المرصد

أسعد سمور- أعادت أحداث الطيونة إلى الأذهان مشاهد الحرب الأهلية التي اندلعت بين ميليشيات الطوائف، التي انتهت بفرز طائفي ومذهبي وتدمير مدينة بيروت ونهب ثرواتها وتكبيد الاقتصاد خسائر هائلة، ووصل عدد الضحايا إلى 150 ألف قتيل، و300 ألف معوق وجريح، وأكثر من 17 ألف مفقود. والتي انتهت أيضا بتسلم قادة الميليشيات الحكم وقيادة لبنان إلى الانهيار المالي عام 2019 وحروب أهلية صغيرة مستمرة منذ انسحاب القوات السورية من لبنان.

هذه الحرب كانت نتيجة مجموعة من العوامل الاقتصادية والتدخلات الاقليمية والدولية ولسرديات حكم الميليشيات الطائفية، وأفضت إلى خراب مستدام وتهجير متواصل للبنانيين. وإلى اغتيال الدولة، وتعزيز منطق الثأر مقابل منطق العدالة، والمحاصصة مقابلة الديمقراطية، والطائفية مقابل الحرية.

السردية الشيعية v/s السردية المسيحية

السردية الأولى هي سردية استهداف الطائفة الشيعية، في هذه السردية المطلوب هو رأس المقاومة أي قيادة حزب الله وحركة أمل وهي سردية مناسبة للحزب باعتباره ممثلا أوحدا للمقاومة المرتبطة بـ"محور المقاومة" الذي تقوده إيران الإسلامية، والشيعية تحديدا، حتى لو أتى  بيان الحزب الشيوعي اللبناني الذي قاد "جبهة المقاومة الوطنية-جمول" متناقضا مع خطاب الثنائي.  

السردية الشيعية قائمة بالأساس على المظلومية الممتدة من 1400 سنة والتي عززت نفسها في أواخر سبعينيات القرن الماضي باعتبار أن الشيعة مبعدين عن إدارات الدولة ومضطهدين وفقراء، لكن الحال تغير بعد اتفاق الطائف ومع عصر الانترنيت والمعلومة السريعة تبين أن الاضطهاد والفقر والابعاد لا يخص طائفة معينة، بل يطال الجميع. عام 2005 بدأت نظرية المؤامرة تشكل حجر الأساس في السردية الشيعية، وبات كل فعل أو تحرك يقوم به الثنائي هو في مواجهة المؤامرة التي يثبت الثنائي قدرته على الانتصار عليها في كل المراحل.

للمسيحية الطائفية أيضا سرديتها القائمة على استهداف الطائفة، فهي الخائفة على الهوية اللبنانية من التغول الاسلامي وإخراج المسيحيين من "ثقافتهم" ونمط حياتهم وتحويلهم إلى أهل ذمة. وحيث أن القوى الإسلامية المسلحة بشكل جدي هي القوى الشيعية فلا بد أن يتركز الاهتمام المسيحي تجاه هذه الفئة، ولذلك كان من المهم عقد تفاهم كتفاهم مار مخايل يضمن للمسيحيين وجودهم وأمنهم، هذا الاتفاق الذي قاده التيار الوطني الحر كان له دور في تعزيز موقع التيار في المجلس النيابي باعتبار أن هذا التفاهم قدم حلا لمعضلة الوجود المسيحي مقابل المد الإسلامي الشيعي. ولكن انتفاضة 17 تشرين أسقطت تفاهمات كثيرة وخلطت قواعد اللعبة.

 تسبب تبني قيادة حزب الله قرار مواجهة الانتفاضة بشكل معلن ومباشر بأضرار "جانبية للحزب" طالت التفاهم. فهو الداعم للاعتداءات على ساحات الاحتجاج عبر مجموعات منظمة بهتافها الشهير "شيعة، شيعة" والتي اعتدت على الأملاك الخاصة في منطقة "مونو" المسيحية في تشرين الثاني 2019، ومن ثم أحداث الطيونة التي ترافقت مع نفس الهتاف، ولكن هذه المرة مع مواجهات مسلحة بين الفريقين (الشيعي-المسيحي) ما جعل من التفاهم في مار مخايل مهزوزا.

إذا لابد من حماية المسيحيين من الاعتداءات والتهجمات الاسلامية وإذا كان اتفاق مار مخايل العوني قد سقط، فلا حل سوى الدفاع عن النفس وفق المنطق القواتي. وعزز تفجير مرفأ بيروت السردية المسيحية، حيث أن الانفجار طال المنطقة "الشرقية" وألحق ضحايا مسيحيين وبالتالي هو قضية مسيحية على القيادة المسيحية أن توصلها إلى خواتيمها، بوجه رفض حزب الله التحقيق.

 

سيناريو المقايضة للإفلات من العقاب

طبعا لكل الطائفيات الأخرى سردياتها، وهي بكل الأحول سرديات متشابهة وتصب في الهدف نفسه. هذه السرديات تأتي في ظل وقائع ثقيلة على القوى الطائفية أولها وأكثرها وطأة تكلس الخطاب الطائفي الذي لم يعد مرحبا بها كما السابق لدى فئات واسعة من الأجيال الشابة وهذا ما عبرت عنه انتفاضة17  تشرين وتقهقر نفوذ الأحزاب في بعض النقابات المهنية بالإضافة إلى الانتخابات الطلابية في الجامعات. ولكن الأخطر بالنسبة لهذه السرديات أنها تأتي في سياق إنفجار مرفأ بيروت وفتح تحقيق قضائي في الحادثة واستدعاء مسؤولين وفق معيار العلم بوجود النيترات والموثق بكتاب تبليغ والصلاحية بالتحرك لمنع الكارثة. وقد طالت الاستدعاءات مسؤولين من كل الأطراف السياسية، وفي حين يرفض الجميع دون استثناء الحضور أمام القاضي. قرر حزب الله على عادته أخذ القضية في صدره وكما أعلن حربه على الانتفاضة بشكل مباشر، ودون مواربة كما تفعل بقية الأطراف الأخرى، أيضا هذه المرة أعلن حربه على القضاء بشكل مباشر ودون مواربة كما تفعل بقية الأطراف الأخرى. أيضا تأتي هذه السردية في ظل إتفاق إيراني- فرنسي ورضا أميركي عبرت عنه الادارة الأميركية بإقتراح مد لبنان بالغاز عبر الأردن وسوريا متجاوزة قانون قيصر، وتوافق دولي واقليمي على ضرورة إجراء الانتخابات.

هذه السرديات ستبني خطابها على أن أحداث الطيونة  أنتجت فريقين من الضحايا، الفريق الأول من غالبية مسيحية قضت بتفجير المرفأ، والفريق الثاني هم من الشيعة الذين قضوا بـ"كمين الغدر القواتي" بالإضافة إلى استعادة الثنائي لضحايا المرفأ الشيعة بأي طريقة. ووفق هذا التقسيم للضحايا نصبح أمام فريقين: مسيحي قواتي يدافع عن مناطق المسيحيين ويحصد أصواتهم في الانتخابات المقبلة، وثنائي شيعي جعل من قيادة حزب الله وليا للدم ويحصد الأصوات الشيعية. وحيث أن الانقسام وفق هذه السرديات سيخرج ما حصل من الاطار القضائي والقانوني، فإنه سيضع الإنفجار ونتائجه، كما أحداث الطيونة ونتائجها في سياق الحل السياسي، أي ضحايا المرفأ مقابل ضحايا الطيونة، وفق مبدأ 6 و6 مكرر، خصوصا أن طرفي النزاع المعلنيين هما القوات من جهة والثنائي من جهة أخرى، وطرفي الاتفاق هما فرنسا من جهة وإيران من جهة أخرى.

هذه السرديات تثبّت مبدأ الحرب الأهلية، وحكم الميليشيات فلا احترام لمفهوم الدولة والسلم الأهلي، إذ يبدو واضحا للجميع أن طرفي الاقتتال الداخلي في الطيونة كانا مستعدين لخوض المعركة التي استمرت لساعات. وهذه الجولة من الاقتتال الداخلي أتت لتعلن صراحة عن استعداد الجميع لتخريب البلد وجره إلى حرب وعدم استقرار في حال زعزعة النظام اللبناني القائم على حكم الميليشيات.

 

السرديات الضائعة

يشكل القضاء العادل أكبر تحدي أمام حكم الميليشيات، فلم يطالب أي فريق منهم فتح تحقيق بالجريمة-المعركة بل استمروا في سرديات الدفاع عن المنطقة، والدفاع عن دماء أبناء الطائفة، دون أدنى إعتبار لمفهوم الدولة القائم أولا على أن الحقوق لا تؤخذ إلا بالقانون وليس بمنطق الثأر والانقسام التي يروج لها طرفي النزاع.

كما أن تفريغ القضية من جانبها القضائي والقانوني وتحويلها إلى قضية طائفية يمهد لاستثمارها سياسيا، ويساهم بشكل جوهري في تثبيت مبدأ الإفلات من العقاب الذي يتفنن به حكام لبنان منذ نشأته حتى اليوم، مرورا بـ15 عاما من الحرب الأهلية لم تنته بمحاسبة أحد، ومن بعدها 20 عاما متواصلة من سرقات المال العام ونهب ثروة اللبنانيين ولم يحاسب  أحد، وصولا إلى جريمتي المرفأ والطيونة.

الملفت أن جميع الجرائم التي ارتكبتها الميليشيات وقادتها كانت تنتهي باتفاقات إقليمية ودولية تكرس مبدأ التبعية وهذا ما قد يحصل مرة أخرى في حال أفلح الاتفاق الايراني- الفرنسي بمقايضة ضحايا المرفأ بضحايا الطيونة ويا "دار ما دخلك شر"

أمام هذه السرديات يقف جمهور 17 تشرين صامتا وعاجزا. بعد أن يأس من إمكانية المجموعات الثورية من صياغة خطابها المواجه للسرديات الطائفية. وبعد أن يأس من ضياع سردية سعر الدولار المتفلت، وسردية احتكار الأدوية والمحروقات، وسردية إنهيار تقديمات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وسردية نهب المال العام والأملاك العامة، وسردية الهيمنة على القضاء، وسردية التفقير والتهجير المسمى "طاقة اغترابية"، وسردية استغلال العمال والأجور الهزيلة، وسرديات البؤس والموت التي نعيش.  

كما يقف هذا الجمهور مرتبكا أمام المعادلة التي فرضتها الطيونة، وهي معادلة قديمة-جديدة، فإما إسقاط التحقيق وتاليا المحاسبة، وإما إسقاط السلم الأهلي وجر البلد إلى حرب طائفية جديدة.

أما هذه المعادلة وواقعها المر لنا الحق جميعا أن نسأل هل يبنى السلم الأهلي على الخوف من الحرب التي من الممكن أن تندلع في أي لحظة لا يرضى بها أي فريق طائفي؟ أم أن السلم الأهلي يبنى على أساس العدالة وفتح تحقيقات جدية في قضية تفجير المرفأ وأحداث الطيونة وجرائم نهب وسرقة المال العام وسوق المتهمين، جميع المتهمين، إلى العدالة؟

  • المرصد

"بعدما امتنعت الـ "Daily Star" عن دفع رواتبنا لـ 6 أشهر ، عادت قبل فترة قصيرة إلى الدفع من دون أن تحتسب ما كُسر عليها. مع الإشارة إلى المماطلة القاتلة والتأخر الكبير في دفع الرواتب الجديدة شهريًا على الرغم من الأزمة الاقتصادية والمعيشية الخانقة". 

بهذه العبارة يُلّخص أحد العاملين في هذه المؤسسة معاناتهم. فيما الغوص في تفاصيل العمل اليومية يكشف مخالفات فاضحة وكلّ أنواع الاستغلال والابتزاز.

ويشير الواقع إلى أنّ وضع  العاملين في  الـ " Daily Star" صعب جدًّا. حيث انخفض عدد العاملين من 50 صحافيًا إلى أقلّ من 24 صحافيًا بين مراسلين ومحررين ورؤساء تحرير، في ظلّ الأزمة المفتعلة وموجة الصرف التعسفي مع الإشارة إلى أنّ هذا الرقم في تناقص مستمرّ.

لماذا؟

تؤكد المعلومات أنّ المسؤولين عن إدارة هذه المؤسسة يعمدون منذ فترة إلى صرف العاملين القدامى واستبدالهم بصحافيين جدد تحت شعار الـ "ستاج". ويستخدم هؤلاء استراتيجية واضحة تضع حدًّا لعمل الموظفين الجدد في اللّحظة التي يسألون فيها عن موعد توظيفهم فيُصرفون ليحلّ مكانهم آخرون يدخلون الدوامة ذاتها من دون معرفة.

قد يخال البعض أنّ الوضع المأسوي هذا مردّه للأزمة الاقتصادية الخانقة التي يمرّ بها لبنان. إلّا أنّ التدقيق في التفاصيل يكشف أنّ رؤساء التحرير يتقاضون رواتبهم بالدولار فيما يصل راتب من صمد من القدامى في باقي الأقسام بـ "اللّولار" ووفقًا لما كان يوزايه المبلغ ما قبل الأزمة.

والأمور لا تقف عند هذا الحدّ.

في تعاطي إدارة الـ "Daily Star" الكثير من الابتزاز لا بل يُمكن القول صراحة إنّ تصرفها يندرج في إطار  الاستدراج المدروس الذي يهدف للوصول إلى إجبار الموظفين على تقديم استقالاتهم طوعًا. والحقيقة أنّ الصحافيين العاملين في هذه المؤسسة يُدركون أنّ الأشهر الستة المتراكمة لن يتقاضوها إلّا في حال تقديم استقالاتهم. ومن هنا يُمكن معرفة حجم الابتزاز.

غياب الرقابة وحماية حقوق من يُفترض بهم الدفاع عن حقوق الآخرين والتأكد من سير كلّ الأمور بانتظام، يُجبر القسم الأكبر من الموظفين في الـ " Daily Star" على التزام الصمت والرضوخ بفعل الالتزامات الحياتية اليومية وغياب فرص العمل. ومقابل ذلك، تُمعن الإدارة في الضغط على العاملين عبر حرمانهم حتى من حقهم في الفرص السنوية والمرضية والأسبوعية التي يكفلها القانون أساسًا، على قاعدة "الـ مش عاجبه يفلّ".

 الصحافيون العاملون في الـ " Daily Star"، يُعانون المعاناة الأشدّ وإن كان ما يمرّون به يشابه كثيرًا ما يعايشه الصحافيون العاملون في صحيفة "المستقبل" سابقًا. ويعي المراقبون في هذه الحالة أنّ العامل المشترك بين الإثنين يرتبط بأنّ هذه المؤسسات تابعة لرئيس تيار "المستقبل"، النائب سعد الحريري حتى ولو حاول التنصلّ من الصحيفة الإنجليزية كثيرًا.

والغريب يكمن في أنّ الحريري يستعد لإعادة ترتيب البيت الإعلامي من باب التحضير للانتخابات النيابية المقبلة. فهل سيقوم بذلك مستغلًّا الصحافيين العاملين في مؤسساته؟ خاصة أنّ في الكواليس، مؤشرات توحي بأنّ الرجل ينوي دمج إعلام "المستقبل" على أنواعه.

ويُعتقد أنه سيُجمع كلّ من موقع "مستقبل ويب" وصحيفة "ديلي ستار" وإذاعة "الشرق"، وتلفزيون "المستقبل"، ضمن مؤسسة إعلامية واحدة تديرها إدارة مركزية. فهل يذهب العاملون في إعلام "المستقبل" ضحية خطط مدروسة؟

 

الجولة على باقي الصحف، تكشف واقعًا مريرًا أيضًا مع الإشارة إلى أنّ وضع بعض الصحافيين في مؤسسات معيّنة بات أفضل من حالة آخرين في مؤسسات إعلامية أخرى. والتدقيق يكشف أنّ وضع الصحافيين العاملين في الإعلام المكتوب يرتبط بالدرجة الأولى بوضع المتمولين المادي. مع أنّ الاستراتيجية الإدارية التي يتّبعها المؤتمنون على الإدارة تلعب دورها أيضًا. وهذا ما يُمكن ملاحظته بوضوح في جريدة "الأخبار" على سبيل المثال.

الأخبار تتمول بالدولار وتدفع بالليرة

يعرف الجميع أنّ صحيفة الأخبار تؤمّن تمويلها من "حزب اللّه". ما يعني أنّ الأموال تصلّ بالدولار و"فريش" على اعتبار أنّ ما ينطبق على جناحه العسكري ينطبق أيضًا على الجناح الإعلامي.

 وعلى الرغم من ذلك، يتقاضى معظم الصحافيين العاملين في "الأخبار" رواتبهم باللّيرة اللّبنانية. مع الإشارة إلى أنّ المعاشات شهدت زودة خفيفة وتكاد لا تُذكر مقارنة مع ارتفاع الأسعار. ويؤكد عدد من الصحافيين في هذه المؤسسة أنّ بين فترة وأخرى تُحوّل إلى حساباتهم ما يُسمى بـ "المساعدة الاجتماعية" وهي عبارة عن مساعدة ماديّة لا قيمة كبيرة لها.

هذا الوضع، لا يُمكن التغاضي عنه أبدًا لأنه يكشف نوعًا جديدًا من الاستغلال لا بل لا تقف الأمور عند هذا الحدّ. لأنّ الإدارة عبر تخزين الدولار والدفع باللّيرة تراكم الأرباح على حساب العاملين لديها على الرغم من أنّ الاتفاق الأساسي المبرم بينها وبين صحافييها ينصّ على الدفع بالدولار الأميركي.

النهار حماية العاملين شكلا

وضع "الأخبار" يتشابه مع حالة صحيفة "النهار" مع أنّ النظر من بعيد يوحي بأنّ حالة العاملين في الأخيرة أفضل من الأولى. إلّا أنّ التمعن والتدقيق في ما يحصل في الكواليس وأسباب "النهضة" الفجائية يكشفان مُجددًا عن استغلال لا يعرف الصحافيون به أو الأحرى، يغضون البصر عنه.

يعتقد عدد من الصحافيين في "النهار" وفقًا لما صرّحوا به أنّ وضعهم أفضل من سواهم. ويؤكدون أنهم تقاضوا بأغلبيتهم الرواتب السابقة "المكسورة" وقد شهدت معاشاتهم زيادة ملحوظة مؤخرًا بفعل الغلاء المعيشي. كاشفين عن حصولهم أحيانًا على مبالغ صغيرة بالدولار الأميركي.

في الشكل، تبدو الصورة وردية لا بل أكثر من ذلك. وقد يعتبر البعض أنّ المؤسسة حافظت على حقوق موظفيها وتحاول اليوم مساندتهم في عزّ الأزمة الاقتصادية.

إلّا أنّ التمحيص، يكشف أنّ المؤسسة حصلت على أموال بالدولار، وقد سمح  لها الارتفاع الكبير في سعر الصرف في السوق السوداء بتسديد المبالغ المكسورة بأقلّ تكلفة ممكنة خاصة وأنّ الدفع كان على تسعيرة الـ 1500 ليرة لبنانية للدولار الواحد. ما يعني أنّ "النهار" وعبر هذه الخطوة راكمت الكثير من الأرباح على حساب موظفيها مستغلّة أزمة سعر الصرف لتوسيع نشاطها عبر إعادة توظيف صحافيين جدد في عدد من الأقسام.

وتجدر الإشارة، إلى أنّ المؤسسة في هذه الحالة تستفيد على الصعيد المهني عبر زيادة عدد العاملين فيها وبالتالي زيادة الإنتاج والانتاجية. ويبقى الصحافي الخاسر الوحيد والأكبر في هذا الوضع. خاصة أنه يضطر للقبول بالرواتب التي تُدفع وبكلّ المهام التي توكّل إليه نظرًا لضيق سوق العمل والأزمة الخانقة.

والواقع يشير إلى أنّ رواتب الصحافيين في "النهار" معظمها لا يتجاوز الـ 4 ملايين ليرة لبنانية. من دون أن ننسى الإشارة إلى أنّ رواتب بقيمة أقلّ تُدفع لعدد أكبر من الصحافيين خاصة الجدد والأقلّ خبرة. وهذا يعني أنّ الصحافي يتقاضى في أفضل الأحوال حوالي الـ 266 دولارًا، إذا اعتبرنا أنّ سعر الصرف في السوق السوداء قد ثَبُت عند الـ 15 ألفًا مع أنّ هذا الرقم قابل للارتفاع أكثر وبشكل يومي.

الجمهورية تخفيض الأجور 25%

وضع العاملين في صحيفة "الجمهورية" ليس أفضل حالًا. فقد شدد عدد من الصحافيين على أنّ الأمور كانت تسير على ما يُرام قبل انتفاضة 17 تشرين والأجور كانت تُدفع بالدولار عبر الحسابات المصرفيّة.

وقد أشار هؤلاء إلى أنه ومنذ اندلاع الانتفاضة عمدت مؤسستهم لتخفيض أجورهم إلى حدّ الـ 25% وصارت المصارف تدفع الرواتب بـ "اللّولار" وفقًا لتسعيرة الـ 3900 ما يعني أنّ الزودة لم تقدمها "الجمهورية" وإنما فرق عملة. لافتين إلى أنّ وضعهم المادي كان يُعتبر جيّدًا في الفترة الأولى إلّا أنه ومنذ تجاوز سعر الصرف في السوق السوداء الـ 10 آلاف ليرة باتوا يفقدون قدرتهم الشرائية بسرعة أكبر. مؤكدين أنّ الصحيفة وعلى الرغم من كلّ الغلاء الحاصل لم تعطهم أيّ زودة ولم تعد الرواتب إلى ما كانت عليه أساسًا قبل الأزمة الاقتصادية.

 يحصل ذلك في وقت يعجز فيه الصحافيون عن سحب أكثر من مليونين أو 3 ملايين ليرة من المصارف نظرًا لسقف السحوبات المفروض. وفي المقابل، تتحجج المؤسسة الإعلامية التي يعملون فيها بتراجع الإعلانات وبالتالي انخفاض المدخول. على الرغم من أنّ عمل الصحافيين قد ازداد أكثر في الفترات الأخيرة بفعل الأزمة السياسية وما تبعها من خضّات أمنية واقتصادية.

وهذا الواقع، في ظلّ تراجع قيمة الأجور وانخفاض القدرة الشرائية يُشرّع الباب أمام هروب الصحافيين الأكفاء من مجال العمل هذا. كما يزيد من احتمال اعتمادهم على الرشاوى السياسية أكثر في هذه الفترة لتلبية التزاماتهم والحفاظ على مستوى عيش مقبول.

والحديث عن الرشوة، يطرح العديد من علامات الاستفهام ويزيد من المخاوف خاصة أنّ حصول ذلك في ظرف سياسي واقتصادي حساس كالّذي نعيشه يعني أنّ الضحية الثانية ستكون المواطن. إذ، قد يقع الأخير فريسة أخبار مدفوعة، كاذبة ومُضلّلة.

خاصة أنّ إحدى الصحافيات التي تملك أكثر من 20 سنة خبرة، عُرض عليها كتابة 5 مقالات أسبوعيًا مقابل 800 ألف ليرة لبنانية فقط لا غير في الشهر! وعادة ما يتمترس أصحاب هذه المؤسسات وراء حجة الأزمة وضعف التمويل مع أنّ الأموال التي تصلهم في الفترة الأخيرة في ظلّ احتدام المعارك السياسية قد ازدادت كثيرًا.

وعليه، يُصبح من البديهي السؤال عن كيف يعيش الصحافيون وما هي مصادر أموالهم؟

إذًا، يتضح أنّ الاستغلال تتعدد أشكاله بين مؤسسة وأخرى إلّا أنه يحصل في ظلّ صمت تام مِن قبل المعنيين والمولجين الحفاظ على حقوق الصحافيين. ويتضح أيضًا أنّ المعاناة هذه سبقت الأزمة الاقتصادية وبدأت تزامنًا مع ما يُعرف بتراجع الإقبال على الإعلام المكتوب والصحف الورقية. وفي هذا الإطار، تُشكّل جريدة "الحياة" وما حصل مع الصحافيين العاملين في كنفها الدليل الأوضح.

حيث يشدد أحدهم على أنّ كلّ ما جرى معهم كان مدروسًا جيّدًا وبدقة من الناحية القانونية فقد أُنذروا قبل فترة من إغلاق مكاتب"الحياة"  في لبنان. لافتًا إلى أنّ عند علمهم بذلك لجأوا إلى المجلس التحكيمي مطالبين بتعويضات مالية. مع العلم أنّ القسم الأكبر من العاملين في "الحياة" هم من الفئات العمرية الكبيرة ومِن مَن أمضوا شبابهم في مكاتب الصحيفة وخدمة لها.  

ووفقًا للقانون فإنّ الصحافيين غير المضمونين وهؤلاء من يزيد عمرهم عن الستين سنة يحق لهم الحصول على تعويض، أي يُدفع لهم عن كلّ سنة راتب شهر. وفي حالة الحياة، فإنّ هذه الفئة كانت من الأقليّة التي تمكنت من تحصيل حقوقها. أمّا الآخرين فاقتصر تعويضهم على مبالغ لا تُذكر وعلى أشهر قليلة إلى حدّ أنّ شخصًا واحدًا تمكّن من الحصول على 12 شهرًا.  مع الإشارة إلى أنّ التعويض الذي كان يُفترض أن يحصّلوه من الضمان الاجتماعي تأخر كثيرًا. ليكتشف صحافيو "الحياة" عندها أنّ مؤسستهم لم تكن ومنذ فترة طويلة تدفع ما يتوجب عليها للضمان.

احتيال "الحياة" لم يقتصر على "عصر" التعويضات.

من جهة أخرى، أوهمت صحيفة "الحياة" العاملين فيها والذين وجدوا أنفسهم فجأة بلا عمل بأنّ مهمتهم ستستمر مع بعض التعديلات. حيث أكدت الإدارة وقتها، أنّ كلّ العاملين سيستمرون كـ "فريلانسر" من منازلهم على أن تُحوّل رواتبهم ذاتها إلى لبنان. لكنّ لا شيء من كلّ ذلك حصل، وإنما استُخدمت هذه الوعود لإقناع العاملين بالقبول بتعويض "الأشهر" القليلة لا أكثر.

وفي "همروجة" صحيفة الحياة يتضح أنّ كثرًا مِن مَن كانوا يعملون بصفة "فريلنسر" قد سُرّحوا من العمل من دون الحصول على أيّ تعويض. مع التشديد على أنّ أغلبية العاملين كانوا يمارسون مهامهم من دون عقود تكفل حقوقهم وإلى الساعة ما زالوا من دون رواتبهم "المكسورة" على الرغم من حصولهم على التعويض "السطحي" الأخير. ويُمكن القول إنّ معاناة هؤلاء كانت أخفّ مِن ما واجهه الصحافيون العاملون في "الحياة" في دبي حيث طرد بعضهم وأخذت الشرطة البعض الآخر بعدما عجزوا عن دفع إيجارات منازلهم.

إلى ذلك، يشير الاستطلاع على وضع الصحافيين العاملين في الصحافة المكتوبة إلى وجود خلل كبير  على صعيد المكتسبات الماديّة. حيث ينقسم هؤلاء إلى فئات منهم من يتقاضون أجورهم بالدولار الأميركي وهم من يعملون في الصحف الأجنبية. وفي الدرجة الثانية، يأتي مَن ما زالوا يتقاضون الأجر نفسه ولكن على تسعيرة الـ 3900 ليرة. ليحلّ في الفئة الثالثة مَن يتقاضى رواتب قليلة جدًّا وشبيهة لما كانت ما قبل بداية الأزمة.

وقد تحدث صحافيون يعملون في مؤسسات إعلامية مكتوبة لها فروعها في الخارج أو لها شركاء في الخارج عن أنّ إداراتهم تتقاضى المبالغ بالدولار مع زودة صغيرة عن المبلغ الأساسي. إلّا أنّ ذلك لا يعني أنّ وضعهم المادي أفضل، على اعتبار أنّ المؤسسة تُصرّف مبلغًا صغيرًا بالدولار في السوق السوداء وتدفع رواتب معظم العاملين عندها محققة أرباح خالية في نهاية كلّ شهر.

والواقع يؤكدّ أنّ السواد الأعظم من العاملين في الإعلام المكتوب يتقاضى الأجور الشهرية باللّيرة اللّبنانية مع أنّ العقود كانت قد حددّت منذ البداية المبالغ بالدولار. فيما ظهرت مؤخرًّا فئة من المحظيين وهي تقتصر على عدد من الصحافيين "المخضرمين" ورؤساء الأقسام في بعض الصحف الكبيرة الذين اشترطوا على المؤسسة الحصول على رواتبهم بالدولار للاستمرار في تأديّة مهامهم وذلك منذ بداية الأزمة.

يُمكن القول وعلى حدّ تعبير أحد الصحافيين العاملين في "النهار" إنّ واقع الصحافة المكتوبة بات أكثر من مزر. فيما يتحدث آخرون يعملون في العديد من المؤسسات عن خطوط حمراء جديدة استجدّت بعد الأزمة بحيث صاروا يُمارسون رقابة ذاتية على أنفسهم لعلمهم أنّ مواضيع تطال شخصيات معيّنة لن تمرّ أبدًا. ويعود ذلك إلى اتفاقيات يعقدها أصحاب المؤسسات مع شخصيات سياسية ومالية كبيرة لضمان الإمساك باللّعبة الإعلامية واستخدامها في اللّحظات المناسبة. مع الإشارة إلى أنّ أغلبية المؤسسات ممسوكة من رجال مال وسياسة باتوا يتكتّلون مع حلفائهم لتنظيم حملات إعلامية تؤثر في الوضع الراهن وتطوراته.

هذا الواقع يؤكدّ تراجع مساحة الحريّة الخاصة بالصحافيين بوضوح وهو مؤشر خطر جدًّا. مع الإشارة إلى أنّ غياب المساواة بين العاملين الذين يؤدون المهام نفسها من شأنه أن ينعكس سلبًا على أداء الجميع. فكيف يُمكن لشخصين يعملان نفس الساعات يوميًا ويكتبان العدد نفسه من المقالات وفي المستوى ذاته أن يتقاضى أحدهما أجرا بالدولار أو مبلغًا أكبر مِن ما يُمكن للآخر أن يحصّله؟ هو سؤال برسم الجهات التي تعتبر نفسها مسؤولة عن أوضاع الصحافيين.

وعلى خطٍ آخر، يُلاحظ المتابعون حصول موجة نزوح من المؤسسات الإعلامية المرئية والمسموعة إلى الإعلام المكتوب. حيث يعمد عدد من الصحافيين إلى كتابة مقالات أسبوعية أو يومية لتأمين دخل إضافي. وفي المقابل، تستفيد الوسائل الإعلامية المكتوبة من فكرة الـ "فريلانسر" على اعتبار أنّ ذلك يؤمّن استمرارية عملها وبكلفة أقلّ.

وفي هذه الحالة، يختلف الدفع ويُحدد المبلغ وفقًا لما إذا كان الموضوع على الغلاف أو في الصفحات الأولى وبحسب طبيعته.

لكنّ الاعتماد على الـ "فريلانسر" زاد من سهولة صرف العاملين المثبتين في الإعلام المكتوب. في ظلّ وجود حجة الوضع الاقتصادي.

الصحافيون يواجهون تراجع الخدمات الصحية أيضًا!

وفي مقابل معاناة الصحافيين المستمرّة والمتنوعة وغياب الأمن الوظيفي، لم تحرّك نقابة المحررين المسيسّة أصلًا، أيَّ ساكن . ولم تتخذ الإجراءات اللّازمة للتخفيف من حدّة الأزمة عن كاهل العاملين في الإعلام المكتوب.

إلسي مفرّج، منسقة تجمع "نقابة الصحافة البديلة"، تحدثت عن هذه المعاناة من زاوية مهنية.

وفي التفاصيل، لفتت مفرّج إلى أنّ ما يتعرض له العاملون والعاملات في القطاع الإعلامي ينسحب على وضع البلد ككلّ لجهة الضغط الاجتماعي والاقتصادي. لكنّها رأتّ أنّ للقطاع الإعلامي حساسية أكبر من غيره خاصة لناحية الإعلانات. فلا يمكن لمؤسسة إعلانية تعاني من ضغوطات أساسًا في دفع رواتب موظفيها أن تضع إعلاناتها في الإعلام ولذلك يتأثر القطاع الإعلامي مباشرة بهذه الأزمة لا بل يعيشها لمرتين.

حيث شرحت مفرّج هذا الوضع، مشددة على أنّ الصحافي يعيش الأزمة مثله مثل أيّ مواطن عادي في البداية، ليعود ويلتقي بالمعاناة نفسها مع أشخاص آخرين حين ينقلّ هذا الواقع بالصوت والصورة.

وهي لم تنكر أنّ الأجور في الأساس لم تكنّ عادلة، إلّا أنها لفتت أيضًا إلى أنها عُدّلت مؤخرًا. مشددة على أنّ الكثير من المؤسسات تتأخر في دفع الرواتب متحججة بنقص الإعلانات والظروف الاقتصادية.

وأكدّت مفرّج أنّ مؤسسات إعلامية كثيرة وبعد الأزمة بدأت بدفع الرواتب التي كانت بالدولار باللّيرة اللّبنانية ووفقًا لتسعيرة الـ 1500 ليرة. لافتة إلى أنّ مؤسسات كثيرة بدأت تقفل ما يطرح مشكلة الصرف التعسفي من جديد، فيما حجة الأزمة الاقتصادية جاهزة.

معاناة الصحافيين لا تقتصر على الرواتب بل تدقّ باب التغطية الصحية التي تُعتبر من أبسط الحقوق البديهية.

وفي هذا الإطار، كشفت منسقة تجمع "نقابة الصحافة البديلة"، عن أنّ التغطية الصحية للصحافيين قد تراجعت كثيرًا حتى بالنسبة للمراسلين الذين يعملون على الأرض مباشرة. حيث ظهر مؤخرًا التعاضد بين الصحافيين لتغطية تكاليف الرعاية الصحية لزملائهم، بعدما تقاعست المؤسسات الإعلامية عند تعرّض مراسيليها للضرر أثناء أداء مهامهم.

وتلقي مفرّج الضوء على تقصير النقابات الصامتة أمام كلّ هذه التجاوزات، في وقت كان يُفترض بها أن ترفع الصوت. معتبرةً أنّ أسباب هذا السكوت مفهومة، خاصة أنّ النقابات المعنيّة ممسوكة من قِبل أحزاب السلطة التي أوصلت البلاد إلى هذه الأوضاع.

وعليه، يعكس الواقع الصحافي بكلّ تعقيداته المشهد اللّبناني كما هو. حيث يواجه هؤلاء صعوبات كبيرة مشابهة كثيرًا لمعاناة المواطنين العاملين في مختلف القطاعات. في حين يبقى أكثر ما يميّز أزمة القطاع الإعلامي، يرتبط بانعكاساتها التي من شأنها تعميق الهوة خاصة مع استغلال أصحاب المال الصحافيين الذين يُشكّلون الحلقة الأضعف هذه المرّة.

- المدن

بلقيس عبد الرضا- في دراسة اقتصادية حديثة تتناول الأزمة في لبنان، رأى المدير العام السابق لوزارة المالية ألان بيفاني أن لبنان يواجه أزمة متعددة الوجوه والأشكال. وأشار إلى أن الأزمة الاقتصادية ليست وليدة سياسات خاطئة فحسب، بل هي بسبب إصرار السياسيين على إفراغ لبنان من أمواله.

الميليشيا والدولة

ويعتقد بيفاني - حسب الدراسة التي جاءت بعنوان "أصل الأزمة في القطاع المصرفي اللبناني" ونشرت في 28 أيلول الماضي، في مؤسسة Hoover institute الفكرية للسياسة العامة ومقرها الولايات المتحدة الأميركية - أن انتصار الميليشيا على الدولة، قد يكون أول الأسباب التي أدت للانهيار، متوقعاً أن تنتصر هذه الميليشيا السياسية مرة أخرى على مؤسسات الدولة.

ويتوقع بيفاني أن لبنان الذي بات على حافة الهاوية، قد يكون على موعد مع فوضى محتملة واسعة النطاق إن لم تكن مسلحة داخلياً.

من جهة أخرى، خلص بيفاني، إلى أن الفساد السياسي، و"وهم مرونة القطاع الصرفي"، والبروباغندا الإعلامية عن ما يمكن تسميته متانة القطاع المصرفي، والتفاف حاكم مصرف لبنان على القواعد القانونية، إضافة إلى توزيع الأموال العمومية على المصارف بحجة الهندسة المالية، كانت الأسباب الكامنة للانهيار المتوقع.

الفساد السياسي

يرى بيفاني أن الفساد السياسي شكل أول حلقة في التسبب بالانهيار، ويعود تاريخ بدء الفساد السياسي إلى حقبة التسعينيات، بمباركة ومشاركة الثنائي- نبيه بري (رئيس مجلس النواب الحالي) ورئيس الحكومة السابق رفيق الحريري، اللذان سعيا إلى تأسيس ما يمكن تسميته بالفساد داخل المؤسسات، من خلال اتباع نهج، تحويل مجلس النواب اللبناني إلى شريك نشط في الفساد، وبالتالي شل الوظيفة الرقابية الحاسمة للسلطة التشريعية تماماً.

وتمكن الرجلان (بري-الحريري) وبدعم من أحزاب أخرى، إلى شل عمل السلطة القضائية أيضاً، بعد شل دور السلطة التشريعية وتفريغها من جوهرها، وكان ذلك من خلال أداتين:

الأولى: تعيين شخصيات فاسدة في الجسم القضائي، وفي بعض الأحيان تقليدهم مناصب هامة.

الثانية: ترك الهيئات القضائية الرقابية شاغرة، لإفراغها من دورها.

مع عدم وجود رقابة برلمانية أو قضائية، بدأ الفساد في النمو، وفقد النظام مناعته. وهكذا أرادت جميع الأحزاب نصيبها، وتحولت المعارضة من الإرادة لمحاسبة الحكومة وأعضائها إلى الضغط من أجل حصة من "الكعكة" أو تقاسم الأرباح والأموال.

هكذا بدأت القصة

في العام 1992، انهارت الليرة اللبنانية، وفقد معظم اللبنانيين مدخراتهم، وتم القضاء على الطبقة الوسطى، إلى حين بروز رفيق الحريري، بطل استقرار العملة، وفق بيفاني.

وفي اللحظة التي دخل فيها لبنان عهد الحريري بنهاية عام 1992، استقرت الليرة بالتوازي مع تدفق الأموال والاستثمارات الخليجية إلى النظام. واضطر الحريري كي يتمكن من السيطرة على إدارة البلد، من تنظيم هذه التدفقات المالية، من خلال إعادة توزيع الأموال على أمراء الحرب والنخب الجديدة، وجميع سلطات الأمر الواقع على الأرض. وقام بتعين رياض سلامة حاكماً لمصرف لبنان. حاولا (الحريري - سلامة) دفع الليرة إلى الارتفاع ببطء شديد وبشكل منتظم مقابل الدولار، رغم التكلفة الباهظة، لتأكيد نفوذ الحريري.

الليرة والدولار

السبب الثاني في الوصول إلى هذه الأزمة، كانت الليرة اللبنانية. فقد ربطها سلامة بالدولار، ولكن من دون أي إجراء قانوني أو تنظيمي لتقييد الربط. وهذا ما كان له تكاليف باهظة للغاية، إذ كان من الأسباب الرئيسية لنضوب احتياطيات العملات الأجنبية. قد يجادل المرء بأن الاستقرار جاء بسبب الربط بين الليرة والدولار. وقد يكون الأمر صحيحاً. ولكن النتيجة سيئة. فكان الربط محفزاً على استيراد السلع والخدمات، بدلاً من الإنتاج محلياً. وكان الميزان التجاري والحساب الجاري يسجلان عجزًا كبيراً للغاية عاماً بعد عام. وعلى الرغم من ذلك، استمر النظام في الاعتماد على جذب ما بين 7 و10 مليارات دولار كل عام لسببين:

الأول: دفع فوائد أعلى. والثاني: وهم القوة الاستثنائية للقطاع المصرفي، أو ما يسمى المرونة اللبنانية التي استطاعت تحدي المنطق والجاذبية. هذا يعني أن أصل الأزمة بدأ في التسعينيات من القرن الماضي، إذ كان البنك المركزي بحاجة دائمة لتدفقات الدولار لتعويض عجز الحساب الجاري.

إفلاس لبنان الحقيقي

وتعرض لبنان للإفلاس مرات عدة، ولكن هذه الحال لم تكن واضحة، وهو ما يمكن أن نلاحظه من خلال:

- في عام 1998، كان النظام على وشك الإفلاس وكان رفيق الحريري يكافح من أجل العثور على مخرج. لكنه فشل، فوجد في معركته السياسة مع إميل لحود فرصة للانضمام إلى المعارضة، وتأجيل الانهيار الاقتصادي.

وبعد عودته إلى السرايا بدأ على الفور سياسة فتح الحدود من خلال تخفيض الرسوم الجمركية بشكل كبير وغيرها من الإجراءات التي أغرقت السوق اللبنانية بمنتجات أجنبية منافسة وأهلكت القطاعات والوظائف الإنتاجية. وكانت الحكومة تتوقع النمو للانتعاش. لكن الاقتصاد الحقيقي بدأ في دفع ثمن باهظ للغاية: مثلاً وزارة المال كانت تنزف بسبب انخفاض الرسوم وانخفاض ضريبة الدخل.

-في العام 2002، قدر أن صافي الاحتياطيات قد انخفض إلى ما دون 3 مليارات دولار. وآنذاك حاول الرئيس الفرنسي جاك شيراك إنقاذ صديقه المقرب، ودعا الحريري إلى عقد مؤتمر للمانحين من أجل لبنان في العاصمة الفرنسية. جمع المؤتمر تعهدات تصل إلى 4.4 مليار دولار في دعم النظام اللبناني المتعثر، فكانت هذه فرصة لتأجيل الانهيار الكبير.

وبعد ما يقرب من عقدين من الزمن، يمكن الاستنتاج أن حلقات مؤتمر باريس كانت دفعة قوية للسياسات الكارثية والنظام الفاسد.

-في العام 2005 ومع اغتيال الحريري، بدأ المشهد يتغيير: سادت حال من عدم اليقين في لبنان، وبمهارة شديدة، انتهز رياض سلامة، محافظ البنك المركزي الفرصة ليحل محل "الحريري" كشخصية الاستقرار، واستخدم بقوة كل ما هو ممكن لتكوين صورة أو بروباغندا إعلامية. أنفق البنك المركزي الكثير من المال لدعم وسائل الإعلام ومختلف أصحاب الرأي.

-في عام 2006، تسببت الحرب الإسرائيلية المدمرة على لبنان في عقد مؤتمر باريس 3 للمانحين، فجرى التعهد بتقديم 7.6 مليار دولار لبنان (تم صرف نصف هذا المبلغ تقريبًا). وكان هذا كافياً لشراء البلاد لبعض وقت إضافي، ولم يكن محافظ البنك المركزي على استعداد لإطلاق جرس الإنذار. فقد كان منشغلاً ببناء صورة لنفسه كبطل خارق يمكنه التعامل مع جميع المواقف.

-في العام 2008 حصل لبنان على تدفقات هائلة من الأموال بسبب هروب المستثمرين إلى الدول النامية. نتيجة لذلك، تلقى القطاع المصرفي في لبنان ودائع جديدة تعادل 59 في المئة من إجمالي الناتج المحلي.

- في عام 2009، تدفقت إلى لبنان، ما مجموعه 20.7 مليار دولار. وبدلاً من الاستفادة من هذه الفرصة الهائلة لترقية البنية التحتية وتحسين شبكات الأمان، أساءت الحكومة استخدام فائض الميزانية.

-نهاية عام 2011، كان الوضع خطيراً. بدأت الحرب السورية، مما أدى إلى زيادة التقلبات في لبنان. وإلى جانب ذلك عدم الاستقرار السياسي، واضطرابات التجارة والعبور. وبدأت دول الخليج في تفريغ عقاراتها وودائعها اللبنانية، رداً على الدور المتصاعد لحزب الله في لبنان وتدخله في سوريا.

كل هذه العناصر ساهمت في تراجع ميزان المدفوعات، ليصل إلى مستوى منخفض: 26.2 في المئة من إجمالي الناتج المحلي في عام 2014.

انهيار الهرم

واخفى سلامة الأرقام المالية، ولم يطلع عليها حتى رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، أو حتى نوابه. وحينها كانت البنوك التجارية تحت ضغط من البنك المركزي لإيجاد سبل جذب الدولارات من الخارج. وقام البنك المركزي باختيار التدخل بين الحكومة والبنوك لشراء الأوراق الحكومية بأسعار رخيصة بالليرة وبيع شهادات الإيداع للبنوك بمعدلات أعلى. بالطبع، هذا من شأنه أن يسمح للبنوك التجارية بالمحافظة على "وهم" الأرباح المتزايدة، التي خدعت بها المودعين.

حينها بدأ بعض المصرفيين يتساءلون: كيف يمكن لمصارف على وجه الخصوص القدرة على جذب المودعين بعيداً عن البنوك الأخرى عن طريق دفع مبالغ إضافية للمودعين. وفي الواقع، فإن مبدأ "الهندسة المالية" التي أطلقها مصرف لبنان في العام 2016، جعل البنوك تجلب دولارات جديدة من الخارج مقابل سندات اليوروبوندز التي يمنحها البنك المركزي. وبالتوازي مع ذلك جلب أذون خزانة مقومة بالليرة إلى البنك المركزي مقابل مدفوعات نقدية بالليرة يؤدي إلى توليد نسبة عالية جدًا من عائدات تصل إلى 35 في المئة. وعندها استفاد منها Bankmed و Bank Audi في نهاية عام 2015. وعندما واجه Bankmed خطر الإفلاس بسبب انكشافه الشديد على سعودي أوجيه، قرر رياض سلامة استخدام المال العام لإنقاذ البنوك، من دون إذن من أحد.

كانت مثل هذه العمليات تتطلب قانونًا من البرلمان، لكنه لم يفعل ذلك. وبعد أشهر من بدء تلك العمليات، بدأ المصرفيون الآخرون يشكون للسياسيين، وكان على الحاكم أن يعترف أنه قدم بالفعل أموالاً، ونتيجة لضغط كبير من السياسيين، لمعاملة المصارف على قدم المساواة، تم توزيع الأموال العمومية على باقي المؤسسات المالية.

إعادة هيكلة الدين اللبناني

وكمحاولة لإنقاد الوضع، أعلن وزير المالية آنذاك علي حسن خليل بداية عام 2019 أنه كان يعمل على إعادة هيكلة الدين اللبناني قبل التراجع. في غضون أيام، خفضت وكالة موديز تصنيف لبنان إلى Caa1، وتبعتها فيتش CCC، كان لبنان يدفع بالفعل 20 في المئة زيادة على الدولار. وبحلول نهاية ربيع 2019، أدخلت البنوك التجارية قيود جدية على عمليات سحب المودعين، وكان ذلك أحد الأسباب القوية وراء ذلك الحراك الشعبي الذي انطلق في 17 تشرين الأول 2019. في تلك اللحظة، قررت البنوك - بدعم من محافظ البنك المركزي - الإغلاق.

وبعد استقالة رئيس الوزراء سعد الحريري قررت الحكومة دفع 1.6 مليار دولار لحاملي سندات دولية. وهذا المبلغ غادر البلاد على الفور في غياب ضوابط رأس المال. وكان البلد ينقسم بين أولئك الذين كانوا يمتصون الدولارات حتى آخر بنس وأولئك الذين كانوا يرون مدخراتهم تتلاشى. والحريري ووزراؤه ممن يمثلون النخب المختلفة يسيطرون على البلاد وهم مساهمون في البنوك. وعندما أدت الحكومة الجديدة اليمين الدستورية في شباط 2020، كان التخلف عن السداد لا مفر منه، خاصة بعد أن قامت البنوك بتقييد الوصول إلى الدولار لمبالغ صغيرة جدًا، في حين أن البنك المركزي لم يفصح عن الأرقام المتعلقة بأصولها الأجنبية وصافي احتياطياتها. في هذه النقطة صار لبنان فريداً من نوعه لجهة الحالة التي يمكن فيها لمحافظ البنك المركزي منع رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء من الوصول إلى المعلومات.

وتوصل بيفاني وفريقه، جنباً إلى جنب مع مستشارين في Lazard، إلى خطة تعافي ووضع التشخيص المناسب وتغطية مختلف الإجراءات اللازمة، بما في ذلك إعادة هيكلة الدين وإعادة هيكلة البنك المركزي والقطاع المصرفي كله، وإصلاح المالية العامة، وإنشاء شبكات الأمان الاجتماعي. وتمت الموافقة على الخطة بالإجماع في نيسان 2020.

كانت هذه المرة الأولى التي تأتي فيها الحكومة اللبنانية بالتشخيص المناسب مع الاعتراف بالخسائر الحقيقية في النظام. لكن الخسائر كانت ضخمة، وقبولها سيكون له عواقب وخيمة على النظام الجنائي، فتوقفت الخطة.

تواطؤ المركزي والمصارف

كان الهجوم ضد المركزي عنيفًا للغاية من المودعين بسبب خطة Hair cut، التي لجأ إليها لتأخير الانهيار، وشراء الوقت.

في غضون ذلك كانت جميعة المصارف ترفض هذه الخطة، وهو ما يمكن اعتباره موقف سخيف ولكنه شعبوي، مع العلم أن البنوك هي التي فرضت تخفيضات منهجية على جميع المودعين الذين أرادوا سحب الأموال من حساباتهم. وعلى الرغم من أن خطة الحكومة كانت على وجه التحديد حماية جميع المودعين المتوسطين والصغار.

في المقابل، كانت البنوك لا تزال تفرغ سندات اليوروبوندز، وتمارس Hair cut، ولكن

أيضا تهريب الأموال إلى الخارج لصالح الأقوى، وربما لبعض السياسيين أو النواب أو مساهمي البنوك. وكل ذلك في ظل السرية المصرفية. كان بعض المصرفيين يخبرون نظرائهم الأمريكيين أن خطة الحكومة كانت تسليم القطاع المصرفي إلى حزب الله، في حين أن نفس المصرفيين هم أنفسهم في اليوم التالي يشتكون لقادة حزب الله من أن خطة الحكومة تضع النظام تحت رقابة صندوق النقد الدولي لتقييد حرية الحزب في التصرف في النظام المالي. أيضاً أخبروا العديد من الدبلوماسيين أن التدقيق الجنائي كان المقصود منه أن يلاحق البنك المركزي جانبًا واحدًا من الطيف السياسي فقط، بينما تضمنت خطة الحكومة عمليات تدقيق الطلب الشرعي على جميع المشتريات العامة والشركات المملوكة للدولة. وبموازة ذلك، عمل المصرفيون إلى وضع خطتهم الخاصة لإعادة الهيكلة، والتي تتلخص في عدة نقاط:

أولاً: تحويل نقل ملكية جميع الأصول العامة إلى القطاع المصرفي. على الرغم من عدم وجود تقييم دقيق لتلك الأصول.

ثانياً: تعتمد الخطة على تجميد الودائع لفترة طويلة، بدلاً من القبول بأن هذا يمثل Hair cut كبير جدًا على الودائع، ويرفض المصرفيون إعادة هيكلة الديون المقومة بالليرة وذلك للحد من حجم خسائرهم دون مراعاة ذلك.

تواطؤ سياسي

أهدر الحاكم الكثير من الوقت أثناء طباعة كمية هائلة من الليرات، وبالتالي إشعال العملة المحلية مقابل الدولار والسماح بشكل كبير بإجراء HAIR CUT على الودائع بالدولار (Lollars)، وهو ما أضر بالكثير من المودعين، حتى أن صندوق النقد الدولي أظهر الكثير من القلق بشأن الضرر الذي يلحق بالمودعين والسكان، وسط عدم اكتراث السلطة السياسية.

كان من المقرر أن يتم تثبيت الليرة عند حوالي 4000 ليرة للدولار في غضون عامين، وحماية المودعين المتوسطين من أي خسارة، وجذب نحو 27 مليار دولار من الدولارات الجديدة على مدى خمس سنوات. هذه العملية تعيد بعض الأمور إلى طبيعتها بحلول نهاية عام 2022، لكن النخب السياسية، بدلاً من ذلك، اختارت عمدًا عدم فعل أي شيء، وجعل الليرة تنهار لتصل إلى 20 ألف ليرة مقابل الدولار، مع عدم وجود أرضية لوقف تدهورها. كما اختاروا أن يخسر جميع المودعين حوالي 90 بالمئة من أموالهم حتى اليوم ويمنعون لبنان من الوصول إلى أموال جديدة كبيرة.

ويختم بيفاني قائلاً: "لأولئك السياسيين والمصرفيين، الذين يجادلون بأن البنوك اللبنانية ستكون مرة أخرى قادرة على جذب مليارات الدولارات من المودعين بعد عودة الثقة، لابد من سؤالهم، ماذا ستفعلون بهذه المليارات وأين ستضعونها؟ كما لابد من سؤالهم، من أين لديكم تلك الثقة بعودة تدفق الأموال إلى لبنان؟ فالبنك المركزي المفلس لن يتمكن من استخدام استراتيجية الفائدة المرتفعة لجذب الأموال، كما أن السوق الداخلية لا يمكنها استيعاب قروض بالمليارات، وبالتالي دخول الأموال إلى لبنان يحتاج إلى إعادة تفكير

  • المرصد

أسعد سمور- بضوء أخضر أميركي معزز باستجرار الغاز من مصر وبتوافق  فرنسي-إيراني تشكلت حكومة ميقاتي، حكومة على صورة ومثال كل حكومات "الوحدة الوطنية" التي عرفناها ، نفس المهزلة مذ تفتحت أعياننا على الحياة في هذه البلاد الكئيبة والرتيبة كطابور انتظار أمام محطة وقود.

هذا التدخل في الشؤون اللبنانية معطوفا على الواقع السياسي اللبناني لنفخ الروح في جثة الصيغة الطائفية التي لم تجد من يدفنها، فأنتج هذه الحكومة بما هي تمثيل واستمرارية للنظام السياسي والاجتماعي نفسه.

حكومة ميقاتي تشكلت عشية رفع دعم سعى إليه المحتكرون، كارتيلات الدواء والنفط وغدا الأفران ستعزز ثرواتها أكثر على حساب كل المقيمين على الأراضي اللبنانية، مقابل رشى كاستجرار الطاقة أو باخرة نفط او صندوق إعاشة.

تشكيلها إعلان عن افتتاح مرحلة جديدة لإعادة توزيع بقية الخسائر والاستمرار بتدفيعها للأكثر فقرا ليصل قطار الإنهيار إلى محطته الأخيرة ويعيد تشكيل المشهد الاقتصادي بصورة أكثر كاركتوية :"قلة تراكم ثرواتها بجشع جنوني، مقابل أكثرية منهوبة حتى الفلس الأخير".

لم يعد مهما من يُكلف بتشكيل الحكومة ومن هم الوزراء وطريقة توزيعهم على الزعمات اللبنانية، وليس مهما إن كانت 3 ثمانات أو مع ثلث معطل أو بدونه، فكل الحكومات التي يسمح هذا النظام بإنتاجها هي حكومات وحدة وطنية إذا اعتبرنا أن الزعمات الميليشياوية -أجلكم الله- هي قامات وطنية. وكل الحكومات التي يسمح هذا النظام بتشكيلها تحمل الرؤيا نفسها التي عبر عنها وزراء الحكومة الجديدة بخطاب التعتيم الإعلامي والحفاضات والضفادع.

شيئا لم يتغير مع وزراء التكنوقراط السياسي سوى أن وجه هذا النظام صار أكثر وضوحا وصراحة ومباشرة مزيناً بدموع تذرف هنا وهناك لتتجلى معها المهزلة التي نعيش بأبهى حللها. شيئا لن يتغير حتى تستعيد الإنتفاضة نبض الشارع والناس. فمما  لاشك فيه أن أركان النظام بدأوا باستعادة زمام المبادرة بعد الصفعة التي تلقوها في 17 تشرين الأول 2019، وهاهم يستعدون اليوم مع هذه الحكومة لتكريس حكمهم مدعومين بالضوء الأخضر الأميركي والتوافقات الفرنسية-الايرانية.

المرصد

تأسست الريجي كشركة احتكارية خلال فترة الإنتداب الفرنسي ونال امتيازها  منه عام 1935،

وبعد الاستقلال تحولت إلى إدارة عامة تعمل تحت وصاية وزارة المال ويرأسها حاليا د. ناصيف سقلاوي المقرب من الرئيس نبيه بري. وبموجب المرسوم الاشتراعي رقم 151 تحتكر "الريجي" منح رُخص زراعة التبوغ ونقلها وتصنيعها وتصديرها واستيرادها وبيعها ومكافحة تهريبها.

أما الإيرادات فتتقاسمها الريجي مع الخزينة العامة، في العام 2019 بلغت حصة الدولة من الارباح الصافية 628 مليار ليرة لبنانية بالإضافة إلى مجموع ايرادات الخزينة الصافية (رسوم وضرائب وأرباح) 541 مليار خمسمائة واربعون مليار ليرة لبنانية. 

 الرخَصة: وثيقة استملاك المزارعين

17400 رخصة تجيز  زراعة الدخان في الجنوب والبقاع الغربي. ولا تشكل هذه الرخص إمتيازا خاصا للمزارعين بل تجعلهم أسرى نظام تشغيل يفتقر إلى التوصيف الوظيفي، فهم مزارعون في الظاهر لكنهم  عمالاً بدوام متواصل على مدار العام عند رب عمل حصري يسمى ادارة حصر التبغ والتنباك (الريجي)، من دون عقد عمل صريح إلا  اذا اعتبرنا أن الرخص التي تمنحها الريجي للمزارعين هي عقد العمل بعينه. وهي علاقة ملتبسة فالرخصة لا تعطي المزارع الحرية في  بيع محصوله إلا لـ"الريجي". ويصير بذلك عمله رهينة لرب عمل حصري هو ؟"إدارة حصر التبغ والتنباك"

 التصريح بزراعة الدخان الذي تمنحة ادارة "الريجي"هو عقد جبري يحدد الواجبات ويفرض الشروط على المزارع ولا يعطيه بالمقابل الضمانات التي يحتاجها، فمزارعو التبغ محرومون من الانتساب إلى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وغير مشمولين بالتغطية الصحية (مرض وأمومة وتعويضات عائلية ومدرسية وطوارئ العمل) ولا يتقاضون تعويضات نهاية خدمة أو معاشاً تقاعديا عند بلوغهم السن القانونية،. وملزمون ببيع محصولهم للريجي وفق الكمية والسعر الذي تحدده لهم.

واقع زراعة التبغ في الجنوب

يستفيد من زراعة التبغ 25 ألف أسرة من بينهم 15 ألف أسرة في الجنوب. و تصل المساحة المزروعة بالتبغ جنوباً إلى حوالي 50 ألف دونم، يُنتج الدونم الواحد 100 – 150 كلغ من الدخان، ويبلغ عدد الرخص والاذونات في الجنوب اليوم 17400، جرى رفعها تباعاً منذ منتصف التسعينيات لكن المزارعين الفعليين من بين حائزي الرخص لا يتجاوزون الـ 13500 مزارع.  ومن المتوقع أن يخفض عددهم إلى 11 ألف.

حتى العام 2005 كانت الريجي تشتري كامل محصول الدخان من المزارعين بسعر 12 ألف ليرة للكيلو الواحد، لكنها وبحجة العجز المالي وندرة السيولة قررت تخفيض الكميات المشتراة والاكتفاء بشراء 100 كلغ فقط (عن الدونم الواحد) من كل صاحب إذن أو رخصة بـ 12 ألف ليرة للكيلو، وشراء الفائض (ما فوق الـ 100 كيلو/ دونم) بسعر 5 الاف ليرة فقط للكيلو. بفعل هذا القرار نشأت فئة سماسرة زراعين   (قرابة 4000 ) استفادوا من القرار/التنفيعة وباتوا يجنون أرباحهم " على ظهر المزارع الحقيقي، فهؤلاء لا يزرعون الدخان ولا يتحملون تكاليف زراعته ولا تعبه، فبينما يكدّ المزارعون الفعليون في حقولهم طوال العام لإنضاج شتلات التبغ ينتظرهم هؤلاء "السماسرة" على بارد المستريح ويشترون منهم الانتاج - الفائض- الجاهز  بـ 8000 – 9000 ليرة للكيلو ويقومون ببيعه للريجي بسعر 12000 ليرة على أساس أ نه من انتاجهم هم، وهو أمر غير خافٍ على احد بمن فيهم النقابة وادارة الريجي. بسبب الانهيار الاقتصادي رفعت الريجي سعر كيلو الدخان في الموسم الماضي بنسبة 50 %، واشترته من المزارع بـ 22000 ليرة وسطي بدل 12000 ليرة للكيلو وهذا الموسم ستشتري الكيلو بـ 27000 ، ليرتفع بذلك سعر الفائض إلى 15 ألف ليرة للكيلو وتتضاعف معها أرباح السماسرة على حساب المزارعين

هذه التنفعات لا تقتصر على حرمان المزارعين من حقهم في بيع كامل محصولهم، وتحويل جزء من إنتاجهم لصالح سماسرة زراعين، بل تحرم الخزينة العامة وكل اللبنانيين من إيرادات إضافية بسبب إنخفاض الانتاج الزراعي. حيث يفضل المنتفعون شراء المحصول وبيعه بدل من عناء زراعته

 

تراجع ايرادات الريجي (مئات المليارات ل.ل)

 

ومن المرجح أن تنخفض الإيرادات بشكل أكبر خلال السنوات المقبلة حيث يؤكد المزارع خليل ديب وعضو "تجمع مزارعي التبغ" أن الموسم هذا العام لن يتجاوز 1500 - 1700 طن من الدخان مقابل 5000 –6000 للعام 2019، لأن زراعة الدخان لم تعد تطعم خبزاً ولأن المزارع ملّ ويئس من كونه يتعب بالمجان". ويضيف "فليبقوا على السعر كما هو وليدعمونا  بالسماد والضمان الصحي والمنح المدرسية، ماذا تتكلف وزارة التربية لو أعفت مزارعي التبغ من رسوم التسجيل في المدارس الرسمية؟ وماذا ينقص نقابة حسن فقيه أن تتبنى هذا المطلب؟".

يضيف "كلفة الدونم اليوم حوالي 3 ملايين ليرة بين فلاحة وري وأسمدة وأيدٍ عاملة (على دولار 1500 ليرة)، وحتى يربح المزارع ما يؤمن له عيشاً كريماً على الريجي أن تشتري منه كيلو الدخان ب 50 ألف ليرة، ويجب أن لا ننسى أن الريجي تبيع تبغنا للخارج بالدولار الاميركي وباسعار عالية".

كلام ديب يؤكده مصطفى عمار مزارع التبغ منذ 31 عاماً، الذي قضى عمره في زراعة التبغ ، والذي يؤكد أنه يحب عمله لكنه حزين لما آلت إليه أوضاع المهنة من بؤس وظلم. ويضيف "إن زيادة الريجي لأسعار الشراء منا بنسبة 50 % الموسم الماضي وتثبيتها لهذا العام أيضاً لم تحل زنقنتنا، فأسعار الأسمدة ومياه الري وفلاحة الارض واليد العاملة ارتفعت، ولم تعد الأسعار تغطي تكاليف الزراعة (بدون احتساب تعبنا)، ولا بديل من زراعة الدخان فالزراعات البديلة كالحبوب والخضار تحتاج إلى مياه للري، واليوم أصبح سعر نقلة المياه 100 ألف ليرة".

كلفة الانتاج

دورة انتاج موسم الدخان مريرة وتمتد طوال السنة، تعمل العائلة بكل أفرادها من الفجر إلى النجر بدءً من الفلاحة الأولى فالثانية فالثالثة فالرابعة إلى زرع المشتل والمساكب ثم زرع الحقل فالقطاف والشك والنشر والتوضيب "التسفيط" وانتهاءً بتسليم المحصول إلى الريجي.

يقول المزارعون أن كلفة الموسم تصل إلى نسبة الثلث من مردود البيع وهي تتوزع على اجرة الارض وأجرة الفلاحة والري والنايلون والأسمدة الكيماوية والأدوية العلاجية كالبوطاس للوقاية من العدوى ويبلغ سعر القارورة 60 دولاراً يتقاسمها المزارعون فيما بينهم ويستخدمونها جماعيا والنقل والخيش والخيطان، ومعظم أسعار هذه المواد بالدولار ً. تشرح المزارعة وفاء اسماعيل معاناة النساء في الزراعة فالمزارعة  يبدأ عملها من الفجر في الحقل لقطاف أوراق الدخان ورقة ورقة ثم تنهمك بشك الدخان وتهوئته وتنشيفه وتوضيبه وقبل ذلك إعداد مساكب الزرع، بالإضافة إلى عملها المنزلي. وتقول "الموظف يبلغ يوما ما سن التقاعد أما نحن فننزل أطفالاً إلى الحقل وقبل أن نبلغ سن التقاعد نكون قد صرنا في القبر بسبب الأمراض والتعب"، تتابع "لا نريد تعويضاً لكن ليعطونا ضمانا صحيا حتى نتمكن من العلاج من دون ذل".

عن تحديات المهنة اليوم تقول وفاء "اعطونا 50 % زيادة على سعر المحصول طارت مع ارتفاع الأسعار، فقد قفز سعر كيس الكيماوي من 38 ألف  إلى 260 ألف ليرة ونقلة الزبل صارت بـ 300 ألف ليرة، لذلك حتى لو اعطونا زيادة 100 % على سعر الدخان لن نستطيع الصمود في ظل تحليق الدولار، وسنبقى نركض خلف الرغيف والرغيف يركض أمامنا، مثلنا مثل سائر المزارعين نعيش من قلة الموت" وتضيف:"لا أحد مرتاح في هذا البلد إلا  الكذاب والحرامي والسمسار" تجزم وفاء بأن "هذه الزراعة رايحة تنقرض، فإنْ احتجنا اليوم لمساعدة في الموسم فإننا لا نجد من يقبل أن يعمل معنا بالدخان".

أما عن نقابة مزارعي التبغ فتقول  "النقابة ولا شي، النقابة على مقاس الزعيم اللي ماشية وراه، لا تطالب بحقنا كرمال الزعيم، مَن يصدق أن زعيماً يطالب بحق مزارع فقير؟ الزعيم لا يعرفنا إلا  وقت الانتخابات"".

انتفاضة مزارعي التبغ 1972

بحسرة يتحدث ديب (مزارع تبغ من 32 عاماً)، ، عن معاناة مزارعي التبغ التي "وُلدت مع ولادة المهنة التي نجح المزارعون بتأسيس نقابة لهم بهدف صون حقوقهم، بعد نضال مرير للمزارعين بالتحالف مع سائر قطاعات الطبقة العاملة اللبنانية، شهد انتفاضات اتخذت طابعا عنفياً واهمها انتفاضة مزارعي التبغ 1972  في النبطية. التي سقط خلالها الشهيدان حسن حايك ونعمة درويش برصاص قوى الأمن أمام مدخل شركة الريجي في النبطية بالإضافة إلى 17 جريحا وحملة إعتقالات للقادة النقابيين.

إنتهت الانتفاضة حينها برضوخ السلطة لجزء كبير من مطالب أهمها زيادة سعر التبغ 20% والإفراج عن النقابيين فؤاد المقدم، وموسى شعيب، وحسن بدر الدين.ولعل الانتفاضة النقابية  أنذاك نبهت الإقطاعيين الجدد إلى خطورة العمل النقابي فوضعوا يدهم ليس فقط على نقابة مزارعي التبغ بل على الاتحاد العمالي العام برمته.

المصير قاتم وأسير تحالف مصالح رباعي

  يحدد  خليل ديب  وهو مناضل نقابي مؤسس تجمع مزارعي التبغ في الجنوب القوى المتحكمة اليوم بزراعة التبغ، ويوزعها تحالف  رباعي    يبدأ من.

الراعي السياسي للريجي أي حركة أمل حيث المشكلة الاكبر تكمن في تسلطها ، وهو دور كانت تلعبه تاريخياً زعامات الاقطاع السياسي ، وتحكمه بمنح الرخص واذونات زراعة التبغ وفق سياسة زبائنية قائمة على توزيع الرخص مقابل ضمان الولاءات السياسية. ومن ثم الريجي التي من عندها تستكمل الجريمة بترك مزارع التبغ بدون توصيف وظيفي يحمي حقوقه من رب عمله ويرتّب عليه واجبات تجاه الريجي، حتى يصبح كغيره من العمال

ويتابع ديب "الريجي والجهة السياسية التي تزعم أنها تدافع عن المحرومين، يربحونا جميلة من كيسنا، ولا نرى أي دعم لا من الريجي ولا من الطرف السياسي الوصي على الريجي والذي يتقاسم معها المداخيل في السر والعلن على ظهر المزارع وعرقه"

أما الطرف الثالث فكان المصارف التي دخلت بواسطة الريجي حين أجبرت المزارعين على فتح حسابات مصرفية خاصة بهم لقبض مستحقاتهم عن محاصيل التبغ، ومن ثم وعدت المزارعين بشراء كامل محصولهم. حينها قامت المصارف بإغراء المزارعين بفوائد استثمارية منخفضة بنسبة 2.5%.

وعود الريجي بشراء كامل المحصول والفوائد المغرية من المصارف دفعت المزارعين لسحب قروض لدعم إنتاجهم لكن الريجي تراجعت عن شراء كامل المحصول بنفس السعر والمصارف رفعت الفوائد إلى 13% ومن ثم 16.3% بحجج واهية واليوم بات المزارعون عاجزين عن تسديد الأقساط  بسبب الانهيار الاقتصادي مما سيعرض مستحقات المزارعين من الريجي إلى المصادرة من جانب المصارف.

أما الطرف الرابع في هذا التحالف فهو  نقابة مزارعي التبغ بقيادتها الحالية برئاسة حسن فقيه (المحسوب بقوة على أمل بعد أن شرّعت الابواب للوصاية السياسية وارتهان النقابة لقوى السلطة وبالتالي تمييع مطالب المزارعين المحقة.

يفصّل ديب: "عتبنا الاساسي على نقابة المزارعين الموجودة بالاسم والتي فقدت كل مبررات وجودها، وعندما نتواجه مع رئيسها ونسأله عن مطالبنا يرد علينا: "انا لو وقفت عليي ما بقبل بأقل من 100 ألف ليرة حق كيلو الدخان"، طيب كيف تترجم هذا التمني؟ وهل هذا يغنينا عن جوع؟ انت في موقعك للدفاع عن حقوقنا، دافع أو حيّد".                             

ويؤكد ديب أن "نقابة مزارعي التبغ منذ لم تعد تتحرك وتتابع مطالب المزارعين من لحظة تدجين الاتحاد العمالي العام، اللهم إلا  في آخر الموسم حين نسمع تصريحاً من رئيس النقابة أن الموسم كان جيداً والاسعار مقبولة نظرا لاوضاع الخزينة، وآخر مرة سمعناه يقول اننا نطالب برفع الأسعار 100 %، ثم اختفى الرئيس ولم يقم بأي ضغط لتحقيق هذا المطلب، هذا ضحك على الذقون إذ ما معنى المطالبة اذا لم تتبعها خطوات تصعيدية وتنظيم تحركات جدية".

يضيف " أن النقابة الحالية لا تقْدم على أي خطوة أن لم يكن يرضى بها رئيس حركة أمل الاستاذ نبيه بري، فزيادة الأسعار صارت مسألة سياسية ولم تعد مسألة حق للمزارع نظراً لارتفاع تكاليف الزراعة".

ويضيف ديب "لو أن هناك نقابة متل الخلق لكنا عملنا انتفاضة كانتفاضة الريجي عام 1973، وكي تنجح يجب أن تكون النقابة على رأسها، وعلى المزارع مسك قضيته بيده وإعلاء مطالبه على مسألة ارضاء زعيمه أو تفويضه للزعيم تحصيل حقوقه، لأن الزعيم لا يأتي بالحقوق وانما بإبر المورفين لا اكثر".

ويمكن إختصار مطالب مزارعي التبغ بالتالي:

- الضمان الصحي  

- تثبيت الرخص باسم المزارعين وجعلها دائمة (الأن تجدد سنوياً) أي تحويلها إلى حق مادي دائم كسند الملكية ليتمكن المزارع من توريثها لأبنائه أو حتى بيعها.

- استلام كامل المحصول.

 ربط الأسعار بمؤشر غلاء المعيشة وكي لا تبقى الزيادات على شكل صدَقة أو عطيّة من الزعيم السياسي 

علما أن الخزينة العامة هي من يدفعها.

- دعم الادوية والاسمدة الزراعية وقضبان البلاستيك والنايلون خصوصا وانها تباع للمزارعين بالدولار.

- انشاء صيدلية زراعية تقدم الادوية والمنشطات. 

- انشاء مختبرات لفحص التربة لحماية المحاصيل من التلف بفعل الامراض.

- تأمين مياه للري. 

  • المرصد

 

تأسست الريجي كشركة احتكارية خلال فترة الإنتداب الفرنسي ونال امتيازها  منه عام 1935،

وبعد الاستقلال تحولت إلى إدارة عامة تعمل تحت وصاية وزارة المال ويرأسها حاليا د. ناصيف سقلاوي المقرب من الرئيس نبيه بري. وبموجب المرسوم الاشتراعي رقم 151 تحتكر "الريجي" منح رُخص زراعة التبوغ ونقلها وتصنيعها وتصديرها واستيرادها وبيعها ومكافحة تهريبها.

أما الإيرادات فتتقاسمها الريجي مع الخزينة العامة، في العام 2019 بلغت حصة الدولة من الارباح الصافية 628 مليار ليرة لبنانية بالإضافة إلى مجموع ايرادات الخزينة الصافية (رسوم وضرائب وأرباح) 541 مليار خمسمائة واربعون مليار ليرة لبنانية.

 الرخَصة: وثيقة استملاك المزارعين

17400 رخصة تجيز  زراعة الدخان في الجنوب والبقاع الغربي. ولا تشكل هذه الرخص إمتيازا خاصا للمزارعين بل تجعلهم أسرى نظام تشغيل يفتقر إلى التوصيف الوظيفي، فهم مزارعون في الظاهر لكنهم  عمالاً بدوام متواصل على مدار العام عند رب عمل حصري يسمى ادارة حصر التبغ والتنباك (الريجي)، من دون عقد عمل صريح إلا  اذا اعتبرنا أن الرخص التي تمنحها الريجي للمزارعين هي عقد العمل بعينه. وهي علاقة ملتبسة فالرخصة لا تعطي المزارع الحرية في  بيع محصوله إلا لـ"الريجي". ويصير بذلك عمله رهينة لرب عمل حصري هو ؟"إدارة حصر التبغ والتنباك"

 التصريح بزراعة الدخان الذي تمنحة ادارة "الريجي"هو عقد جبري يحدد الواجبات ويفرض الشروط على المزارع ولا يعطيه بالمقابل الضمانات التي يحتاجها، فمزارعو التبغ محرومون من الانتساب إلى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وغير مشمولين بالتغطية الصحية (مرض وأمومة وتعويضات عائلية ومدرسية وطوارئ العمل) ولا يتقاضون تعويضات نهاية خدمة أو معاشاً تقاعديا عند بلوغهم السن القانونية،. وملزمون ببيع محصولهم للريجي وفق الكمية والسعر الذي تحدده لهم.

واقع زراعة التبغ في الجنوب

يستفيد من زراعة التبغ 25 ألف أسرة من بينهم 15 ألف أسرة في الجنوب. و تصل المساحة المزروعة بالتبغ جنوباً إلى حوالي 50 ألف دونم، يُنتج الدونم الواحد 100 – 150 كلغ من الدخان، ويبلغ عدد الرخص والاذونات في الجنوب اليوم 17400، جرى رفعها تباعاً منذ منتصف التسعينيات لكن المزارعين الفعليين من بين حائزي الرخص لا يتجاوزون الـ 13500 مزارع.  ومن المتوقع أن يخفض عددهم إلى 11 ألف.

حتى العام 2005 كانت الريجي تشتري كامل محصول الدخان من المزارعين بسعر 12 ألف ليرة للكيلو الواحد، لكنها وبحجة العجز المالي وندرة السيولة قررت تخفيض الكميات المشتراة والاكتفاء بشراء 100 كلغ فقط (عن الدونم الواحد) من كل صاحب إذن أو رخصة بـ 12 ألف ليرة للكيلو، وشراء الفائض (ما فوق الـ 100 كيلو/ دونم) بسعر 5 الاف ليرة فقط للكيلو. بفعل هذا القرار نشأت فئة سماسرة زراعين   (قرابة 4000 ) استفادوا من القرار/التنفيعة وباتوا يجنون أرباحهم " على ظهر المزارع الحقيقي، فهؤلاء لا يزرعون الدخان ولا يتحملون تكاليف زراعته ولا تعبه، فبينما يكدّ المزارعون الفعليون في حقولهم طوال العام لإنضاج شتلات التبغ ينتظرهم هؤلاء "السماسرة" على بارد المستريح ويشترون منهم الانتاج - الفائض- الجاهز  بـ 8000 – 9000 ليرة للكيلو ويقومون ببيعه للريجي بسعر 12000 ليرة على أساس أ نه من انتاجهم هم، وهو أمر غير خافٍ على احد بمن فيهم النقابة وادارة الريجي. بسبب الانهيار الاقتصادي رفعت الريجي سعر كيلو الدخان في الموسم الماضي بنسبة 50 %، واشترته من المزارع بـ 22000 ليرة وسطي بدل 12000 ليرة للكيلو وهذا الموسم ستشتري الكيلو بـ 27000 ، ليرتفع بذلك سعر الفائض إلى 15 ألف ليرة للكيلو وتتضاعف معها أرباح السماسرة على حساب المزارعين

هذه التنفعات لا تقتصر على حرمان المزارعين من حقهم في بيع كامل محصولهم، وتحويل جزء من إنتاجهم لصالح سماسرة زراعين، بل تحرم الخزينة العامة وكل اللبنانيين من إيرادات إضافية بسبب إنخفاض الانتاج الزراعي. حيث يفضل المنتفعون شراء المحصول وبيعه بدل من عناء زراعته

تراجع ايرادات الريجي (مئات المليارات ل.ل)

ومن المرجح أن تنخفض الإيرادات بشكل أكبر خلال السنوات المقبلة حيث يؤكد المزارع خليل ديب وعضو "تجمع مزارعي التبغ" أن الموسم هذا العام لن يتجاوز 1500 - 1700 طن من الدخان مقابل 5000 –6000 للعام 2019، لأن زراعة الدخان لم تعد تطعم خبزاً ولأن المزارع ملّ ويئس من كونه يتعب بالمجان". ويضيف "فليبقوا على السعر كما هو وليدعمونا  بالسماد والضمان الصحي والمنح المدرسية، ماذا تتكلف وزارة التربية لو أعفت مزارعي التبغ من رسوم التسجيل في المدارس الرسمية؟ وماذا ينقص نقابة حسن فقيه أن تتبنى هذا المطلب؟".

يضيف "كلفة الدونم اليوم حوالي 3 ملايين ليرة بين فلاحة وري وأسمدة وأيدٍ عاملة (على دولار 1500 ليرة)، وحتى يربح المزارع ما يؤمن له عيشاً كريماً على الريجي أن تشتري منه كيلو الدخان ب 50 ألف ليرة، ويجب أن لا ننسى أن الريجي تبيع تبغنا للخارج بالدولار الاميركي وباسعار عالية".

كلام ديب يؤكده مصطفى عمار مزارع التبغ منذ 31 عاماً، الذي قضى عمره في زراعة التبغ ، والذي يؤكد أنه يحب عمله لكنه حزين لما آلت إليه أوضاع المهنة من بؤس وظلم. ويضيف "إن زيادة الريجي لأسعار الشراء منا بنسبة 50 % الموسم الماضي وتثبيتها لهذا العام أيضاً لم تحل زنقنتنا، فأسعار الأسمدة ومياه الري وفلاحة الارض واليد العاملة ارتفعت، ولم تعد الأسعار تغطي تكاليف الزراعة (بدون احتساب تعبنا)، ولا بديل من زراعة الدخان فالزراعات البديلة كالحبوب والخضار تحتاج إلى مياه للري، واليوم أصبح سعر نقلة المياه 100 ألف ليرة".

كلفة الانتاج

دورة انتاج موسم الدخان مريرة وتمتد طوال السنة، تعمل العائلة بكل أفرادها من الفجر إلى النجر بدءً من الفلاحة الأولى فالثانية فالثالثة فالرابعة إلى زرع المشتل والمساكب ثم زرع الحقل فالقطاف والشك والنشر والتوضيب "التسفيط" وانتهاءً بتسليم المحصول إلى الريجي.

يقول المزارعون أن كلفة الموسم تصل إلى نسبة الثلث من مردود البيع وهي تتوزع على اجرة الارض وأجرة الفلاحة والري والنايلون والأسمدة الكيماوية والأدوية العلاجية كالبوطاس للوقاية من العدوى ويبلغ سعر القارورة 60 دولاراً يتقاسمها المزارعون فيما بينهم ويستخدمونها جماعيا والنقل والخيش والخيطان، ومعظم أسعار هذه المواد بالدولار ً. تشرح المزارعة وفاء اسماعيل معاناة النساء في الزراعة فالمزارعة  يبدأ عملها من الفجر في الحقل لقطاف أوراق الدخان ورقة ورقة ثم تنهمك بشك الدخان وتهوئته وتنشيفه وتوضيبه وقبل ذلك إعداد مساكب الزرع، بالإضافة إلى عملها المنزلي. وتقول "الموظف يبلغ يوما ما سن التقاعد أما نحن فننزل أطفالاً إلى الحقل وقبل أن نبلغ سن التقاعد نكون قد صرنا في القبر بسبب الأمراض والتعب"، تتابع "لا نريد تعويضاً لكن ليعطونا ضمانا صحيا حتى نتمكن من العلاج من دون ذل".

عن تحديات المهنة اليوم تقول وفاء "اعطونا 50 % زيادة على سعر المحصول طارت مع ارتفاع الأسعار، فقد قفز سعر كيس الكيماوي من 38 ألف  إلى 260 ألف ليرة ونقلة الزبل صارت بـ 300 ألف ليرة، لذلك حتى لو اعطونا زيادة 100 % على سعر الدخان لن نستطيع الصمود في ظل تحليق الدولار، وسنبقى نركض خلف الرغيف والرغيف يركض أمامنا، مثلنا مثل سائر المزارعين نعيش من قلة الموت" وتضيف:"لا أحد مرتاح في هذا البلد إلا  الكذاب والحرامي والسمسار" تجزم وفاء بأن "هذه الزراعة رايحة تنقرض، فإنْ احتجنا اليوم لمساعدة في الموسم فإننا لا نجد من يقبل أن يعمل معنا بالدخان".

أما عن نقابة مزارعي التبغ فتقول  "النقابة ولا شي، النقابة على مقاس الزعيم اللي ماشية وراه، لا تطالب بحقنا كرمال الزعيم، مَن يصدق أن زعيماً يطالب بحق مزارع فقير؟ الزعيم لا يعرفنا إلا  وقت الانتخابات"".

انتفاضة مزارعي التبغ 1972

بحسرة يتحدث ديب (مزارع تبغ من 32 عاماً)، ، عن معاناة مزارعي التبغ التي "وُلدت مع ولادة المهنة التي نجح المزارعون بتأسيس نقابة لهم بهدف صون حقوقهم، بعد نضال مرير للمزارعين بالتحالف مع سائر قطاعات الطبقة العاملة اللبنانية، شهد انتفاضات اتخذت طابعا عنفياً واهمها انتفاضة مزارعي التبغ 1972  في النبطية. التي سقط خلالها الشهيدان حسن حايك ونعمة درويش برصاص قوى الأمن أمام مدخل شركة الريجي في النبطية بالإضافة إلى 17 جريحا وحملة إعتقالات للقادة النقابيين.

إنتهت الانتفاضة حينها برضوخ السلطة لجزء كبير من مطالب أهمها زيادة سعر التبغ 20% والإفراج عن النقابيين فؤاد المقدم، وموسى شعيب، وحسن بدر الدين.ولعل الانتفاضة النقابية  أنذاك نبهت الإقطاعيين الجدد إلى خطورة العمل النقابي فوضعوا يدهم ليس فقط على نقابة مزارعي التبغ بل على الاتحاد العمالي العام برمته.

المصير قاتم وأسير تحالف مصالح رباعي

  يحدد  خليل ديب  وهو مناضل نقابي مؤسس تجمع مزارعي التبغ في الجنوب القوى المتحكمة اليوم بزراعة التبغ، ويوزعها تحالف  رباعي    يبدأ من.

الراعي السياسي للريجي أي حركة أمل حيث المشكلة الاكبر تكمن في تسلطها ، وهو دور كانت تلعبه تاريخياً زعامات الاقطاع السياسي ، وتحكمه بمنح الرخص واذونات زراعة التبغ وفق سياسة زبائنية قائمة على توزيع الرخص مقابل ضمان الولاءات السياسية. ومن ثم الريجي التي من عندها تستكمل الجريمة بترك مزارع التبغ بدون توصيف وظيفي يحمي حقوقه من رب عمله ويرتّب عليه واجبات تجاه الريجي، حتى يصبح كغيره من العمال

ويتابع ديب "الريجي والجهة السياسية التي تزعم أنها تدافع عن المحرومين، يربحونا جميلة من كيسنا، ولا نرى أي دعم لا من الريجي ولا من الطرف السياسي الوصي على الريجي والذي يتقاسم معها المداخيل في السر والعلن على ظهر المزارع وعرقه"

أما الطرف الثالث فكان المصارف التي دخلت بواسطة الريجي حين أجبرت المزارعين على فتح حسابات مصرفية خاصة بهم لقبض مستحقاتهم عن محاصيل التبغ، ومن ثم وعدت المزارعين بشراء كامل محصولهم. حينها قامت المصارف بإغراء المزارعين بفوائد استثمارية منخفضة بنسبة 2.5%.

وعود الريجي بشراء كامل المحصول والفوائد المغرية من المصارف دفعت المزارعين لسحب قروض لدعم إنتاجهم لكن الريجي تراجعت عن شراء كامل المحصول بنفس السعر والمصارف رفعت الفوائد إلى 13% ومن ثم 16.3% بحجج واهية واليوم بات المزارعون عاجزين عن تسديد الأقساط  بسبب الانهيار الاقتصادي مما سيعرض مستحقات المزارعين من الريجي إلى المصادرة من جانب المصارف.

أما الطرف الرابع في هذا التحالف فهو  نقابة مزارعي التبغ بقيادتها الحالية برئاسة حسن فقيه (المحسوب بقوة على أمل بعد أن شرّعت الابواب للوصاية السياسية وارتهان النقابة لقوى السلطة وبالتالي تمييع مطالب المزارعين المحقة.

 

يفصّل ديب: "عتبنا الاساسي على نقابة المزارعين الموجودة بالاسم والتي فقدت كل مبررات وجودها، وعندما نتواجه مع رئيسها ونسأله عن مطالبنا يرد علينا: "انا لو وقفت عليي ما بقبل بأقل من 100 ألف ليرة حق كيلو الدخان"، طيب كيف تترجم هذا التمني؟ وهل هذا يغنينا عن جوع؟ انت في موقعك للدفاع عن حقوقنا، دافع أو حيّد".                            

ويؤكد ديب أن "نقابة مزارعي التبغ منذ لم تعد تتحرك وتتابع مطالب المزارعين من لحظة تدجين الاتحاد العمالي العام، اللهم إلا  في آخر الموسم حين نسمع تصريحاً من رئيس النقابة أن الموسم كان جيداً والاسعار مقبولة نظرا لاوضاع الخزينة، وآخر مرة سمعناه يقول اننا نطالب برفع الأسعار 100 %، ثم اختفى الرئيس ولم يقم بأي ضغط لتحقيق هذا المطلب، هذا ضحك على الذقون إذ ما معنى المطالبة اذا لم تتبعها خطوات تصعيدية وتنظيم تحركات جدية".

يضيف " أن النقابة الحالية لا تقْدم على أي خطوة أن لم يكن يرضى بها رئيس حركة أمل الاستاذ نبيه بري، فزيادة الأسعار صارت مسألة سياسية ولم تعد مسألة حق للمزارع نظراً لارتفاع تكاليف الزراعة".

ويضيف ديب "لو أن هناك نقابة متل الخلق لكنا عملنا انتفاضة كانتفاضة الريجي عام 1973، وكي تنجح يجب أن تكون النقابة على رأسها، وعلى المزارع مسك قضيته بيده وإعلاء مطالبه على مسألة ارضاء زعيمه أو تفويضه للزعيم تحصيل حقوقه، لأن الزعيم لا يأتي بالحقوق وانما بإبر المورفين لا اكثر".

ويمكن إختصار مطالب مزارعي التبغ بالتالي:

- الضمان الصحي  

- تثبيت الرخص باسم المزارعين وجعلها دائمة (الأن تجدد سنوياً) أي تحويلها إلى حق مادي دائم كسند الملكية ليتمكن المزارع من توريثها لأبنائه أو حتى بيعها.

- استلام كامل المحصول.

 ربط الأسعار بمؤشر غلاء المعيشة وكي لا تبقى الزيادات على شكل صدَقة أو عطيّة من الزعيم السياسي 

علما أن الخزينة العامة هي من يدفعها.

- دعم الادوية والاسمدة الزراعية وقضبان البلاستيك والنايلون خصوصا وانها تباع للمزارعين بالدولار.

- انشاء صيدلية زراعية تقدم الادوية والمنشطات. 

- انشاء مختبرات لفحص التربة لحماية المحاصيل من التلف بفعل الامراض.

- تأمين مياه للري. 

 

النقابة البديلة

 يتحدث ديب عن محاولات جديدة لإطلاق إطار نقابي جديد قائلا "لما قطعنا الامل من نقابة مزارعي التبغ ويئسنا من قيامها بأية مبادرة لوضع خطة نضالية لانتزاع حقوقنا، قلنا لا يحك جلدك إلا  ظفرك، ولأننا لا نستطيع المراهنة على سراب، تداعينا كمزارعين موجوعين، من شقرا وعيترون وتولين ومارون والجميجمة ومحبيب والسلطانية وغيرها وأنشأنا "تجمع مزارعي التبغ في الجنوب" واستحصلنا على ترخيص من وزارة العمل، وبلغ عدد المنتسبين (فعلياً) للتجمع نحو 600 مزارع".

يضيف ديب "نحن لا تنجنى على احد وليس هدفنا المناكفة السياسية مع أي جهة، نطرح مطالبنا المزمنة، معاناتنا آخذة بالتفاقم ونحن اكثر قطاع تأثراً بالانهيار الاقتصادي وانخفاض قيمة الليرة، نطالب بتخفيف معاناتنا واخذ بدل تعبنا".

ويذكر "نحن لم ننتسب لنقابة مزارعي التبغ، ليس كرها بها بل لأننا لم نسمع يوماً بفتح باب الانتساب لعضويتها ولم تُجه لنا دعوة لاجتماع هيئة عامة، فالنقابة مقفلة العضوية وهي شبه وهمية، لا نعرف من هم المنتسبون لها، ولا نسمع عن جمعيات عمومية تعقدها، وبالتالي هي فاقدة للشرعية".

يسأل ديب "هل يعقل اننا لا نسمع بانتخابات نقابة مزارعي التبغ على غرار نقابات المهندسين أو المحامين مثلاً، ومنذ اكثر من 20 سنة وانا اسمع أن حسن فقيه هو رئيس النقابة ويقوم بترتيب المحاصصة مع الاطراف الاخرى، وبناء عليه يشغل منصب نائب رئيس الاتحاد العمالي العام، وانا اتحدى فقيه واعضاء نقابته بنشر اسماء واعداد الهيئة العامة والمنتسبين للنقابة وجداول تسديد اشتراكاتهم واليات الترشح، وكيف تتم عملية الانتخاب في النقابة؟".

ويؤكد "لسنا هواة اعتراض، أو الجلوس على الكراسي لكننا سنستمر في النضال حتى تحقيق مطابنا المحقة، ولن نتراجع طالما اننا مظلومون ولنا حقوقا مهدورة فالساكت عن الحق شيطان اخرس، واننا نحمّل التركيبة السياسية القائمة المسؤولية عن معاناتنا وعن سقوط البلد وافلاس المؤسسات والمصانع وصرف العمال والبطالة قد تصل إلى 70 %، والدولار تجاوز ال 25 ألف ليرة، على أي مسؤولين أو نواب سنراهن؟".

 

يجزم عمار "العمل من داخل النقابة في ظل القيادة الحالية صعب، لأنها من لون سياسي واحد، وتأتمر من السلطة، وحالها كحال الاتحاد العمالي عندما يقرر التحرك تأتيه الاوامر السياسية فيلغي تحركه".

يضيف "لأننا نريد نقابة مستقلة عن القوى السياسية يكون قرارها نابع من مصلحة المزارع، انشأنا اطاراً بديلاً "تجمع مزارعي التبغ في الجنوب"، حتى الان لم نلقَ التجاوب المطلوب من المزارعين بسبب ضعف الامكانيات من جهة وارتهان معظم المزارعين للراعي السياسي الذي يستخدم الرخص والتقديمات المحدودة من الريجي كرشوة تمنع التوحد في اطار نقابي فعال ومؤثر".

 

النقابة البديلة

 يتحدث ديب عن محاولات جديدة لإطلاق إطار نقابي جديد قائلا "لما قطعنا الامل من نقابة مزارعي التبغ ويئسنا من قيامها بأية مبادرة لوضع خطة نضالية لانتزاع حقوقنا، قلنا لا يحك جلدك إلا  ظفرك، ولأننا لا نستطيع المراهنة على سراب، تداعينا كمزارعين موجوعين، من شقرا وعيترون وتولين ومارون والجميجمة ومحبيب والسلطانية وغيرها وأنشأنا "تجمع مزارعي التبغ في الجنوب" واستحصلنا على ترخيص من وزارة العمل، وبلغ عدد المنتسبين (فعلياً) للتجمع نحو 600 مزارع".

يضيف ديب "نحن لا تنجنى على احد وليس هدفنا المناكفة السياسية مع أي جهة، نطرح مطالبنا المزمنة، معاناتنا آخذة بالتفاقم ونحن اكثر قطاع تأثراً بالانهيار الاقتصادي وانخفاض قيمة الليرة، نطالب بتخفيف معاناتنا واخذ بدل تعبنا".

ويذكر "نحن لم ننتسب لنقابة مزارعي التبغ، ليس كرها بها بل لأننا لم نسمع يوماً بفتح باب الانتساب لعضويتها ولم تُجه لنا دعوة لاجتماع هيئة عامة، فالنقابة مقفلة العضوية وهي شبه وهمية، لا نعرف من هم المنتسبون لها، ولا نسمع عن جمعيات عمومية تعقدها، وبالتالي هي فاقدة للشرعية".

يسأل ديب "هل يعقل اننا لا نسمع بانتخابات نقابة مزارعي التبغ على غرار نقابات المهندسين أو المحامين مثلاً، ومنذ اكثر من 20 سنة وانا اسمع أن حسن فقيه هو رئيس النقابة ويقوم بترتيب المحاصصة مع الاطراف الاخرى، وبناء عليه يشغل منصب نائب رئيس الاتحاد العمالي العام، وانا اتحدى فقيه واعضاء نقابته بنشر اسماء واعداد الهيئة العامة والمنتسبين للنقابة وجداول تسديد اشتراكاتهم واليات الترشح، وكيف تتم عملية الانتخاب في النقابة؟".

ويؤكد "لسنا هواة اعتراض، أو الجلوس على الكراسي لكننا سنستمر في النضال حتى تحقيق مطابنا المحقة، ولن نتراجع طالما اننا مظلومون ولنا حقوقا مهدورة فالساكت عن الحق شيطان اخرس، واننا نحمّل التركيبة السياسية القائمة المسؤولية عن معاناتنا وعن سقوط البلد وافلاس المؤسسات والمصانع وصرف العمال والبطالة قد تصل إلى 70 %، والدولار تجاوز ال 25 ألف ليرة، على أي مسؤولين أو نواب سنراهن؟".

 

يجزم عمار "العمل من داخل النقابة في ظل القيادة الحالية صعب، لأنها من لون سياسي واحد، وتأتمر من السلطة، وحالها كحال الاتحاد العمالي عندما يقرر التحرك تأتيه الاوامر السياسية فيلغي تحركه".

يضيف "لأننا نريد نقابة مستقلة عن القوى السياسية يكون قرارها نابع من مصلحة المزارع، انشأنا اطاراً بديلاً "تجمع مزارعي التبغ في الجنوب"، حتى الان لم نلقَ التجاوب المطلوب من المزارعين بسبب ضعف الامكانيات من جهة وارتهان معظم المزارعين للراعي السياسي الذي يستخدم الرخص والتقديمات المحدودة من الريجي كرشوة تمنع التوحد في اطار نقابي فعال ومؤثر".

 

 

 

المرصد – شبكة عملي – حقوقي - بيروت

ريان عيسى

19-7-2021


في ظل الانهيار المالي والاقتصادي، والارتفاع الجنوني لسعر صرف الدولار وانهيار العملة الوطنية يعاني عمال الأفران مثلهم مثل الغالبية العظمى من سكان لبنان، إذ إنّ أكثرية هؤلاء مياومين، وأجورهم فقدت قيمتها ولم يعد بإمكانهم تأمين الحاجات الضرورية لاستمرارهم في العيش الكريم.
تختلف أجور عمال الأفران باختلاف وظيفة العامل فيها، فهناك عمال يقبضون أجورهم يوميا حسب كمية أكياس الطحين التي تعجن في اليوم الواحد في الفرن أو حسب عدد أكياس النايلون التي تعبّأ بالأرغفة أو حسب عدد أكياس الخبز التي توزّع على محال البقالة والسوبرماركت والتعاونيات وهؤلاء هم العجّانون والعاملون على الطاولة في تعبئة أكياس النايلون والموزعين أو السائقين وآخرون بأجر شهري وهؤلاء هم العاملون والعاملات في صالات البيع في الأفران.
يتقاضى العجّان يوميا بين 1800 ل.ل. و2000 ل.ل. على كل كيس طحين يعجنه، وهو يعجن في اليوم الواحد بين 40 و50 كيس في الأفران الكبيرة والمتوسطة بينما في الأفران الصغيرة لا يتعدى 20 كيس طحين. وضبيب أو موضب الخبز في أكياس النايلون أو عامل الطاولة يقبض بين 1500 ل.ل. إلى 1800 ل.ل. على كيس الطحين، والعاملين في الصالات يتقاضون بين مليون ومليون ومائة ألف ل.ل. شهريا
ولمعرفة وضع عمال الأفران عن كثب سألنا بعض العمال والعاملات عن أوضاعهم في ظل الظروف الحالية:
يقول سامي وهو عامل فرن منذ أكثر من 27 سنة: "أعمل 12 ساعة يوميا، دون راحة أثناء ساعات العمل، ودون إجازة أسبوعية، ودون احتساب ساعات عمل إضافية له، أتقاضى بحدود 80 ألف ل.ل. يوميا، قبل الانهيار كان معاشي يساوي 1700$ شهريا ومع كل التعب كنت مرتاحا أنا وعيلتي، اليوم أصبح معاشي أقل من 120$، ولا أعرف كم سيصبح غدا أو بعده، أنا خائف من الأيام القادمة فهي لا تبشّر بالخير".
وأما زهير وهو عامل فرن منذ 15 سنة فيقول: "أعمل على مدار السنة بشكل متواصل دون إجازات أسبوعية ودون أعياد، أقبض يوميا 70 ألف ل.ل. قبل الأزمة كنت أتقاضى يوميا 35 ألف ل.ل. كنت مرتاحا نسبيا ووضعي لا بأس به. اليوم تضاعفت أجرتي اليومية لكن مستوى معيشتي وعائلتي تراجع ونعيش على الضروريات نحن الآن في الحضيض، والمعاش لا يكفينا ولا أعلم ماذا أفعل إذا استمر الوضع هكذا".
في حين تقول غادة عاملة وهي عاملة صالة في فرن منذ 4 سنوات: "بدأت العمل براتب 700 ألف ل. ل.، والنقل مؤمن على حساب صاحب العمل، وأرتاح يوم واحد في الأسبوع، اليوم أقبض مليون ومئة ألف ل.ل. بعد أن زاد لي صاحب الفرن معاشي مرتين بسبب انهيار سعر صرف الليرة، ولكن هذا الزيادة لا تقدم ولا تؤخّر، وفي كلّ الحالات سوف يحسمها صاحب العمل من أي زيادة تقرها الدولة، وفي ظل ارتفاع سعر صرف الدولار وارتفاع الأسعار بالكاد أستطيع تأمين الأكل والشرب، وقليلا من البندورة والخيار وبعض الخضروات".

وعن وضع عمال الأفران يقول رئيس نقابة عمال المخابز في بيروت وجبل لبنان السيد شحادة المصري: "لم يطبق قانون العمل اللبناني لغاية اليوم على عمال الأفران، وهذا سبب رئيسي لترك غالبية العمال اللبنانيين العمل في الأفران، باستثناء القلة القليلة التي استمرت في عملها ويعود السبب للعمل المرهق في الأفران ودوام العمل الذي يمتد أكثر من 12 ساعة عمل في اليوم الواحد، دون ساعة راحة حسب قانون العمل ودون دفع ساعات عمل إضافية إذ يعتبر أصحاب الأفران الأجر الذي يتقاضاه العامل متضمنا ساعات العمل الإضافية، وجميع عمال الأفران يعملون 365 يوما متواصلا في السنة؛ إذ لا يأخذ العامل إجازة أسبوعية، أو سنوية أو مرضية، أو أعياد ولا بدل نقل، ولا منح تعليمية. باستثناء عمال الصالات في الأفران هؤلاء يأخذون إجازة أسبوعية".
ويضيف: "النقابة طالبت مرارا وتكرا وزارة العمل بتشكيل لجنة ثلاثية من النقابة ووزارة العمل وأصحاب العمل لتنظيم العلاقة التعاقدية بين العمال وأصحاب العمل، وهذا مطلب مطروح من النقابة عمره عشرات السنين ولم تستجب له وزارة العمل لغاية اليوم. وعدم التنظيم هذا ساهم بشكل كبير في ترك العمال اللبنانيين العمل في الأفران وحلول عمال غير اللبنانيين مكانهم ولكن بشروط عمل أقل ما يقال فيها أنها مجحفة وغير نظامية".
وبالنسبة للصحة والسلامة المهنية للعمال يقول: "الأفران الحديثة تلتزم بالصحة والسلامة المهنية للعمال في مكان العمل، بينما الأفران القديمة لا تحترم شروط ومعايير الصحة والسلامة المهنية، وهناك غياب للرقابة والتفتيش من قبل وزارة العمل والوزارات المعنية مثل وزارة الصحة وغيرها في هذا المجال".
وعن الإقفال والتعبئة العامة والأزمة المالية يقول: "أثّر الإقفال والتعبئة العامة والأزمة المالية والاقتصادية على عمال الأفران خاصة منهم الذين يعملون في الأفران الواقعة على الطرق الدولية، إذ صرف عدد كبير من الأفران عمالهم نتيجة تراجع المبيعات، كما أثر الانهيار على العمال الذين يعملون في أفران الكعك والمعجنات إذ صرف عدد كبير نتيجة إقفال تلك الأقران بسبب غلاء أسعار الطحين وتهريبه وبيعه في السوق السوداء وغلاء أسعار المواد التي تدخل في صناعة المعجنات

قبل الانهيار المالي والاقتصادي وارتفاع سعر صرف الدولار كان يعمل في الأفران عدد كبير من العمال الأجانب من جنسيات بنغلادشية ومصرية وغيرهم في الأفران، وكانوا يتقاضون بحدود 350 دولار، وهذا الأجر كان آنذاك أقل من الحد الأدنى، وبعد الانهيار تم صرف هؤلاء العمال وغادر قسم كبير منهم لبنان نتيجة ارتفاع سعر صرف الدولار وكلفتهم التي أصبحت غالية على أصحاب الأفران، واستبدلوا بعمال سوريين أو لبنانيين الذين باتت أجورهم أقل من العمال الأجانب. في حين كان أصحاب الأفران قبل الانهيار يستبدلون العمال اللبنانيين بأجانب أصبحوا اليوم يطلبون العمال اللبنانيين للعمل في الأفران نظرا لأجورهم المتدنية نتيجة التضخم.
في لبنان حوالي 240 فرن للخبز، وهؤلاء يأخذون طحين وسكر من وزارة الاقتصاد بأسعار مدعومة ويعمل في هذه الأفران آلاف من العمال ولكن غالبيتهم غير مسجلين في الضمان الاجتماعي. كما أنّ غالبية العمال السوريين العاملين في الأفران غير نظاميين إذ ليس لديهم إجازات عمل وغير مسجلين في الضمان الاجتماعي.
وعن وضع عمال الأفران في الضمان يقول نقيب عمال المخابز السيد شحادة المصري: "هناك نوعان من الضمان اليوم:
1- حسب اتفاقية بين الضمان الاجتماعي وأصحاب الأفران يدفع أصحاب الأفران للضمان عن كل طن طحين (1000كلغ) 25 ألف ل.ل. وهذا يسمح بتسجيل العمال اللبنانيين والأجانب في الضمان لأنّ اشتراك الضمان استوفي سلفا بغض النظر عن عدد العمال، وهنا يلجأ بعض أصحاب الأفران لعدم تسجيل العمال الأجانب في الضمان، ويسجلون بدلا منهم عمال لبنانيين يعرفونهم ولا يعملون في الأفران إنما ليستفيدوا من الضمان والاستشفاء، لا بل وقد يستوفون منهم بدل اشتراك الضمان شهريا ويقبضون بدلا عنهم التعويض العائلي.
2- النوع الثاني من الضمان هو الخضوع العادي للضمان أي يدفع صاحب الفرن الاشتراك المتوجّب عليه عن كل عامل يعمل عنده وهنا يلجأ أصحاب الأفران لتسجيل العمال بالحد الأدنى للأجور أو أكثر بقليل، كي لا يدفعوا الاشتراكات على الأجر الفعلي، وحتى أنهم لا يسجلوا العمال اللبنانيين غير المتزوجين إنما المتزوجين فقط كي يستفيدوا من التعويض العائلي ويضعونه في جيوبهم بدل زن يدفعوه للعمال، حتى أن بعض أصحاب الأفران يحمّلون اشتراكات الضمان المتوجبة عليهم للعمال ويحسمونها من رواتبهم".
قبل الانهيار المالي والاقتصادي كان عمال المخابز والأفران يعانون من نقص فاضح في حقوقهم، ومن تهرب أصحاب العمل من تطبيق قانون العمل اللبناني عليهم. وفي ظل الانهيار تضاعفت معاناتهم وزاد عليها عدم وجود مظلة حماية اجتماعية تحميهم، وأصبحوا خائفين على مصيرهم ومستقبلهم ومستقبل عائلاتهم مثلهم مثل الغالبية العظمى من سكان لبنان، فهل تكون الأيام القادمة فرج عليهم أم تضيف إلى معاناتهم مآسي جديدة؟

 

 

 

 

  • المرصد

 

ريان عيسى - أعلنت "بيتزا هات Pizza Hut" إغلاق فروعها في لبنان بسبب الآثار الشديدة للانهيار الاقتصادي والمالي، والتي تفاقمت بسبب تفشي جائحة كورونا الذي حدث مع بداية عام 2020.

لم يكن هذا مفاجئًا، إذ أن شركات أخرى توظف مئات العمال في جميع أنحاء لبنان أعلنت أنها ستغلق أبوابها أمام العملاء والزبائن. ولكن ماذا يعني هذا بالضبط؟

وصل امتياز شركة "بيتزا هات" إلى لبنان مع النصف الأول من بداية تسعينيات القرن الماضي، وبالتحديد منذ أكثر من 27 عامًا، ومع الوقت انتشرت فروع الشركة لتزيد عن 27 فرعًا في جميع أنحاء لبنان، ووظفت أكثر من 450 موظفًا من مديرين وموظفي مطبخ ونُدُل (waiters) ومع تنامي الأزمة الاقتصادية تراجعت إلى 10 فروع وإلى أقل من 200 موظف وقت تاريخ كتابة هذا التقرير.  

بدأ سوق "الامتياز (Franchise)" في لبنان بظهور نمو ملحوظ في أواخر التسعينيات من القرن الماضي أي في نفس الوقت الذي تم فيه إطلاق بيتزا هات في لبنان. ووفقًا لموقع privacyshield.gov، يتألف سوق الامتياز في لبنان اليوم من حوالي. 44٪ شركات أوروبية و 38٪ شركات أمريكية و 13٪ شركات كندية. توظف هذه الامتيازات 100000 عامل وعاملة وموظف وموظفة يساهمون في 1.5 مليار دولار ويشكلون حوالي 14 ٪ من إجمالي الناتج المحلي اللبناني.

إعلان "بيتزا هات" التوقف عن العمل لا يعني خروجها من السوق اللبنانية بشكل نهائي، إنما هي تنتظر عودة الحالة الاقتصادية إلى طبيعتها لتعود إلى السوق. وما يؤكد هذا، هو أنّ أحد المستثمرين الجدد عمد إلى شراء الامتياز بمبلغ 3.5مليون دولار تقريبا واتخذ قراره بإقفال فروع الشركة وصرف الموظفين والعمال، وهذه تعتبر في سوق الـ Franchise صفقة مربحة، إذا لو أراد ذات المستثمر شراؤه قبل 4 سنوات لكان المبلغ قد زاد على ثلاثة أضعاف ما دفعه حاليا.

إذا كانت الصفقة مربحة بالنسبة للمستثمر الجديد، فإنها مستقبل غامض، ومصير غير معروف، للموظفين والعمال الذين استثمروا عقودا من حياتهم في هذه الشركة، وهم ليس لديهم أيّ رأي في مستقبلهم ولا صوت لهم. هؤلاء انضموا مع إعلان التوقف عن العمل الذي نشرته الشركة على وسائل التواصل الاجتماعي إلى جيش العاطلين عن العمل، وإلى مصير مجهول.

 

الانقسام الطبقي يزداد سوءًا، والطبقة الوسطى باتت وجودها نادر عمليًا. تنخفض قيمة الليرة اللبنانية يوماً بعد يوم بسبب فشل الإجراءات النقدية والمالية للمصرف المركزي وندرة العملات الأجنبية في السوق السوداء التي يتلاعب بها الصرافون أيضاً. علاوة على ذلك كله، لا يستطيع الناس الوصول إلى حسابات التوفير الخاصة بهم (بسبب مزيج رهيب من قطاع مصرفي فاشل - وهي فظائع تم توثيقها جيدًا - وتجريد الأفراد من القوة الشرائية وجعل وصولهم إلى الضروريات الأساسية مثل الماء والغذاء والكهرباء يكاد يصبح مع الوقت بالغ الصعوبة إن لم يكن مستحيلاً).

بالطبع، لم تكن "بيتزا هات" الأولى التي تقفل، ولن تكون الأخيرة طالما الانهيار متواصل دون أفق، والموظفون والعمال لن يكونوا الأخيرين الذين سينضمون إلى جيش الفقراء إن لم يكن آنيا فمع الوقت، ولكنه في الوقت ذاته ستكون سوق "الامتياز Franchise) رابحة للمستثمرين الجدد، وهؤلاء سينتظرون عودة السوق إلى طبيعتها ليحققوا أرباحا من استثماراتهم وإن انتظروا لبعض الوقت. 

 

رنين إدريس

المرصد- تتجه مؤسسة الضمان الإجتماعي للمضي في التدقيق المالي في حسابات الصندوق بعد إقرار دفتر الشروط الخاص بحسب ما أعلن المكتب الإعلامي لوزيرة العمل "لميا يمين". التدقيق المالي يأتي في إطار تحقيق مبدأ الشفافية، في وقت فشلت السلطة السياسية اللبنانية في الشروع في التدقيق الجنائي والمالي في مؤسسات وإدارات الدولة كما في مصرف لبنان. وبالرغم من أن هذا المطلب هو الأول على مستوى الإصلاحات، إلا أن مؤسسة الضمان في وضعها الحالي تحتاج إلى "نفضة إصلاحات" خصوصا لناحية التدقيق المالي، الذي هو في الأساس مهمة تقع على عاتق اللجنة الفنية المؤلفة من ثلاثة أعضاء إنتهت ولاية إثنين منهم منذ 10 سنوات، أما رئيس اللجنة فتنتهي مدة ولايته خلال شهرين، وهو أصلا لا يتمتع بالصلاحيات الكافية للتدقيق في قطع الحساب التابع لموازنة الضمان في ظل غياب الأعضاء.

الوزيرة يمين  والوزراء المتعاقبين على وزارة العمل تناسوا عن قصد أو غير قصد ضرورة تفعيل اللجنة الفنية المعطلة، أو تعيين رئيس وأعضاء جدد بعد التحايل على القانون وإخضاع المؤسسة لقانون التوظيف عبر مجلس الخدمة المدنية، الأمر الذي منع التوظيف تطبيقا للسياسة التي فرضها البنك الدولي على لبنان، ما نسف حق الضمان في ممارسة إستقلالية القرار.

 

تعطيل دور اللجنة الفنية يصب في مصلحة شركات التدقيق الخاصة التي عملت طيلة السنوات الماضية في تدقيق موازنة الضمان، بالإتفاق مع المدير العام محمد كركي ومجلس الإدارة المعطل، ما يثير علامات إستفهام كثيرة عن صفقات وتنفيعات كانت تحصل في هذا الإطار. مع العلم أنه من مهمات اللجنة الفنية الرئيسية إعداد تقرير سنوي يتناول نتائج أعمال التدقيق في السنة السابقة كما إعداد تقرير سنوي حول مشاريع قطع حسابات الموازنة الإدارية والموازنات الملحقة وفقا للنظام المالي للصندق.

مجلس إدراة غير شرعي منذ 15 سنة

 المشاكل في الضمان الإجتماعي لا تقتصر على تدقيق مالي في صندوقها، والتجاوزات تبدأ من رأس  المؤسسة أي مجلس الإدارة. فالمجلس المنتهية صلاحياته منذ 15 سنة هو نموذج مصغر للمحاصصة الطائفية والمذهبية والسياسية السائدة في لبنان ما بعد إنتهاء الحرب، فلا تعيينات أيضا في المجلس المؤلف من 26 عضوا، حيث يديره رئيسا يعيش خارج لبنان...كما أن وزارة العمل التي تتفاخر اليوم بإقرار التدقيق المالي، لم تقم بواجبها لناحية أو طلب تعيين أعضاء جدد بعد إنتهاء ولاية المجلس، ولم تفعل ذلك حتى بعد ان تقلص عدد أعضاء المجلس المنتهية ولايته منذ 15 سنة. ويدير المجلس اليوم عدد من الأعضاء منهم من سافر خارج البلاد ومنهم من يفوض زوجته  لحضور الإجتماعات بدلا  عنه، في سابقة تظهر مدى الإستهتار والفوضى الحاصلة في المؤسسة الضامنة...حيث أن المجلس غير الشرعي يسيّر أعمال المؤسسة على قاعدة "بالموجود جود".

 

النقابي أديب بو حبيب :خطوة الوزيرة واحدة من رحلة الـ1000 ميل

 

النقابي أديب بو حبيب علّق على خطوة الوزيرة واصفا إيها "بالجيدة" لكنها خطوة واحدة من رحلة الـ1000 ميل نحو الإصلاح الشامل في المؤسسة . فالضمان الإجتماعي بحسب بو حبيب يحتاج إلى ورشة إصلاحات غير مجتزأة،مشددا على ضرورة إنتخاب مجلس إدارة جديد وهذا ما تنادي به الحركة النقابية منذ سنوات عدة.

بو حبيب إعتبر أن الخطة الإصلاحية للضمان الإجتماعي تتفرع منها خطوات عدة في مقدمها إنشاء صندوق للبطالة، وهذا أمر ملح في هذه المرحلة من الإنهيار الإقتصادي ومع إزدياد أعداد العاطلين عن العمل، حيث تشير الأرقام إلى أن 70 ألف مضمون شطبوا من الصندوق بعد صرفهم من العمل، حسب "بو حبيب".

"بو حبيب" تطرق إلى ملف الدواء في الضمان حيث اعتبر أنه من جملة الإصلاحات التي يفترض أن تكون على طاولة وزيرة الوصاية. فالمطلوب أن يتولى الضمان إستيراد الدواء وإنشاء الصيدليات في المراكز، الأمر الذي يوفر على المؤسسة الضامنة 40% من فاتورة الدواء.

مطلب إصلاحي آخر تحدث عنه "بو حبيب"، يتعلق بضرورة تفعيل الفرع الرابع من الضمان وهو "فرع طوارئ العمل والأمراض المهنية" الذي تأسس عام 1976.

 

إهتمام الوزيرة بملف الضمان كما أشارت في بيانها أمر يطلبه الجميع للحفاظ على المؤسسة الضامنة التي يستفيد منها أكثر من مليون مواطن، ولكن قبل الحديث عن  التدقيق المالي والمضي فيه كان الحري بوزيرة العمل أن تعطي الإهتمام الأكبر للمساءلة عن موازنة الضمان التي يضعها المدير العام ويصادق عليها المجلس غير الشرعي... فإنعدام الشفافية أمر جلي في الموازنة التي تصادق عليها الوزيرة نفسها وغيرها من الوزراء الذين تعاقبوا على وزارة العمل من دون الإلتفات إلى ضرورة الضغط بإتجاه إنهاء حالة الشواذ في مجلس الإدارة، لكي تكون قراراته مبنية على أسس قانونية ومتينة  وشفافة ، فهنا يبدأ الإصلاح الحقيقي يا معالي الوزيرة  الذي يجر ورائه كل الإصلاحات الأخرى.

 

 

المرصد

إنتقد التيار النقابي المستقل ما جاء في المؤتمر الصحافي لوزير التربية والتعليم العالي طارق المجذوب فيما يخص خطة إنهاء العام الدراسي، في وقت يعيش البلد في أوضاع متأزمة على الصعد كافة،حيث إستغرب التيار النقابي طلب الوزير العودة إلى التعليم المدمج، في وقت إمتنع عدد كبير من الأساتذة عن تلقي لقاح أسترازينيكا بعد المعلومات التي تفيد بأنه يسبب جلطات دماغية، لذلك طالب التيار الوزير المجذوب بتأمين لقاح غير الأسترازنيكا للمعلمين، للحفاظ على أمنهم الصحي، وتمكنهم من العودة إلى التعليم الحضوري. كذلك طالب التيار النقابي بوضع حل سريع لمشكلة الأساتذة المنقطعين قسرا عن التعليم عن بعد لأسباب لوجستية.

التيار النقابي المستقل حث الوزير المجذوب لأخذ قرار بشأن شهادة البروفيه، كما وجه في بيانه الذي هنأ فيه بحلول شهر رمضان  جملة مطالب متعلقة بالشق المعيشي إذ طالب بتأمين بدل نقل مناسب للإرتفاع في سعر المحروقات، كما تأمين حقوق المتعاقدين والمستعان بهم بإحتساب عقدهم السنوي بالكامل، وإستفادتهم من التقديمات الصحية والإجتماعية إلى حين إدخالهم في الملاك .وأخيرا طالب التيار النقابي أن يحترم حق المعلمين في العطلة الصيفية كاملة أو فليعطوا بدلا ماليا إضافيا في حال تطلب الأمر أن يستكملوا التعليم خلال هذه الفترة

المرصد

رنين إدريس

إستيقظ الإتحاد العمالي العام لبرهة من "الكوما" التي يعيش فيها منذ سنوات، ليقول للمواطنين "نعمل على إضراب وطني متدرج وعلى مراحل ليوم أو أكثر"

الإتحاد الذي غاب بإرادته عن الشارع ومطالب العمال ومشاكلهم تنفيذا لأجندات أصحاب القرار والوصاية عليه، يأتي اليوم بعد سنة وأكثر من الإنهيار ليحضر لـ"تحرك وطني كبير"

إعلان الإتحاد يأتي في إطار بروباغندا إعلامية، تهدف إلى حفظ ماء الوجه بعد تقاعسه عن الوقوف إلى جانب العمال والنقابات وقضاياهم في هذه الظروف التي تعصف بالبلاد. إضافة إلى غيابه عن الشارع والتحركات المطلبية منذ 17 تشرين حتى اليوم، مكتفيا في الفترة الماضية بنشر بيانات لا تقدم ولا تؤخر في وقت يغلي الشارع بوجع المواطنين ومطالبهم. فممارسات الإتحاد لا ترتبط بقضايا العمال والمواطنين وهمومهم، بل بأجندات وكباش سياسي داخلي، ولا يمكن فصل تحركه  في هذا التوقيت عن النزاع السياسي الحاصل في ملف تشكيل الحكومة العالق بين محورين: الأول رئيس الجمهورية ومن خلفه، ورئيس الحكومة المكلف سعد الحريري ومن يدعمه وفي مقدمهم رئيس مجلس النواب نبيه الذي يحاول الضغط بشتى الطرق لإنجاح مبادرته حتى إذا إضطر الأمر لإستخدام الشارع،وهنا يأتي دور الإتحاد العمالي العام.

 

الإتحاد يعلن عن الإستعداد لتنفيذ إضراب وطني

الإتحاد أعلمنا اليوم في بيان أصدره بعد إجتماع أعضائه  أنه " فوض هيئة المكتب التنفيذي تفويضا كاملا وشاملا بإجراء المشاورات والاتصالات مع القوى كافة المتضررة من نقابية واقتصادية واجتماعية للعمل على تنفيذ إضراب وطني متدرج وعلى مراحل ليوم أو أكثر"

وأن " هيئة المكتب بدأت فورا بإجراء اللقاءات والاتصالات مع الجهات المعنية كافة تحضيرا لهذه الخطوات الوطنية الكبرى. وإن الهيئة وفور إنجاز عملية التحضير سوف تعلن، بناء على قرار المجلس التنفيذي الخطة الزمنية والعملية والتعبوية لإطلاق هذه التحركات وضمان نجاحها على الأراضي اللبنانية كافة".

وهنا نسأل، هل أخذ الإتحاد مباركة الأحزاب قبل إعلانه الإضراب وإنطلاق التحركات؟ وهل هذه التحركات ستكون بالتنسيق مع الجهات التي صادرت تاريخيا قراره ونشاطه؟

الإتحاد العمالي العام ذهب أبعد من ذلك في بيانه الذي يطمح إلى إعادة تعويم الطبقة السياسية الفاسدة وإعادة إنتاج نفسها، حيث دعا بيان الإتحاد " جميع الأطراف السياسية إلى الإمتثال إلى المبادرات المحلية والخارجية لتشكيل حكومة "إنقاذ وطني تبدأ بوضع حد للانهيار المتسارع في مختلف نواحي الحياة".

رئيس الإتحاد بشارة الأسمر أعطى مهلة "لإنجاز خطة زمنية وعملية وتعبوية لإطلاق تحركات الإتحاد وضمان نجاحها على الأراضي اللبنانية كافة".

نعم، فأوجاع الناس وفقرهم وعوزهم وصرف العمال بالآلاف وإستغلالهم وإقتطاع رواتبهم وأجورهم ليست محركا سريعا طارئا للإضراب والتحرك. والإنهيار الذي نعيشه منذ سنة وأكثر لم يكن كافيا للإتحاد لإعداد الخطة التعبوية اللازمة لإنصاف الفئات التي تخلى عن حقوقها.

0
Shares
  1. الأكثر قراءة