تحسمه بناء على توسع في التحقيق علماً أن العديد من العمداء الذين حضروا الجلسة كانوا قد أكدوا الأمر. فكان الأولى بالمحكمة ان تتثبت من صحة تاريخي القرار وتوقيع الوزير، ومن خلال الاستماع إلى الحاضرين، وتقنع المواطن في تحقيقها وتعليلها بدلاً من أن يتحول القرار الاتهامي إلى سرد إنشائي بعيد عن مضمون القانون.
في هذا السياق تنقسم الإجراءات إلى مرحلتين: مرحلة صدور القرار عن مجلس الجامعة والتي يشوبها تساؤلات، ومرحلة صرف المال العام التي لم تتم ربما لكون القرار سلك مسلكاً إدارياً نزيهاً منذ الأساس أو لأن السلطة المعنية تراجعت عنه بعد أن أثيرت المسألة أمام الرأي العام وهنا بيت القصيد.
فإن صحت الأولى تثبت النية الجرمية للمدعى عليه بتشويه صورة هذا الصرح الأكاديمي، وإن صحت الثانية فيفترض حماية كل من يدلي بتساؤلات حول أداء مشبوه لمراكز القرار. وفي هذه المسألة شبهة محقة، نظراً لأن أحداً في المحاكمة لم ينكر أداء مجلس الجامعة في جلسته في 18 نيسان 2018 والذي تناولته وسائل الإعلام.
في ظروف مماثلة، تتناول المرافق العامة والمال العام، يصبح واجبا على المحكمة التعمق في التحقيق والسعي في عرضها للوقائع والأدلة والتعليل لإقناع المواطن، لأنها تحكم باسم الشعب اللبناني أولاً ولأن المؤسسة عامة والمال عام ثانياً. كان من المفترض على المحكمة أن تقنعنا بأركان الجريمة المرتكبة، في الوقائع المكونة للركن المادي وفي استنتاجها للركن المعنوي، كي تسوق المجرم إلى محكمة الجنايات. وفي ذلك، لم نسأل عن مضمون القرار وما إذا كان اتخذ وفقاً لأسس علمية ومن قبل لجنة مختصة وهذا أيضاً ما تغاضت عنه المحكمة كلياً.

في الركن المعنوي للجريمة
يشكل الركن المعنوي النية الجرمية لدى المتهم، ويجب على المحكمة أن تتثبته وهو يستنتج في غياب الدليل المباشر من التحقيقات التي يتوجب على المحكمة القيام بها. وينقسم الركن المعنوي إلى القصد العام في كل الجرائم أي "نية ارتكاب الجرم على ما عرفه القانون"، والقصد الخاص حيث يأتي النص الجزائي – الركن القانوني - على ذكره. وفي غياب النص عليه ينتفي دور المحكمة في الذهاب إلى استخراجه. إلا أن قرار الهيئة الاتهامية موضوع البحث ذهب إلى إثبات القصد الخاص دون القصد العام علماً أن الثاني لا يتحقق بعدم وجود الأول، كما وأن جرم الجزم بالباطل وشهادة الزور لا يفترض قصداً خاصاً.
ظهر واضحاً أن المحكمة تبحث عن قصد خاص يتمثل بالإساءة الشخصية للمدعي وهو قصد غير مشترط في جريمة شهادة الزور والجزم بالباطل، إنما تشمله جريمة القدح والذم. لم تعطِ المحكمة وصفاً حقيقياً للجريمة، ولم يدعِ به رئيس الجامعة لأن من شأن ذلك اعتبار الجرم جنحة ليس إلا وسيطرح بذلك عدم صلاحية المحكمة وإدخال القضية ضمن صلاحية محكمة المطبوعات لتعلقه بحرية التعبير أو ضمن صلاحية القاضي المنفرد الجزائي، الذي اتخذ توجها في بيروت بعدم تجريم الناشطين بالقدح والذم طالما أنهم يقصدون من تعبيرهم المصلحة العامة (مراجعة القرارات الصادرة عن عبير صفا القاضي المنفرد الجزائي في بيروت). انطلاقاً من هنا يصبح مشروعاً للمواطن أن يتساءل إن كان قصد المدعي والمحكمة تحويل المدعى عليه أمام محكمة الجنايات بارتكابه جناية، تأديباً له على طرح المساءلة، بدلاً من حماية سمعة الصرح الأكاديمي؟
هذا وقد أوضح قاضي التحقيق في بيروت، في قراره الصادر في 19/11/2019 عدم توفر أركان الجريمة بتعليل أكثر وضوحا لن نعيد عرضه، أتى القرار الاتهامي رافضاً تعليل قاضي التحقيق دون أن يقنعنا بعكسه. علماً أن الشاهد/المدعى عليه قدم أدلته أمام المحكمة ولم تسع المحكمة إلى البت في صحة هذه الأدلة لنقتنع بأن الشاهد يهدف إلى الإضرار بمصلحة هذا الصرح الاكاديمي.

في أداء الهيئة الاتهامية
يظهر من القرار بأن الهيئة الاتهامية تهدف فقط إلى فسخ قرار قاضي التحقيق ليس إلا بدلاً من أن تتصدى لأساس الموضوع وتبحث في مضمون الخلاف القائم لتحسم النزاع على أساس التوسع في التحقيق. فلم تقم بالاستماع إلى المدعى عليه بل أعتمدت على التحقيقات السابقة والتي أدت -أمام القاضي السابق- إلى حكم معاكس.
اعتبر قرار الهيئة الاتهامية " أن المدعي لا بد وأنه يعرف ذلك (أن قانون الجامعة لا يسمح بإعطاء المدعي أكثر من درجة ونصف الدرجة بدلاً من 4 درجات) ص. 10" رداً على ما ورد لدى قاضي التحقيق حول اعتباره ما قام به المدعى عليه "تفسير مضمون محضر مجلس الجامعة ص. 4....."، فبين قرينة المعرفة التي تبنتها الهيئة الاتهامية وبين تفسير مضمون المحضر الذي تبناه قاضي التحقيق، لا بد لنا من العودة إلى مضمون المحضر.
لدى اطلاعنا على المحضر الصادر عن مجلس الجامعة بتاريخ 18 نيسان 2018 نلاحظ أنه ورد في صفحته السادسة، أثناء نقاش أعضاء المجلس، التالي: قال ج. ع. "بعد احتساب سنوات الخبرة البحثية كسنوات خبرة تعليمية، سيحق عنهم درجة ونصف، ودرست اللجنة المشكلة بقرار من مجلس الجامعة الملف... " وأرفق عضو آخر في المجلس م. ح. :" في العادة سنة البحث تعادل سنة دراسية عادية، وبالتالي أعتقد أنه يحق للرئيس اربعة درجات". وأكمل المحضر بالمقطع الحاسم: " وافق مجلس الجامعة، بكافة أعضائه، على ملف الرئيس باعتبار سنوات بحث معادلة لسنوات خبرة تعليمية عملاً بالقرار 103/95..." هذا النص الأخير لم يحدد أي توجه اعتمد المجلس من التوجهين المذكورين ما يزيد الأمر التباساً وما يبرر موقف الدكتور خليفة بالشك دون أن يعني ذلك قصد المدعي باختلاس المال العام. مع التأكيد أن المدعى عليه قدم الأدلة التي أثارت شبهة لديه.
لم تفتح المحكمة تحقيقاً يتناسب مع حجم الجناية التي حكمت بها إنما اكتفت بمضمون الوقائع التي أثارها خليفة في حديثه. وقد قدم د. خليفة وفق ما أقرته المحكمة الأوراق التي تثبت حقه بالاعتقاد المشروع بوجود شبهة حولها. فإن كان الإدلاء بمعلومات تثير شبهة حول قضية متعلقة بالمال العام قد وصفتها المحكمة بالجزم بالباطل، كيف يمكن إذن تفعيل قانون حماية حماية كاشفي الفساد رقم 83/2018. بناء على توجه الهيئة الاتهامية، وبموجب قرارها، يتوجب على المواطن التحقق من صحة الوقائع، علماً أن ذلك يدخل في صلب عمل المحكمة وصلاحياتها وواجباتها لتبيان الحقيقة وتمييز الحق عن الباطل. أما اعتبار المساءلة جزماً بالباطل فمن شأنه أن يقيد المواطن ويخيفه من الملاحقة، إذ لو قام اللبنانيون بمراقبة آلية عمل الادارات العامة لما وصل البلد إلى الأزمة الراهنة حيث يواجه المواطنون صعوبة واستحالة لاسترداد المال المنهوب، في ظل سبات النيابات العامة، وغيابها عن تحريك الدعاوى عند إثارتها من قبل المجتمع المدني.

آفاق القرار
يطرح إذن هذا القرار مسألة الحوكمة أو الإدارة الرشيدة داخل مؤسسة التعليم العالي الرسمية وهي الآلية الحديثة لعملية اتخاذ القرار بمشاركة مختلف الأطراف المعنييين به وفقاً لمبادئ الشفافية والنزاهة والمحاسبة وتطبيقاً لحكم القانون. الإدارة الرشيدة في مختلف القطاعات أدخلت الأطراف المعنية في الرقابة والمساءلة والمحاسبة نظراً لعدم الفصل بين مصالح المتحكمين في سلطة القرار والمصلحة العامة المفروض حمايتها من المؤسسة بما يخدم التنمية المستدامة والعدالة. هذه المعايير قد اعتمدتها الأمم المتحدة والإعلانات العالمية للتعليم العالي والحريات الأكاديمية في ما يتعلق بمؤسسات التعليم العالي خاصة. انطلاقاً من هذه المعايير الحديثة، والتي تبنتها الحكومة اللبنانية، يكتسب الاستاذ المتقاعد صفة للمساءلة والرقابة كأحد أهم الأطراف المعنيين.
هذا الحق/الواجب بالمساءلة يشكل أحد أهم أركان الشفافية والمحاسبة وهي من المعايير الدولية الحديثة التي أدخلتها الأنظمة الحديثة لإشراك المواطن في الرقابة في غياب مؤسسات الرقابة الرسمية في دول العالم ومن ضمنها لبنان، والتي تسببت في أزمات الانهيارات المالية والفساد وإفلاسات الدول.
أما معيار الشفافية والنزاهة في آلية اتخاذ القرار فهو المسألة الأساسية التي يتناولها موضوع النزاع والذي لم تسع المحكمة لتأكيده أو نفيه، فتجاهلته مطلقاً. ما يدفعنا إلى السؤال حول دور القضاء في مواجهة التحولات الاجتماعية أمام غياب واضح لتطوير التشريع أو تفعيله.
وبالنسبة لمعيار تطبيق القانون الذي سهت عنه المحكمة، فهو ما كان المواطن ينتظرتأكيده أو نفيه من قرار المحكمة. لم تسع الهيئة الاتهامية للتأكد من حقيقة احترام القانون والتثبت من حقيقة الأداء الإداري لمجلس الجامعة وهو الأمر الذي أثار التساؤل بشأنه د. عصام خليفة والذي كان الدافع في الدعوى المقدمة من رئيس الجامعة. فقد نأت المحكمة بنفسها عن حقيقة النزاع القانوني وهي بذلك استنكفت عن إحقاق الحق.
حكم القانون ودور المؤسسات القضائية هما المعياران الأساسيان في تثبيت تحقيق العدالة والانتظام الاجتماعي. إن المعايير الأساسية التي يتطلبها حكم القانون، مع غياب أو تغييب أو ضمور القوانين الوضعية، يتطلب اعتماد المعايير الأخلاقية التي أصبحت معياراً حديثاً في التوجهات الدولية ومعايير اليونيسكو للتعليم العالي والحريات الاكاديمية، والتي تمثل قيماً عليا على المحكمة أن تستأنس بها إن لم تتحول إلى قوانين وضعية صلبة. فهي تدخل ضمن ما يسمى القوانين اللينة التي أصبحت تمثل مصدرا جديدا من مصادر القاعدة.
كان الأجدى بالهيئة الاتهامية أن تفرد وقتاً وجهداً طالما أن القضية مرتبطة بمؤسسة عامة ذات أهمية اجتماعية. في وقت تشخص أنظار المواطنين إلى دور القضاء في مواجهته للأزمة التي يمر بها البلد المتمثلة بالفساد والانهيار في المالية العامة من ناحية، ما زلنا بانتظار انهاء هذا النزاع الذي شغل المواطنين عامة وأبناء الجامعة اللبنانية، لمعرفة حقيقة ما يدور بين المتنازعين والاقتناع بالحق الذي ستقره المحكمة. فأتى الحكم أكثر غموضاً من أساس النزاع وما زال الصراع مستمرا، في وقت ما زال التراشق الاعلامي سيد الموقف للدفاع عن النفس.
ليس صحيحا أن المواطن لن يقتنع بحكم المحكمة عندما يكون عمل المحكمة مقنعا، فعلى القضاء أولاً وآخراً أن يثبت مكانته ونزاهته ودوره كضامن للاستقرار والانتظام والعدالة والحقوق، من خلال تعليل وافر وأدلة دامغة تعيد ثقة المواطن بالمؤسسة القضائية، كي يركن إليها وتستقيم أمور الدولة.
مرة جديدة أخفق القضاء في مرحلة حساسة من مراحل البلد، ولكن إخفاقه الآن أكثر خطورة من إخفاقاته السابقة. ففي هذا الوقت من الانهيار المؤسساتي يترقب المواطن بصيص أمل يستعيد من خلاله ثقته بالمؤسسات بعد أن نادى لمدة ثلاثة اشهر بسلطة قضائية عادلة ومستقلة.
إخفاق المحكمة/الهيئة الاتهامية جاء استهزاءً برأي اللبنانيين وذكائهم، أسوة بأداء الساسيين في هذه "الدولة".

 

النهار-5-2-2020.

يمثُل الزميل موسى عاصي غداً أمام القاضي المنفرد الجزائي في بيروت غرفة الرئيسة ﻻرا عبد الصمد في شكويين مقدمتين ضدّه من المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى ومن السيدة رندة برّي بـ"جرم القدح والذم".

وكان الزميل عاصي، علّق قبل عام تقريباً على صفحته عن "الفساد في المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى" بسبب إقدام هذا الأخير على بيع مسجد في بلدته أنصار، كما أتى في تعليق آخر على ذكر السيدة رنده بري، من باب انتقاده الفساد.

وعلق حينها عاصي على منشور للمفتي أحمد قبلان عندما أعطى رأيه بـ #الزواج_المدني، ليرد عاصي: "كان ناقص المفتي يعطي رأيو بالتوريث السياسي والإفتائي"، ليكمل قائلاً: "ذكرني هل الشي متل لما بتحكي رندة بري عن الفساد"، ما اعتبرته قدحاً وذماً بحقها.

ورأى عاصي أنّ "القضية تمسّ مباشرة بحرية التعبير عن الرأي، فمن حق الصحافي الطبيعي إعطاء رأيه وانتقاد أي شخصية عامة تُعنى بالشأن السياسي".

وسأل: "هل بتنا في دولة بوليسية تلاحق منتقديها الذين أوصلوا البلاد إلى ما هي عليه اليوم؟"، مشدداً على أن "المسألة تتعلق فقط بحرية التعبير، فالطبقة السياسية تريد فرض القوانين والآراء على الناس من دون أي اعتراض، وفي حال كشف أحدهم فسادهم يقدمون بحقه دعاوى قضائية."

ورأت "نقابة الصحافة البديلة" في المحاكمة "محاولة لإسكات الزميل عاصي، ومن خلفه جميع الصحافيين/ات كاشفي الفساد ومنتقديه"، معتبرة أن "هذه الممارسات تنتهك حريّات الصحافة والتعبير، والأخطر أنها تستقر كآليّة تنتهجها السلطة لإسكات النقد وترهيب الناس، فيما تستمرّ الأوليغارشية باستغلال السلطة والثروات واستعمال قوّتها لإذلال الناس، بلا محاسبة أو حتى رقابة".

ورفضت "استدعاء الصحافيين/ات إلى التحقيق بسبب إبداء الرأي ، والمحاكمة أمام محاكم غير مختصّة، واستدعاء المواطنين/ات والمقيمين/ات في لبنان للتحقيق بسبب كتاباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي".

ودعت النقابة لوقفة تضامنيّة مع الزميل عاصي، "ضدّ تمادي السلطة الفاسدة بالتضييق على الحريّات"، الأربعاء التاسعة صباحاً أمام قصر عدل بيروت.

من جهتها، أعلنت نقابة محررّي الصحافة اللبنانية انها تبلغت من عاصي إحالته أمام القضاء الجزائي اللبناني في دعوى قدح وذم لنشره رأيا عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

وأكدت، في بيان، "مواقفها السابقة لجهة إحالة مخالفات الرأي على محكمة المطبوعات"، رافضة أي "استدعاء للصحافيين ومحاكمتهم خارج هذه المحكمة المختصة في هذا المجال".

النهار-6-1-2020 

التضامن مع عصام خليفة رفضاً لمحاكمته لم يقتصر على بيانات شاجبة ومستنكرة عمّت لبنان، بل انتقل الى تحركات على الأرض من أجل حماية الحريات وصونها ومن أجل استقلالية القضاء بعدما قررت الهيئة الاتهامية في بيروت قبول الاستئناف المقدم من رئيس الجامعة الدكتور فؤاد أيوب وتجريم خليفة وسوقه للمحاكمة في قرار ملتبس خصوصاً بعد أن منع قاضي التحقيق أسعد بيرم المحاكمة عنه في وقت سابق.

تحرك عدد من الناشطين ومجموعات شبابية وأساتذة في الجامعة اللبنانية والجامعات الخاصة ومواطنون واعلاميون وشخصيات على الأرض، ونفذوا اعتصاماً أمس أمام قصر العدل في بيروت، رفضاً للقرار بمحاكمة عصام خليفة، وانتقلوا بعدها إلى مبنى الإدارة المركزية للجامعة اللبنانية في المتحف مطالبين بإبعاد ملف الجامعة عن التسييس. وهو أمر لم تجد رئاسة الجامعة غير الهجوم على المدافعين عن خليفة وسؤالهم في بيانها أين كانوا عند "تشويه صورة البروفسور أيوب العلمية والأكاديمية والشخصية". والمؤسف أنها اتهمت المطالبين بحماية الحريات بالكذب "لأن الادعاءات هدفها ضرب صدقية الجامعة ورئيسها، في الوقت الذي نجح فيه رئيس الجامعة في معالجة العجز المالي السابق للجامعة ووقف الهدر ومكافحة الفساد ووضع الأسس السليمة للعمل المؤسساتي"، علماً أن الجامعة اليوم تمر بأسوأ مراحلها من تراجع أكاديمي وهيمنة سياسية وطائفية وتتحكم بها المصالح والحسابات الضيقة.

وبينما أحالت الهيئة الاتهامية في بيروت، ملف خليفة على النيابة العامة الاستئنافية في بيروت، تمهيداً لإحالته على محكمة الجنايات، وتحديد موعد للاستجواب التمهيدي وبدء محاكمته بجناية "تقديم شهادة زور أمام القضاء"، في الدعوى المقامة ضده من أيوب، أعلن خليفة أن وكيله القانوني سيميز قرار الهيئة الاتهامية، ويطلب إبطاله وتصديق القرار الظني الذي أصدره قاضي التحقيق في بيروت أسعد بيرم، ومنع عنه المحاكمة في هذا الجرم.

ويكفي في هذا الصدد بيانات التضامن والدعم لعصام خليفة، للتأكيد على الضغط لمنع محاكمته، فمجموعات تكتل أساتذة الجامعة اللبنانية، ومن أجل جامعة وطنية مستقلة ومنتجة، والأساتذة المستقلين، ومهنيات ومهنيين، والتيار النقابي المستقل، وتكتل طلاب الجامعة اللبنانية، وتجمع نقابة الصحافة البديلة، والمرصد اللبناني لحقوق العمال، أصدروا بياناً أعلنوا فيه وقوفهم إلى جانب الحريات النقابية والأكاديمية وحرية التعبير، ومطالِبين بحيادية القضاء واستقلاله". وفي البيان، "ليس مستغرباً أن يسعى رئيس الجامعة فؤاد أيوب إلى العمل على تجريم عصام خليفة. فمن سعى لتنزيه وتحصين نفسه والجامعة من أي نقد عبر الطلب من القضاء حذف المقالات التي تناولته وتناولت الجامعة وعبر منع النشر للمستقبل، ومن ألغى مجلس الجامعة وحصر القرارات بنفسه، لن يتوانى عن إسكات أي صوت يؤدي دور المراقبة ويطالب بالمحاسبة. وليس مستغرباً أن يصدر هكذا قرار عن قضاة غير شفافين وغير عادلين، يضربون قضاء تتم اليوم المطالبة باستقلاليته، وليس مستغرباً أن الهيئة القضائية التي أصدرت هكذا قرار تضم قاضياً متعاقداً مع الجامعة اللبنانية ما ينفي حيادية هذه المحكمة. وما هو مستغرب هو صمت الأساتذة وأداتهم النقابية، أي رابطة الأساتذة المتفرغين، بإزاء هكذا مهزلة بحق نقابي كرّس حياته في الدفاع عن الجامعة".
...
وبينما لم تلتئم هيئة رابطة متفرغي الجامعة دفاعاً عن الحريات وخليفة، نأى رئيسها الدكتور يوسف ضاهر بنفسه، وأصدر بياناً باسمه، قال فيه، "لا أستطيع كاستاذ في الجامعة اللبنانية وكنقابي ألا أعبر عن غضبي وثورتي على الإجحاف ومحاولات النيل من كرامة ومقام الدكتور عصام خليفة، الذي كان موجوداً ولا يزال في كل ساحات النضال والفكر وفي صلب هذه الثورة. وكل حلمه أن يرى بزوغ فجر الدولة اللبنانية المدنية العلمانية. وبغض النظر عن طبيعة المسألة القانونية التي يتعرض من خلالها عصام خليفة لاضطهاد غير مقبول بحق أستاذ جامعي، أنا متأكد، ومن خلال معرفتي به، من نواياه السليمة فيما قاله وما صرح به. هو الذي كان ولا يزال حريصا على الجامعة الوطنية وكل التعليم في لبنان".

وتضامن مع خليفة أساتذة من الجامعة الأميركية في بيروت وأدانوا في بيانهم "القرار الصادر عن الهيئة الاتهامية، والذي يؤكد ارتهان السلطة السياسية للقرار القضائي (وكذلك ارتهان الجامعة اللبنانية للانتقام الفردي). ونعتبر ان هذا القرار يشكل التفافاً على مبادئ ثورة 17 تشرين الأول".

وأثار القرار القضائي أيضاً سلسلة ردود فعل أعتبرت ان الجامعة اللبنانية تخضع لقوة سياسية تسيّر امورها وأعربت عن رفضها للقضاء الاسستنسابي. فقد لفت النائب شامل روكز في تغريدة الى أن "الثقل الأكاديمي للجامعة بحاجة لأشخاص من وزن عصام خليفة الذي يعتبر ركناً من أركان هذه الجامعة، اكاديمياً ملتزماً، باحثاً متميزاً، وطنياً متشبثاً بأصالته اللبنانية وهويته وإنتمائه، ومرجعاً بالعداء لإسرائيل". وغرد النائب زياد الحواط، فقال: "عصام خليفة دكتور وأستاذ عرف بنزاهته وعزيمته ونضاله. من المعيب اتخاذ قرار مجحف كهذا في حق هذه القامة الوطنية".

وعقد "لقاء سيدة الجبل"، بالشركة مع حزبي الكتائب والوطنيين الاحرار، اجتماعا استثنائيا، في مقره في الأشرفية. وندد المجتمعون في بيان بـ"مذكرة "القبض" على خليفة، الذي كان همه ولا يزال، إنقاذ الجامعة اللبنانية من الأجندات المذهبية والسياسية التي تهدد بانهيارها". واعتبر البيان ان "القرار المستنكر يندرج في إطار سياسة كم الأفواه وتعطيل حرية الرأي، ارضاء لمن يحتمي بسلطة الفساد والميليشيات". ورأوا أن "قضية عصام خليفة كشفت خضوع الجامعة اللبنانية لقوة فوق سياسية تسير أمورها".

واستنكرت مصلحة الأساتذة الجامعيين في حزب القوات اللبنانية "أسلوب التعاطي الذي يمس أحد أعمدة الجامعة اللبنانية لا بل أحد أساتذتها وأعلامها البروفسور عصام خليفة".

وعقدت الهيئة الإدارية لرابطة الأساتذة المتقاعدين في الجامعة اللبنانية إجتماعا استثنائيا، ورأت في بيان، ان "إحالة الدكتور النقابي عصام خليفة مخفورا هو خفر حقيقي ومعيب للجامعة اللبنانية المؤسسة الوطنية، أكثر مما هو خفر لإستاذ جامعي معروف من كبار الاساتذة والكتاب والمفكرين والمستشارين الذين ساهموا ويساهمون في اعادة بناء الجامعة وتصويب مسارها. واستنكرت "هذا الامعان والاصرار من رئاسة الجامعة اللبنانية باللجوء الدائم الى القضاء لحسم أمور على علاقة بحرية الرأي والتعبير. وهو لا يسيء الى رئيس الجامعة فحسب وانما يهشم ويقوض الأعمدة الأساسية النضالية التي قامت عليها نضالات هذه الجامعة الوطنية أيضا".

وقال رئيس المجلس الثقافي في بلاد جبيل نوفل نوفل عن القرار القضائي في حق خليفة: "عصام خليفة مخفور. لا، هذا لن يكون، فلعصام خليفة آلاف من الخفر سيرافقونه الى الدوائر القضائية ويهتفون للبنان وللجامعة اللبنانية ولحق الناس في العلم والاطلاع.

وأعلن "النادي الثقافي العربي" في بيان، عن تضامنه مع خليفة، مقدرا عاليا "نضاله النقابي على امتداد نصف قرن من الزمن"، مستغربا "إصدار مذكرة بإلقاء القبض عليه كأنه مجرم أو مرتكب".

أما الحركة الثقافية- انطلياس فأصدرت بياناً بعد اجتماع طارئ، رأت فيه أن تجريم عصام خليفة ينطوي على تهـديـد مباشر لحريـة الرأي والتعبيـر، وللقيـم الديموقراطية كافة. وأن المجتمعين سيقومون بالمراجعات اللازمـة أمام مجلس القضاء الأعلى، والنيابة العامة التمييزية، ونادي قضاة لبـنان، لاتخاذ ما يلزم من إجراءات تكفل تصحيح مسار العدالـة ووضع حـدّ لسوء إستعمال السلطة.

النهار-2-12-2019


مع صدور القرارين الظنيين لقاضي التحقيق في بيروت أسعد بيرم اللذين فصلا بالدعوى المقدمة من الدكتور فؤاد أيوب ضد الدكتور عصام خليفة بجرم القدح والذم، ومنع بموجبهما المحاكمة عن الدكتور عصام خليفة، يكون بذلك قد أسقط كل الخلفيات التي استند اليها أيوب في اتهاماته لأساتذة آخرين رفع عليهم دعاوى وللاعلام بعدما تقدم إلى القضاء بطلب إزالة كل المقالات التي تتعلق بالجامعة اللبنانية وبشخصه كرئيس لها منذ توليه مهماته في عام 2016.

القرار الأول للقاضي بيرم صدر بتاريخ 13 حزيران 2019، والثاني بتاريخ 19 الجاري، حيث اعتبر الدكتور عصام خليفة أن ما نسبه إليه رئيس الجامعة اللبنانية الدكتور فؤاد أيوب غير صحيح أو قانوني ما يعطي خليفة الحق بملاحقة أيوب بجرم الافتراء. وقال خليفة في تعليق على القرارين أن في بلدنا، "لا يزال هناك قضاة شجعان وسأدّعي بجرم الافتراء".

وبما أن القاضي بيرم حسم قراره ومنع المحاكمة عن خليفة، فإن الدعاوى الأخرى والبالغة 6 ضد خليفة نفسه، اهتز بنيانها، وكذلك الدعاوى ضد الاعلاميين والاعلام، والتي كان قال عنها أيوب في وقت سابق "انها ليست دعاوى إلى القضاء، إنما طلب من الاعلام حذف الأمور المسيئة للجامعة بعدما ثبت للجميع عدم صحة المعلومات التي نشرها الإعلام" وفق قوله، وبالتالي بات عليه أن يخضع للقرار القضائي والكف عن اتهام الاعلام والأساتذة في الجامعة بالقدح والذم في كل بيان أو قضية تخص الجامعة اللبنانية. ولأن كل الحجج والمبررات التي يسوقها في مهاجمة الاعلام والرأي واستهدافه قد سقطت، وبات طلبه إزالة كل ما يتعلق بالجامعة من أرشيف الصحافة والمواقع الإخبارية والقنوات التلفزيونية غير مشروع، ويأتي ضمن سياق الممارسات وسياسة كمّ الأفواه التي تطال حرية الرأي والإعلام.

وكان علّق خليفة على قراري القاضي بيرم بالقول، "اشكر الرئيس بيرم على قراريه، لأنهما يؤكدان أن القضاء اللبناني لا يزال يضم قضاة نزيهين، شجعاناً، يعطون الحق لصاحبه، ولا يؤثر على قراراتهم سوى ضميرهم
وأوضح قائلاً: "ما حصل هو أنه وفق محضر مجلس الجامعة في جلسة 18/4/2018 قلت أن الدكتور أيوب حائز على أربع درجات، لكن يبدو أن وزير التربية خفض الدرجات إلى درجة ونصف الدرجة بعدها. بالتالي، تقدم الدكتور أيوب بشكوى بحقي لأنني قلت أنه حائز 4 درجات. وكل هذه الوقائع عرضت على القاضي بيرم.

هل سيلاحق الدكتور خليفة، ايوب بجرم الافتراء؟ أكد أن "في هذه الدعوى كان هناك افتراء علي. وطبعا سأدعي عليه وفق هذا الجرم"، لافتا إلى أن "توقيت الدعوى يعود إلى التشاور مع المحامي". أضاف أن "الشكوى المقدمة ضدي كانت بموجب قانون العقوبات المادة 408، أي أنني شاهد زور، وحكمها فيه حبس في حين أنني لم أقم بأي شيء من هذا القبيل".

وأشار إلى أنه "لا تزال هناك ست دعاوى قدمها الدكتور أيوب ضدي، كذلك دعوى مقدمة من عماد الحسيني"، متمنياً في هذا السياق أن "يأخذ القانون مجراه، وأن يبت القضاء في هذه الدعاوى على ضوء الحق والعدل". ورأى أن "أهمية انتفاضة الشعب تكمن في كونها ضد الفساد ومع القضاء العادل".

منع المحاكمة عن الدكتور خليفة، لا بد أن يفتح أيضاً ملف الجامعة اللبنانية والمخالفات التي ترتكب بحقها. ولعل أخيراً قرار الغاء مجلس الجامعة الذي اتخذه أيوب، على رغم انتخابات ممثلي أساتذة الكليات، ما يؤدي الى التحكم والاستفراد بقرارات الجامعة.

 

النهار-28-10-2019

منال شعيا 

ليس على الشعب او المتظاهرين ان يجدوا الحلول. الشعب قال كلمته وسحب وكالته من النواب ونزع الثقة من الوزراء، وعلى السلطة ومن يتحمل المسؤولية ان يلاقي هذا "الزلزال" الشعبي.

لقد تأخرت السلطة، وبعض الحلول العلاجية البسيطة لم تعد تنفع، بعد دخول الثورة اسبوعها الثاني. بعض "الترقيع" ربما كان ينفع في الايام الاولى، اما اليوم فالشعب، او على الاقل نصفه، صار في مكان آخر، بعيد جدا عن اجراءات السلطة التخفيفية، او التي تحاول اتخاذها كالمراهم التي لا تشفي.

هكذا، تأتي المحاولات. اولاً بإعداد ما سُمّي "الورقة الاصلاحية"، ولاحقاً بما اشيع عن تعديل وزاري خجول، وصولاً الى التركيز على بعض الخطوات القانونية كالمطالبة، الآن، بتشريعات جديدة لقوانين هي اصلاً موجودة في أدراج مجلس النواب منذ اعوام واعوام. والمفارقة ان ترسو هذه المحاولات اخيرا على خطوة رفع السرية المصرفية.

اليوم، سنتوقف عند هذه الخطوة، اذ سيُقدِم وزراء تكتل "لبنان القوي" ونوابه، على رفع السرية المصرفية عن اموالهم. ودورياً، بات كل وزير ونائب في التكتل يعلن هذه الخطوة، عبر حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي. وكأن في الامر انجازا.

مواضيع ذات صلة
"اتهامات" للحريري بـ"التناغم" مع الحراك... من تحت الطاولة

الانتفاضة الشعبية في يومها الـ11 استمرت على اندفاعتها المتسعة سلسلة بشرية بعشرات الآلاف تعبيراً...

الإنتفاضة تفرض تغييراً في تركيبة السلطة... جمهور المقاومة أَلَا يعاني كسائر اللبنانيين؟
باختصار، انها خطوة تبقى شيكاً بلا رصيد.

ما الاسباب؟

اولاً، ليتذكرّ الجميع ان رئيس التكتل الوزير جبران باسيل نفسه، قام قبل نحو عامين، برفع السرية المصرفية عن حساباته، وتلاه بعض وزراء التكتل عبر التصريح عن اموالهم، اي ان هذه الخطوة ليست جديدة، بل لا تعدو كونها "خطوة اعلامية"، لا اكثر .

ثانياً، يقول التكتل في بيان انه بعد قرار رفع السرية المصرفية عن حسابات وزراء "التيار الوطني الحر" ونوابه ونائبتَي رئيس "التيار"، سيتم الإعلان عن إنجاز عدد من الخطوات القانونية والنيابية الاخرى اللازمة لرفع السرية المصرفية عن حساباتهم. الا ان هذه الخطوات تبقى بلا جدوى، الا اذا أُرفقت بخمس حالات حددها القانون.

ان قانون سرية المصارف الصادر عام 1956 وقانون مكافحة تبييض الأموال الصادر عام 2015، يلحظان هذه الحالات الخمس فقط والتي ترفع فيها السرية المصرفية حصراً، وبالتالي تتمكّن المصارف من إفشاء معلومات متعلقة بزبون ما. وهذه الحالات هي:

1 - عند تقديم اذن خطي من صاحب العلاقة موقّع لدى الكاتب العدل، يحدد فيه: هويّة الشخص الذي بامكانه أن يرفع السريّة المصرفيّة، وارقام الحسابات.

2 - في حالة الإفلاس.

3 - في الدعاوى المتعلقة بنزاع حول معاملة مصرفية بين المصرف والزبون.

4 - للنيابة العامة في دعاوى الإثراء غير المشروع.

5 - لهيئة التحقيق الخاصة في إطار مكافحة تبييض الأموال.

اذاً، ان تقييد رفع السرية المصرفية بهذه الحالات يجعل عملية تتبّع الاموال، ولا سيما منها الاموال غير المشروعة امرا مستحيلا، خصوصا في ظل "نشاط" تبييض الاموال الذي تكاثر في لبنان، في الآونة الاخيرة. وتالياً، لا يتم "اغراء" المتظاهرين بهذه الخطوات التي أتت متأخرة، ولا تفي بالغرض المطلوب.

ايضا وايضا. ان القاصي والداني يعلم ان الرؤوس الكبيرة تضع اموالها بأسماء اشخاص غيرها، فهل هم يضحكون على الشعب ام على انفسهم؟!

وفي السياق، بدا من اللحظة الاولى للانتفاضة، ان رد السلطة اتى من الجانب القانوني – التشريعي، لاسيما في كلمتي رئيسي الجمهورية والحكومة، وكأن المسؤولين "يحشرون" اللعبة بضرورة اصدار قوانين وتشريعات، في ربع الساعة الاخير، محاولين اغفال جانب مهم هو ان التشريعات اللبنانية ليست ناقصة، انما غير مطبقة. وليست المسألة في افتقار النظام اللبناني الى قوانين، وانما الى المحاسبة الفعلية لكبار الرؤوس.

من هنا، على السلطة ألا تحاول "اغراء" الثورة بالمطالبة بتشريع قانون استعادة الاموال المنهوبة، لان في هذا القانون بالذات، وفي متن مواده ومضمونه، لا مسّ بالرؤساء والوزراء، انما فقط ببعض الموظفين، ولان محاكمة الوزراء والرؤساء تتم في المجلس الاعلى لمحاكمة هؤلاء، وهذه الآلية تحتاج الى تعديل.

فلتبدأ المعركة من هنا، لا سيما ان تعديل عمل المجلس الاعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء يتطلب تعديلا للدستور الذي يحتاج الى ثلثي مجلس الوزراء وثلثي مجلس النواب، فقبل ان تروّجوا لقانون استعادة الاموال وغيرها، (علماً ان قانون استعادة الاموال موجود في مجلس النواب منذ 2017، ولم يحرّكه التكتل)، اذهبوا الى الخطوات العملية اولاً لانه لا تنقصنا قوانين غير مطبقة، فاللائحة حتى الان، وباعتراف رئيس مجلس النواب نبيه بري نفسه، هي 40 قانوناً اقرّها البرلمان لكنها غير منفذة حتى اليوم!

في الخلاصة، كل هذه الخطوات لن تفيد... إلا في ظل سلطة حيادية مستقلّة. فمَن سيدين نفسه؟!

الاخبار-20-8-2019

رضوان مرتضى


أطلق القضاء سراح غالبية السماسرة الذين أوقفهم فرع المعلومات في ملف «مكافحة الفساد القضائي» الذي أدى إلى الاشتباه في تورط عشرات القضاة والمحامين والمساعدين القضائيين في ملفات فساد. «السماسرة» زعموا أن القضاة والمساعدين والمحامين المشتبه فيهم قبضوا رشى وتلقوا «هدايا» من مطلوبين للقضاء بجرائم مختلفة. بعد أشهر على فتح التحقيق، لم يبق أحدٌ موقوفاً بسببه. قرر القضاء «تحرير» السماسرة بضمانة منع السفر لا غير!

لا يُريد كثيرون من قوى السلطة مكافحة الفساد، كيف الحال في أكثر الأماكن حساسية في الدولة، أي الجسم القضائي؟ القيّمون على ملف مكافحة الفساد القضائي يستشعرون سعياً خفياً لوأده. حرج السلطة السياسية والقضائية لا يزال مكتوماً في التعامل مع هذا الملف، إذ إنّ أحداً لم يجرؤ على أن يعترض علانية على طريقة التعامل مع القضاة المشتبه فيهم. وبعيداً عمّا يتردد عن إفراغ الملف أو فراغه، هل يكفي طرد القاضي من السلك أو الطلب منه تقديم استقالته إذا ثبت وقوع جرمٍ جزائي. أوليس التماس حامي العدالة لمنفعة مادية يُعدُّ جرماً جزائياً؟ لماذا لا يُسجن قاضٍ أسوةَ بالضباط والموظفين القضائيين؟ بل أكثر من ذلك، لماذا لا يقوى القانون إلا على القاضي الضعيف؟ تزدحم الأسئلة التي لا يبدو أن احداً سيجيب عنها قريباً، ليحضر صوت مرجعية سياسية تكشف لـ «الأخبار» أنّ «الملف انتهى وأنّه لن يكون أكثر ممّا كان»، مشيرة إلى أنّ «التوقيف سيقتصر على أولئك الذين أوقفوا، مرجّحة عودة أحد القضاة لاستئناف عمله». وتلفت هذه المرجعية إلى أنّ مسار الملف سيكون بطيئاً جداً ليُصبح طيّ النسيان رويداً رويداً. فقد خرَج معظم السماسرة القضائيين الذين أوقفوا في ملف فضيحة الفساد القضائي من السجن. لم يبقَ سوى ثلاثة موقوفين أساسيين من أصل أكثر من عشرة جرى توقيفهم على مراحل بجرم دفع رشى لقضاة ومحامين نقدية وعينية، ورغم أن سيف التوقيف لم يطل سوى السمسار المشتبه في أنه الراشي، من دون أن يقترب من القاضي المشتبه في كونه مرتشياً في أكثر من حالة (باستثناء القضاة الخمسة الأوائل). ليس هذا فحسب، بل تتكشّف الفضيحة عندما يتبين أنّ أحداً من السماسرة لم يعد موقوفاً بسبب ملف الفساد، بل إن الذين لا يزالون في السجن إنما يقضون عقوبات جرائم أخرى هم مطلوبون فيها. ترك القضاء «سماسرته» بضمانة منع السفر لا أكثر! أما الذريعة، بحسب المصادر القضائية، أنّ الملف يحتاج إلى وقت طويل لا يجوز أن يُترك فيه المشتبه فيهم موقوفين طوال هذه المدة. وبذلك، يكون القضاء والساسة قد قرروا أنّ لكل سلكٍ كبش فداء. في السلك القضائي، أسماء خمسة قضاة باتت معروفة متروكة لمصيرها إن لم تتدخّل مرجعياتها السياسية والطائفية لحمايتها. وفي سلك المحامين، محاميةٌ وحيدة رُفعت عنها الحصانة لتُدكّ في السجن منذ شهرين تقريباً، فيما العشرات من زملائها المشتبه فيهم أحرار طلقاء. وهؤلاء طبعاً يشتبه في تورطهم بما هو أكثر مما يُنسب إلى المحامية الموقوفة بناءً على إفادة أحد عناصر مكتب مكافحة المخدرات الموقوف أيضاً، والذي تحدث عن قبضه رشوة منها. وفي هذا السياق، يقول المحامي ساسين ساسين، وكيل المحامية الموقوفة م. ع. لـ«الأخبار»: «أوقف قاضي التحقيق موكّلتي بسبب وجود عسكري وضابط موقوفين»، وإذ استنكر وكيل المحامية الموقوفة أصل الجُرم المنسوب لموكّلته لجهة الادعاء أنّها دفعت مبلغاً من المال لرتيب ليخبرها عن ملف أحد موكّليها، قال ساسين: «لقد أخطأ القضاء بتوقيف الضابط والعسكري». واعتبر المحامي أنّ «القرار الصادر عن نقابة المحامين برفع الحصانة عن موكّلته في غير محلّه»، معتبراً أنّ الملف ليس فيه سوى فيديو يُظهر أنّ موكّلته «أعطت هدية عبارة عن جاكيت لصديقها الضابط في عيد ميلاده أمام عشرات الأشخاص... وهذا ثابت». واستغرب المحامي ساسين إصرار القاضي على إبقاء موكّلته موقوفة رغم انقضاء فترة الشهرين. وكشف أنّه تقدّم بطلب لإخلاء سبيلها مرّتين، لكنّه رُفض، مشيراً إلى وجود طلب إخلاء سبيل ثالث في عهدة القاضي لم يبتّ بعد.
تؤكد مرجعية سياسية أن «الملف انتهى وأنّه لن يكون أكثر ممّا كان»


إذاً، لُبُّ المشكلة أنّ لا عدالة في ملف مكافحة الفساد، بحسب قضاة ومحامين وسياسيين. لا نية حقيقة لمكافحة الفساد فعلاً. فالمحظي يُحمى، فيما الضعيف يُضرب ليكون عِبرة للضعفاء أمثاله. فرغم أنّ تحقيقات فرع المعلومات في ملف مكافحة الفساد القضائي كشفت عن تورّط عشرات القضاة في قبض رشى وهدايا من سماسرة ملاحقين بملفات نصب واحتيال، إلا أنّ الملف الذي انطلق انطلاقة صاروخية فُرمِل بضربة واحدة. اقتصرت المحاسبة على بضعة قضاة، قبل أن ينجح ضغط السياسة في لجم الاندفاعة. تراجعت الحملة لحساب هجومٍ مضاد شُنّ للتبخيس بالتحقيقات الجارية بإشراف فرع المعلومات في قوى الأمن، على الرغم من كونها أوّلية تجري بإشراف المدّعي العام التمييزي، فضلاً عن أنّها لم تقتصر على إفادات الموقوفين، بل دُعِّمت بتسجيلات صوتية وتحليل الاتصالات الذي رصد حصول عشرات الاتصالات بين القضاة المشتبه فيهم والسماسرة الموقوفين. غير أنّ نقطة الضعف فيها، بحسب المناهضين لها، كانت أنّ هدايا بسيطة كسُبحة أو صينية شوكولا فاخرة أو قلم أو دعوة على عشاء، هي الأدلة التي استند عليها محققو فرع المعلومات للنيل من القضاة. غير أنّ وجهة النظر المقابلة ترى أنّ العِبرة في هوية السمسار الراشي. فهل يُعقَل أن يقبل قاضٍ هدية من مطلوبٍ للقضاء، كائناً ما كانت هذه الهدية؟ فضلاً عن أن التحقيقات مع السماسرة الموقوفين كشفت وجود قضاة كانوا هم الذين يبادرون إلى الطلب من السمسار جلب الهدايا لهم! فهل يستوي قاض كهذا مع قاضٍ نزيه لا يقبل حتى دعوة عشاء؟
لقد كان يُفترض أن يسلك ملف محاسبة القضاة مسارين: تأديبي وجزائي. الأول يتولّاه كل من هيئة التفتيش القضائي ومجلس تأديب القضاة، فيما يأخذ النائب العام التمييزي على عاتقه مسؤولية محاسبة القضاة جزائياً. غير أنّ المحاسبة اقتصرت على كبش فداء اتُّفق عليه من سلكي القضاة والمحامين. حتى إنّ المعلومات تكشف أنّه حتى القضاة الذين صدرت قرارات بوقفهم عن العمل أو بطردهم، قد يعودون بعد إعادة المحاكمة في الاعتراض المقدم من القضاة أنفسهم. وبالتالي، يبقى الثابت أنّ انطلاقة ملف الفساد القضائي الصاروخية لم تُفلِح في ضمان استمراريته، قبل أن يُفرمَل على أعتاب القاضي المحسوب على التيار الوطني الحر، مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية بيتر جرمانوس.

الاخبار-15-7-2019

أمال خليل


في أول حكم من نوعه، أصدر القاضي المنفرد الجزائي في زحلة الرئيس محمد شرف، في التاسع من الجاري، حكماً ضد مؤسسة «الرؤية العالمية» بتهمة تلويث الليطاني في البقاع الأوسط. واستناداً إلى قانونَي المياه الرقم 63 ورفع التلوث الرقم 77 الصادر عام 2008. وانطلاقاً من «تأهيل الوسط المائي والنظام البيئي»، قرر شرف إلزام المدعى عليها «بإنشاء محطة تكرير مخصصة لتنقية مياه الصرف الصحي في كل مخيم من المخيمات التي أنشئت على أرضها حمامات ضمن نطاق قضاء زحلة خلال مهلة شهر تحت طائلة غرامة إكراهية بقيمة عشرة ملايين ليرة عن كل يوم تأخير». كما قرر «تسطير مذكرة إلى وزارة الطاقة والمياه لاتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة في ما خص التعدي على الأملاك النهرية لليطاني ونهر الغزيّل وروافدهما وإحالة الملف الى النيابة العامة الاستئنافية في البقاع لإجراء ما تراه مناسباً في ما خص التعدي على الأملاك النهرية من قبل مخيمات اللاجئين».
أول حكم من نوعه يثبت الاتهامات المنسوبة إلى الجمعيات الدولية


الحكم هو باكورة الشكاوى التي قدّمتها المصلحة الوطنية لنهر الليطاني ضد ثلاث جمعيات («الرؤية العالمية»، «التضامن الدولية» و«أنترسوس») بسبب «تمديد شبكات الصرف الصحي لمخيمات النازحين السوريين في قضاء زحلة باتجاه الليطاني أو تفريغ خزانات الحمامات في النهر وأحياناً تركها من دون تفريغ، فتفيض على المخيمات الملاصقة للنهر وروافده». وطلبت المصلحة «إقفال المنشآت وإزالة قساطلها الصحية الممددة الى النهر من دون أي مهلة، ومصادرة هذه الحمامات على الفور».
الحكم القضائي ثبت الاتهامات المنسوبة الى الجمعيات الدولية التي تستغل النازحين وتساهم في تلويث البيئة. كما ثبت مفهوم القضاء البيئي والجريمة المائية بعد أحكام سابقة صدرت عن شرف، تلزم عدداً من أصحاب المؤسسات الصناعية الملوثة رفع التلوث وتشجير الضفة التي تسببوا بتلويثها. ولفتت مصادر قضائية الى أنه كشف عن «الخلل في إدارة ملف النازحين من قبل وزارتَي الشؤون الاجتماعية والداخلية والبلديات. كما فضح تقصير وزارة الطاقة والمياه في حماية الأملاك النهرية التي خصصت منذ سنوات لإقامة مخيمات».
اللافت أن القرار غير قابل للاستئناف سنداً للمادة ٢١٣ من قانون أصول المحاكمات الجزائية. ولفت المدير العام للمصلحة سامي علوية الى أن الجمعيات المدّعى عليها «ليست وحدها المتهمة بتلويث الليطاني، بل أيضاً عدد من المتعهدين الذين كانت تكلّفهم بإفراغ خزانات الصرف الصحي. وأكّد أن المصلحة تحضّر للادعاء على هؤلاء.


«لقد حجب هذا الموقع بناء لأمر القضاء اللبناني/ وزارة الاتصالات»، هذا ما يظهر لدى زيارة موقع

«This Is Lebanon»، المعني بتوثيق حالات اعتداء على العاملات والعمال الأجانب في لبنان. أمر قضاء العجلة بـ«إغلاق الموقع فوراً»، جاء على خلفيّة استدعاء مقدّم من المحامي سيزار جبارة (ابن رئيس بلدية الجديدة - البوشريّة - السدّ في المتن)، بعد نشر الموقع خبراً بعنوان «الطائل سيزار جبارة رجل عنيف»، تضمّن شهادة عاملة فيليبنية غادرت منزله في آذار الماضي، إضافة إلى شهادتين لعاملتين أجنبيّتين عملتا سابقاً في منزله. العاملات ادّعين أنهنّ تعرّضن لـ«التعنيف من قبل العائلة وعدم دفع كامل مستحقّاتهنّ المادية».
الأمر بحجب الموقع الذي أنشأه عامل أجنبي وزوجته غادرا لبنان إلى كندا، تبلّغته قبل أيام مؤسسة «أوجيرو»، وأول من أمس كل من «ألفا» و«تاتش». الا أنه استمر بالظهور لدى بعض المستخدمين إلى حين انتقاله إلى نطاق جديد (من .org إلى .info). وصدر القرار في 18 الجاري، عن قاضي الأمور المستعجلة في المتن رالف كركبي، الذي أمر بـ«إغلاق موقع This Is Lebanon فوراً، وتكليف هيئة أوجيرو بوضع اسم الموقع «thisislebanon.org» تحت خانة «Blocked Websites»». القرار جاء بناء على استدعاء مقدّم من جباره بواسطة وكيله المحامي سمير أبي رعد (15 نيسان 2019) يطلب إغلاق الموقع «كونه تعرّض لشخصه وكرامته من خلال نشر أخبار ملفّقة ومغلوطة عن قيام المستدعي بالاعتداء بالضرب على (المستخدمة) الفليبينية لديه». واستند أيضاً إلى تقرير الخبير دافيد سلوم تاريخ 15/4/2019 المعيّن من المحكمة، تبيّن من خلاله وفق القرار الذي حصلت عليه «الأخبار»، «أن مؤسسي الموقع المدعو Dipendra Uprety وزوجته Priya يعيشان في كندا، والموقع مسجّل في شركة cloudeflare.com الأميركية»، وأن الموقع «لا يمت إلى لبنان بأي صلة لا سيما أن صاحبيه أجنبيان ولا يعيشان في لبنان، وكل ما ينشر فيه غير مسند إلى إثباتات، الأمر الذي يرجّح عدم صحة المنشورات».
«الأخبار» تواصلت مع القيّمين على صفحة الفايسبوك التابعة للموقع بشأن الحجب، فاعتبروا أنه «أمر معيب للغاية بالنسبة للدولة اللبنانية، إذ تبدو مرعوبة من أصوات عاملات المنازل الأجنبيات لديها وتريد خنق أصواتهنّ. هذا التصرّف يشجّعنا للاستمرار بما أنه دفع الدولة إلى التحرك لإسكاتنا بدلاً من الاستماع إلينا. ما نريد إيصاله هو أن نظام الكفالة مشكلة متجذّرة بالمجتمع من المشغّلين والأسر وصولاً إلى أعلى مستويات الحكومة». وفي ما يخصّ اتهام بعض متصفّحي الانترنت الموقع بأن تسميته «تزجّ اسم لبنان ككلّ في خانة العنصريّة» وبمحاولته «فضح العائلات الميسورة فقط بغية ابتزازها»، يردّ القيّمون بالقول «استمعنا للعديد من الآراء حيال الاسم مع مقيمين ومغتربين لبنانيين وعمال منازل أجانب، ونحن بصدد كتابة ردّ لنشره على صفحتنا خصوصاً أن الاتهامات تردنا عادة من المعتدين أنفسهم»، والهدف وفقهم «ليس تشويه سمعة لبنان بل إنهاء الانتهاكات وتبعات نظام الكفالة».

القرار يساهم في غياب أي محاسبة لأصحاب العمل المخالفين

المحامية في «المفكرة القانونيّة» غيدا فرنجية اعتبرت أن القرار «يندرج في إطار التوجّه إلى منع عاملات المنازل من الكشف عن الانتهاكات بحقهنّ خلال عملهنّ في لبنان وحتى بعد مغادرته»، بما يساهم في «غياب أي محاسبة لأصحاب العمل المخالفين». علماً أن القانون «لا يسمح بحجب مواقع إلكترونية بشكل دائم إلا في حال ارتباطها بجرائم خطيرة مثل الإرهاب».
تقنياً، لفت محمد نجم المدير التنفيذي لمنظمة «سمكس»، المتخصصة بالحقوق والحريات الرقمية، أن «حجب الموقع لا يستطيع حجب المعلومة». وأوضح أن «حجب المواقع هو تقنياً حجب عنوان «آي بي» (نطاق)، وهو أمر يمكن تخطّيه إذ انتقل الموقع من thisislebanon.org إلى thisislebanon.info، إذ له «موقع مرآة» (Mirror website)، كما هو الحال مع مئات المواقع المحجوبة في مصر وسواها والتي لا تزال شغالة». وعن استناد القرار القضائي إلى تسجيل الموقع في شركة أميركية، لفت الى أن «أغلب المواقع في لبنان موجودة على الشركة المذكورة أو سواها من شركات استضافة الويب (hosting provider) خارج لبنان، وهذه ليست تهمة بل نوع خدمة لا يؤثر في أي قضيّة». وعن طلب المحكمة حذف المقال عن صفحة «فايسبوك»، يشير نجم إلى أن «حجب أي رابط يتمّ في حال خرق قوانين موقع فايسبوك وفي هذه الحالة لا يمكن اعتبار المقال خرقاً لتلك القوانين»، أما في ما يخصّ حجب الصفحة الفايسبوكية مثلاً، «فإن إدارة الفايسبوك تنظر في ديناميكية الصفحة وهدفها وإذا كانت في هذه الحالة صفحة تفضح المعتدين فإن إدارة الموقع لن تأخذ بقرار المحكمة اللبنانية». اللجوء إلى الحجب الكامل للمواقع يبيّن، وفق نجم، «التعامل الفضفاض مع الحقوق الرقمية، لذا نطالب بشفافية أكبر وحماية المستخدمين وحرية التعبير»... والأهم «إجراء تحقيق شفاف في الاتهامات الموجّهة من قبل العاملات بدلاً من اتخاذ قرار قضائي بإسكات الموقع».

الاخبار-15-1-2019

إيلده الغصين


من دون قرار قضائي، وتحت مسمّى «أمر بالتحصيل»، تمعن السلطة السياسيّة وأجهزتها الأمنيّة في قمع الحق في التظاهر والاعتراض. «بدعة» جديدة اعتمدتها الأجهزة منذ 2015، وتستمرّ في «ترسيخ» تطبيقها بوجه المعترضين، وهذه المرة لمن تجرّأوا على التظاهر في عوكر أواخر عام 2017 احتجاجاً على القرار الأميركي بشأن الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل

بدل «نفقات معالجة» و«أصفاد أميريّة مفقودة» وسواها من «الأضرار»... تنوي قوى الأمن الداخلي تحصيل مبلغ مالي كبير يفوق الـ25 مليون ليرة لمصلحة الخزينة العامة من عشرة شبان شاركوا في تظاهرة 10 كانون الأول 2017 أمام السفارة الأميركية في عوكر، تنديداً بقرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل. التظاهرة التي تخلّلتها أعمال شغب، واستخدمت فيها قوى الأمن الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه لتفريق المتظاهرين لم تنتهِ مفاعيلها إلى اليوم. المبالغ المالية التي «قدّرتها» القوى الأمنية لنفسها، بلا قرار قضائي، تفوق قدرة «المكلّفين»، وبينهم طلاب جامعات كانت قد برّأت بعضهم المحكمة العسكرية من تهمة «أعمال الشغب» في التظاهرة المذكورة، ودفّعت بعضهم غرامات لا تفوق «قيمتها الثلاثمئة ألف ليرة» بحسب المحامية المكلّفة من قبلهم فداء عبد الفتاح.
وعمدت المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي بتاريخ 27 آب 2018، بتوقيع من المدير العام اللواء عماد عثمان، إلى إصدار أمر أول بتحصيل مبلغ مالي قيمته 14 مليوناً و94 ألف ليرة من عشرة مشاركين في تظاهرة عوكر، بينهم لبنانيون وفلسطينيون وسوري. حددت المديرية المبلغ بأنه بدل «تعطيل عناصر قوى أمن داخلي عن العمل بمسؤوليتكم عن أعمال الشغب الحاصلة أمام السفارة الأميركية في عوكر». علماً أن ستة من هؤلاء كانوا قد مثلوا أمام المحكمة العسكرية في التهمة عينها، أي «المشاركة في أعمال الشغب والاعتداء على عناصر قوى الأمن والأملاك العامة والخاصة»، وصدر حكم بتبرئتهم (في 15 كانون الأول 2017)، فيما دفع بعضهم غرامات مالية وأخلي سبيله، ما عدا قاصراً جرى تحويله إلى محكمة الأحداث. إلّا أن الأحكام الصادرة عن المحكمة العسكرية حينها، لم تمنع قوى الأمن الداخلي من إصدار أمر التحصيل الأول بعد ثمانية أشهر من قرار المحكمة. ثم عادت المديرية لتصدر أمراً ثانياً في 3 كانون الأول 2018، بتحصيل مبلغ قيمته 11 مليوناً و209 آلاف ليرة لبنانية بحق أربعة أشخاص من أصل العشرة الذين شملهم التحصيل الأول. ويمثّل أمر التحصيل الثاني «نفقات معالجة وبدل تعطيل عناصر قوى أمن داخلي عن العمل وتصليح آلية عسكرية وثمن أعتدة أميريّة متلَفة وأكلاف تصليحها مع ثمن ذخيرة مستهلكة وأصفاد أميريّة مفقودة بمسؤوليتكم عن اعتداء 10 كانون الأول 2017».
بحسب أحد المكلَّفين التحصيل الثاني، عمدت يوم أمس جهة قالت في اتصال معه إنها «ماليّة بعبدا وطالبتني بغرامة ماليّة قيمتها مليونان و803 آلاف ليرة». قدّر «المكلّف» أن المبلغ المذكور يساوي «ما يجب على أحدنا نحن الأربعة دفعه من الـ11 مليوناً»، وقد اشترطت الجهة المتصلة «أن نجمع كلّنا المبلغ كاملاً ونسدّده في مالية بعبدا، وإلّا فسنكون بدءاً من 12 شباط المقبل معرّضين للتوقيف ولزيادة 2 في المئة عن كل شهر تأخير».
المحامية عبد الفتاح توكّلت عن خمسة «مكلّفين» من أصل عشرة بأمر التحصيل الأول، وتقدّمت في تشرين الأول الماضي باعتراض أمام القاضي المالي في صيدا جورج سالم، ضمن المهلة المحدّدة، أي خلال شهرين من تاريخ التبليغ. وأكّدت لـ«الأخبار» أن آلية الاعتراض «غير مفهومة، وقد اجتهدنا بالاعتراض أمام القاضي المالي، لكون التحصيل يعود إلى الخزينة»، ولا سيّما أن الأمر صادر أيضاً عن وزارة الداخليّة، ويمكن الاعتراض أمام القاضي المنفرد الجزائي. وبحسب عبد الفتاح، إن الاعتراض حصل «أمام القاضي المالي في صيدا، لأن معظم المكلفين من هناك، علماً أن بينهم طلاب جامعات، وهذه الرسوم مجحفة بحقهم، وليس بمقدورهم جميعاً دفع رسوم التكليف مرة جديدة للاعتراض على أمر التحصيل الثاني».

مرجع قضائي: لا يمكن لقوى الأمن أن تحدّد من تلقاء نفسها التعويض بعيداً عن القضاء

أمر التحصيل الصادر عن قوى الأمن ذيّل بملحوظة لأصحاب العلاقة، مفادها أنه «يحق لكم الاعتراض أمام المحكمة العدلية الصالحة في محل إقامتكم خلال شهرين من تاريخ التبليغ، وإن الاعتراض لا يوقف التنفيذ إلا إذا قررت المحكمة ذلك جزئياً أو كلياً». وعليه، فإن القاضي المالي في صيدا جورج سالم، الذي قدّم أمامه الاعتراض على أمر التحصيل الأول ويفترض أنه بلّغ المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي به، مطالب باتخاذ قرار وقف التنفيذ. وكذلك قبول الاعتراض الذي تنوي عبد الفتاح تقديمه أمامه على أمر التحصيل الثاني ووقف تنفيذه. وبحسب مرجع قضائي، إن «القضاة المنفردين مطالبون بالتحلّي بالجرأة لاتخاذ القرارات بوقف تنفيذ أي أمر تحصيل مشابه، وكذلك على محكمة الاستئناف أن تحذو حذوهم لتبنّي وقف التنفيذ، إذا قررت الجهات التي تصدر الأمر بالتحصيل الاستئناف أمامها». ويرى المرجع نفسه «أن هذه المسألة بدعة جديدة لمنع التظاهر، إذ لا يمكن الجهة التي تعتبر نفسها متضرّرة وتطالب بالتعويض، أي قوى الأمن في هذه الحالة، أن تكون الحكم والحاكم وتحدّد من تلقاء نفسها قيمة التعويض من دون أن يفصل القضاء بينها وبين من تطالبهم باسترداد ما تعتبره حقّها».

الاخبار-11-1-2019

هديل فرفور

إعادة الحياة الى النقابات والعمل النقابي هي أبرز خلاصات الحكم القضائي الذي صدر في قضية مصروفي عمال «سبينيس» العالقة منذ ست سنوات. القرار ـــ السابقة الذي أدان الشركة وقضى بحبس مديرها التنفيذي وألزمهما بدفع تعويضات، ليس انتصاراً للحريات النقابية فحسب، بل يُشكّل مناسبةً لإعادة إنتاج حركات نقابية فعلية في لبنان، ولإعادة التوازن بين العمّال وأصحاب العمل بعدما اختلّ لمصلحة الأخيرين بفعل الأزمة الاقتصادية

في سابقة قضائية تجعل أصحاب العمل عرضة لملاحقة جزائية في حال منعهم العمال من ممارسة أي من حقوقهم الأساسية (ومن بينها الحرية النقابية)، أصدرت القاضية المنفردة الجزائية في بيروت رلى صفير، في 20 من الشهر الماضي، قراراً قضى بإدانة شركة «غراي ماكنزي رايتل» (المالكة لسلسلة «سبينيس») ومديرها التنفيذي البريطاني مايكل رايت، استناداً الى المادة 329 من قانون العقوبات التي تعاقب بالحبس من شهر إلى سنة كل فعل «من شأنه أن يعوّق اللبناني عن ممارسة حقوقه المدنية بالتهديد والشدّة أو بأي وسيلة أخرى من وسائل الإكراه المادي أو المعنوي»
وكان ثلاثة عمال مصروفين من الشركة، هم: ميلاد بركات، إيلي أبي حنا وسمير طوق، قد رفعوا قبل ست سنوات دعوى جزائية ضدّ الشركة ومديرها التنفيذي «لاشتراكهما في منعهم من ممارسة حريتهم النقابية»، وفق ما ورد في نص الدعوى. الثلاثة أسسوا عام 2012، مع عشرات العمال في مختلف فروع الشركة، نقابة للمطالبة بحقوق العمال، وخصوصاً حقهم في تطبيق مرسوم زيادة الأجور آنذاك (راجع ست سنوات على قضية عمال «سبينيس»: هل يُنصف القضاء العمل النقابي؟). وقد مارست الشركة يومها ضغوطاً كبيرة على العمال لوقف نشاطهم النقابي، وصرفت جميع القيادات النقابية من العمل.
قرار القاضية صفير نصّ على حبس رايت لمدة شهر «على أن يوقف تنفيذ العقوبة المقضي بها بحقه في حال تسديده نصف قيمة المبالغ المحكوم بها لمصلحة المدعين الشخصيين خلال مهلة شهرين (...)». كما غرّمت الشركة خمسة ملايين ليرة «على أن يوقف تنفيذ العقوبة المقضي بها بحقها في حال قيامها بتسديد نصف قيمة المبالغ المحكوم بها لمصلحة المدعين الشخصيين (...)». وألزم القرار كلاً من رايت والشركة بدفع 40 مليون ليرة على سبيل التعويض لكل من المدعين، «بالتكافل والتضامن في ما بينهما، وعلى أساس التساوي في الحصص».
المحامي نزار صاغية لفت إلى أنها المرة الأولى التي تُطبّق فيها المادة 329 في القضايا العمالية، مشيراً إلى أن لهذا الحكم أهمية فائقة. وفي مؤتمر صحافي لـ«المُفكرة القانونية» و«حركة مواطنون ومواطنات في دولة»، أمس، أوضح صاغية أنّ الدعوى «ليست دعوى عمالية عادية يطالب فيها أجير بتعويضات على خلفية الاعتداء على حقوقه، بل دعوى جزائية سعى الأجير من خلالها إلى تحريك الحق العام في مواجهة صاحب العمل، لأنّ الانتهاك الذي تعرّض له لا يشكل اعتداء عليه ينتهي بتعويضات وحسب، بل اعتداء على المجتمع برمته يجدر أن ينتهي بعقوبة جزائية».
وأشار صاغية إلى أن هذا الحكم يجعل مخالفات أصحاب العمل عرضة لملاحقة جزائية كلما مُنع العمال من ممارسة حق مدني أساسي (الحرية النقابية أحدها، لكنها ليست الوحيدة). كما أن له «أهمية مضاعفة في الزمن الحاضر: ففيما يزيد بفعل الأزمة الاقتصادية اللاتوازن الواقعي بين أصحاب العمل والعمال، يصبح من الملحّ أن يتدخل القانون والقضاء لإعادة بعض التوازن الى هذه العلاقات».
وزير العمل السابق شربل نحاس اعتبر أن الحكم يُشكّل مناسبة «لإعادة إنتاج حركات نقابية فعلية تكون طرفاً قوياً في ظل الأزمة الاقتصادية التي تطاول تداعياتها العمال وحقوقهم». وشدّد على ضرورة البناء على الحكم «لتقوية النقابات وتمكينها من لعب دور المفاوض عندما يتم توزيع خسائر الأزمة»، مُصوّباً على أداء ممثلي العمال من اتحادات ونقابات وتهميشهم أهمية أخذ المبادرة في ظل الظروف الراهنة.
صاغية أمل أن تأخذ محاكم المطبوعات الوقائع الجديدة في الاعتبار «ورد دعاوى القدح والذم التي قدمت ضد الذين دافعوا عن العمال والأجراء»، في إشارة الى دعاوى القدح والذم التي رفعها رايت ضد نحاس والزميل محمد زبيب اللذين صدرت في حقهما قرارات قضائية عن محكمة المطبوعات قضت بإدانتهما، ولا يزال البت النهائي فيها عالقاً أمام محكمة التمييز.

للمرة الأولى تُطبّق المادة 329 في القضايا العمالية بما يجعل مخالفات أصحاب العمل عرضة لملاحقة جزائية

العامل المصروف سمير طوق أهدى الحكم الى جميع العاملين والعاملات في لبنان، إذ إنه «سابقة على العمال البناء عليها لأن قبل الحكم ليس كما بعده».
المؤتمرون انتقدوا غياب وسائل الإعلام وتجاهلها تغطية قضية حقوقية بهذا الحجم، مُشيرين الى حجم الضغوط التي مارسها رايت منذ بدء الدعوى بفعل علاقاته ببعض المسؤولين السياسيين وبحجم الأموال التي دفعها «والتي من الأرجح أنها أكثر بكثير من تلك التي كان يمكن أن يصرفها لو طبّق مرسوم الأجور»، بحسب نحّاس. الوزير السابق سأل ما إذا كان الأمن العام سيُبقي على إقامة رايت في لبنان، رغم إدانته جزائياً، كما سأل عن دور وزارة العمل في هذه القضية وموقفها بعد القرار.
الجدير ذكره أن الشركة استأنفت الحكم، ما يعني أن «المواجهة لم تنته بعد» على حدّ تعبير صاغية. وفي معزل عن نتيجة الاستئناف، إلا أن المدعين يراهنون على قوة حكم القاضية صفير في فرض مناخ في القضاء يراعي الحريات النقابية ويحمي حقوق العمال.
تجدر الإشارة إلى أن ملكية «سبينيس» انتقلت منذ نحو سنة من شركة «أبراج كابيتال» إلى عدد من المستثمرين اللبنانيين، أبرزهم رجل الأعمال حسان عز الدين، بموجب صفقة بلغت قيمتها نحو 61 مليون دولار، وتضمّنت بقاء رايت مديراً تنفيذياً للمجموعة.

0
Shares
  1. الأكثر قراءة
التعليم عن بُعد حلّ أمثل يتناسب مع جَيب المواطن ومصلحة المؤسسات التعليمية  بين "الفريش" والمساعدات... لا زيادة لأقساط الجامعات!

التعليم عن بُعد حلّ أمثل يتناسب مع جَيب …

حزيران 21, 2021 12 مقالات وتحقيقات

من الذل الى الاذلال اليومي

من الذل الى الاذلال اليومي

حزيران 21, 2021 7 مقالات وتحقيقات

كلفة السكن أضعاف الرواتب.. المستأجرون والمُلاك في الفوضى والانهيار

كلفة السكن أضعاف الرواتب.. المستأجرون وا…

حزيران 21, 2021 6 مقالات وتحقيقات

قراءتان لاضراب الاتحاد العمالي العام

قراءتان لاضراب الاتحاد العمالي العام

حزيران 20, 2021 10 مقالات وتحقيقات

"رويترز": المصارف ابتلعت 250 مليون دولار من أموال اللاجئين

"رويترز": المصارف ابتلعت 250 م…

حزيران 18, 2021 21 أخبار

تقنين الضمان لموافقات الاستشفاء مخالفة قانونية تهز ما تبقّى من الأمن الصحي والاجتماعي

تقنين الضمان لموافقات الاستشفاء مخالفة ق…

حزيران 17, 2021 17 مقالات وتحقيقات

تُفجّر لغم الصرف التعسفي بموظفيها MAG

تُفجّر لغم الصرف التعسفي بموظفيها MAG

حزيران 11, 2021 420 مقالات وتحقيقات

الضمان في طرابلس وعكار: نقص موظفين واعتصام مياومين

الضمان في طرابلس وعكار: نقص موظفين واعتص…

حزيران 11, 2021 38 مقالات وتحقيقات

التأخير المتعمّد باستيراد البنزين ليصرخ اللبنانيون: سنشتريه بأي ثمن

التأخير المتعمّد باستيراد البنزين ليصرخ …

حزيران 11, 2021 38 مقالات وتحقيقات

المستشفيات تختار مرضاها... والمختبرات تفضّل الاقفال

المستشفيات تختار مرضاها... والمختبرات تف…

حزيران 11, 2021 34 مقالات وتحقيقات

منصّة «صيرفة» كأنّها لم تكن: المضاربة مس…

حزيران 10, 2021 35 مقالات وتحقيقات

البنزين بين 2008 و2021: كيف سرقتنا الوزارة والشركات

البنزين بين 2008 و2021: كيف سرقتنا الوزا…

حزيران 10, 2021 63 مقالات وتحقيقات

البنزين بين 2008 و2021: كيف سرقتنا الوزارة والشركات

البنزين بين 2008 و2021: كيف سرقتنا الوزا…

حزيران 10, 2021 61 مقالات وتحقيقات

طوابير الذل «بروفا» صناديق الاقتراع

طوابير الذل «بروفا» صناديق الاقتراع

حزيران 09, 2021 29 مقالات وتحقيقات

"سخرية القدر" تجمع "الكابيتال كونترول" مع الموافقة الإستثنائية على سلفة الكهرباء وتطرح أسئلة عن الهدف من تقييد الودائع "غيض" الدولار للمودعين... و"فيضه" لإطالة عمر الأزمة

"سخرية القدر" تجمع "الكاب…

حزيران 09, 2021 30 مقالات وتحقيقات

تفاصيل وخفايا تعميم مصرف لبنان بسحب "400$ و400 لولار"

تفاصيل وخفايا تعميم مصرف لبنان بسحب …

حزيران 09, 2021 31 مقالات وتحقيقات

إعداد العدة لمواجهة الإنهيار الشامل بدأ  "سراج الكاز والشموع" بدائل الناس في زمن العتمة

إعداد العدة لمواجهة الإنهيار الشامل بدأ …

حزيران 08, 2021 28 مقالات وتحقيقات

المصارف تعهّدت الدفع: 400 دولار و5 ملايين ليرة شهرياً

المصارف تعهّدت الدفع: 400 دولار و5 ملايي…

حزيران 08, 2021 36 مقالات وتحقيقات

4 أيام قبل العتمة.... المولدات تبدأ التقنين والانترنت في خطر

4 أيام قبل العتمة.... المولدات تبدأ التق…

حزيران 07, 2021 29 مقالات وتحقيقات

قناة «تهريب» مليارات النافذين «الحسابات الائتمانيّة» تنخفض بأكثر من 4 مليارات دولار: قناة «تهريب» مليارات النافذين إلى الخارج

قناة «تهريب» مليارات النافذين «الحسابات …

حزيران 07, 2021 29 مقالات وتحقيقات

الإنذارات القديمة التي جرى تفاديها بحلول ترقيعية في السابق أصبحت اليوم أكثر جدية "الطاقة" تزرع فشل الخطط والمواطنون يحصدون العتمة الكالحة

الإنذارات القديمة التي جرى تفاديها بحلول…

حزيران 07, 2021 32 مقالات وتحقيقات