جريدة المدن - خضر حسان

يحاول مصرف لبنان عدم القَطع نهائيًا مع المصارف، برغم ما شاب العلاقة بينهما من ضبابية تطوّرت لمعركة إعلامية وتراشق للاتهامات، ليعود المركزي إلى لملمة ما تبقى من ودٍّ مع المصارف، ويُشرِكها في منصّة لتداول الدولار على غرار التي استحدثها للصرافين. فكانت منصّة "صيرفة" وسيلة لإدخال الدولارات إلى المصارف، وبابًا لتشريع تحكّم المصارف بسعر صرف الدولار في السوق السوداء. على أنَّ التبرير الظاهري للمنصّة هو تمكين التجار والأفراد من الحصول على الدولار المدعوم من مصرف لبنان، بسعر أقل من سعر السوق السوداء وأعلى من السعر الرسمي، لتتوازى عملية العرض والطلب في أكبر قدر ممكن.


عدم الصمود
لم تصمد المنصة لأكثر من نحو شهرين بعد إطلاقها في منتصف شهر أيار الماضي. حين بدا واضحًا تراجع حجم تداول الدولار عبرها، بالتوازي مع ارتفاع أسعاره من نحو 12 ألف ليرة إلى نحو 15 ليرة. فضلًا عن انحسار الفئات المستفيدة من الدولار. فبعد أن كان التداول مفتوحًا في مرحلته الأولى لجميع التجّار، على أن يُفتَح للأفراد، تقلَّصت الدائرة لتقتصر على مستوردي الأدوية وحليب الأطفال. فيما لم يعلن مصرف لبنان صراحةً عدم نيته التوقف عن دعم باقي المستوردين، لكن التأخير المتعمّد في قبول طلبات الاستيراد، يوضح الهدف المطلوب.

كما أن المركزي أبلغ المصارف بوجوب وضع المستوردين في صورة عدم توفير الدولارات، وبالتالي ضرورة سحبهم المبالغ الموضوعة بالليرة والمطلوبة كتغطية للحصول على الدولار. ما دفع التجار للتوجه نحو السوق السوداء لتأمين الدولار للاستيراد، فارتفع الدولار في السوق السوداء إلى حدود الـ19500 ليرة، فيما مستوى أسعار السلع فاق الـ20 ألف ليرة.

وهذا التراجع في دعم تأمين الدولار التُمِسَ من خلال الأرقام التي اعلنها المركزي حول حجم التداول. إذ فاقت الدولارات المؤمّنة في الفترة الأولى لاطلاق المنصة، الـ30 مليون دولار أسبوعيًا، لتسلك درب الانحدار نحو الـ20 مليون دولار مطلع شهر تموز الجاري، بسعر تدخّل بلغ 12 ألف ليرة للدولار، وصولًا إلى 5 مليون دولار يوم الجمعة 9 تموز، بسعر تدخّل بلغ 15200 ليرة. وبمعنى آخر، فإن حصول المستوردين على الدولار بسعر 12 ألف ليرة، قابله ارتفاع الدولار في السوق السوداء إلى ما يزيد عن 15 ألف ليرة، فيما وصول دولار المنصة إلى 15 ألف ليرة، رافقه قفز الدولار فوق الـ19 ألف ليرة. وبما أن سعر التداول بالمنصة متحرّك، فإن ارتفاع السعر سيترافق مع تحليق للدولار في السوق السوداء، بمعزل عن حجم التداول والفئات المستفيدة من الدولار.

مَن يدفع الثمن؟
عندما ابتدع حاكم مصرف لبنان رياض سلامة منصة صيرفة، لم يبتدعها ليلجم سعر صرف الدولار في السوق السوداء، فهو يعلم تفاصيل الأزمة وعقم المحاولات المماثلة، مهما تعددت وجوهها. وهدف إفادة المصارف وازاه خدمةٌ للرئيس المكلّف تشكيل الحكومة سعد الحريري. ظنَّ سلامة أنه من خلال تهدئة سعر الصرف قليلًا، يوحي للناس بأن الاتيان بالحريري رئيسًا للحكومة سينعش الأوضاع.

انهار كل شيء من تحت أقدام سلامة. لا الخدمة للحريري نفعت ولا استفاد الناس من استيراد السلع بأسعار مخفَّضة. ولم يبقَ أمام سلامة سوى الإعلان الرسمي عن موت المنصة والتوقف عن استعمالها. وهو ما لن يحصل لسببين أساسيين. أولًا، عدم القدرة على الاعتراف بالفشل. وثانيًا، لما لذلك من تأثير سلبي على سعر الصرف. وبالتالي، أحيلت المنصة للتقاعد الهادىء على غرار منصة الصرافين التي يفترض نظريًا انها تشتري الدولار على سعر 3850 ليرة وتبيعه على سعر 3900 ليرة، وهو أمر غير موجود واقعيًا.

على أحدهم دفع ثمن الخطأ فيما لو حصل تطوّر ما يستدعي ذلك. ولجنة الرقابة على المصارف حاضرة لتكون الشماعة التي سيلقي عليها الحاكم خطأه. فاللجنة هي الإطار الذي لا يرأسه الحاكم في مصرف لبنان، وهي المقارع دومًا للمصارف، والكثير من السجالات المحتدمة حصلت بين المصارف واللجنة، فوق الطاولة وتحتها. واللافت أن الحاكم وبعض قنواته، يستهدفون اللجنة عبر التساؤل عن موقعها من ارتفاع سعر صرف الدولار وعدم إجراء الرقابة على المصارف التي تمر عبرها عملية الاستفادة من المنصة. وفي الواقع، لا علاقة للجنة الرقابة بسوء تنفيذ المنصة. فالحاكم يصدر التعميم الموجب لإنشائها، ويحدد آلية عملها ومن المستفيد منها، وما على اللجنة سوى مراقبة التنفيذ ضمن الشروط المرسومة، وحسب المعلومات المقدّمة من المصارف والتي يقول الحاكم أنها كافية لاجراء الرقابة.
وسبب استهداف اللجنة هو إعلانها منذ إطلاق المنصة، أنها قاصرة عن القيام بدورها، استنادًا إلى الآلية التي وضعت خلالها، وطبيعة عملها وطريقة ربط المصارف بها، وصولًا إلى انعكاس السوق السوداء عليها لما للسوق من حجم وتأثير قادر على ابتلاع المنصة. بالإضافة إلى علاقة المصالح المتينة بين الحاكم والمصارف، والتي لا تسمح بوصول التحقيقات والرقابة إلى خواتيمها الصحيحة.

جريدة المدن - خضر حسان

تبتلع أزمة المحروقات كامل حمولات البواخر التي تتأخر في التفريغ، بسبب عدم إسراع حاكم مصرف لبنان، رياض سلامة، بإعطاء الموافقة على فتح الاعتمادات لدعم شراء المحروقات، علمًا أن احتساب الدولار المدعوم انتقل من 1515 ليرة إلى 3900 ليرة، وارتفع سعر صفيحة البنزين على المحطات، إلى نحو 70 ألف ليرة. ومع ذلك، تزداد الأزمة توسّعًا بصورة تُنبىء بانعدام الحل.


تقنين الاعتمادات
يعلم سلامة أن فتح الاعتمادات لاستيراد المحروقات، أمرٌ مفروغ منه. فالقرار السياسي برفع الدعم نهائيًا لم يُتَّخَذ بعد، وربما لم يحن أوان اكتمال جرعات امتصاص رد فعل الناس حول رفعه. وإن كانت تغطية الاستيراد حاصلة لا محالة، فـ"لماذا المماطلة؟"، يسأل عضو نقابة أصحاب المحطات، جورج البراكس.

الشركات المستوردة للنفط محدَّدة ومعروفة، إلا إن كان الحاكم يشكك بهويّاتها وبصحة استيرادها للمحروقات للسوق المحلي. وفي جميع الأحوال، التدقيق في هذه التفاصيل ليس من اختصاص الحاكم، فالوزارات المعنية والقوى الأمنية لديها الحق باجراء الرقابة قبل الاستيراد وبعده، وصولًا إلى التأكّد من توزيع المخزون على المحطات، ومنها إلى المواطنين.
يقنّن الحاكم تأمين الدولارات، فيوقف البواخر أمام الشاطىء. وحجم الطلب المتزايد على المحروقات، يمتص المعروض، فيتكامل التقنين مع الطلب والفوضى في إفراغ السوق وجعله بحاجة دائمة إلى مخزون.
"الحل يحتاج إلى قرار"، يقول البراكس في حديث لـ"المدن"، ويخلص إلى أن "لا أحد يريد اتخاذ قرار بالحل، فالجميع لديه مصلحة بإبقاء الوضع كما هو".

الأسعار ترتفع
وافق سلامة على تأمين اعتمادات لباخرتين راسيتين قبالة الشاطىء، لكن مخزونهما يكفي لنحو 3 أسابيع فقط، سيجري خلالها بيع جزء من مخزون الشركات المستوردة وتهريب قسمٍ آخر وتخزين كمية. والجزء المباع سيُخزَّن بدوره ويُفرَج عن بعضٍ منه للسوق السوداء التي يقودها جيش من الموظفين على المحطات، يغطّون الاستفادة الفعلية لأصحابها. الكثير من الزبائن بدورهم يبتكرون طريقة للاستفادة، يملؤون سياراتهم بالوقود، يُفرغونها في "غالونات" ثم يبيعونها بأسعار تصل إلى 6 أضعاف السعر الرسمي، ففي حين يبلغ سعر صفيحة البنزين رسميًا نحو 70 ألف ليرة، تُباع الصفيحة بما يصل إلى 400 ألف ليرة، للمغتربين، وكمعدّل وسطي لغير المغتربين، تُباع بنحو 250 ألف ليرة.

الاقتتال على المحطات وإقفال بعضها ليس مؤشّرًا إيجابيًا، بل نذير التحضير لمرحلة جديدة أكثر قساوة. مرحلة يرتاح فيها الحاكم من مسألة الدعم، والمواطنون "سيعتادون"، قالها سلامة يومًا، ويُبرهن صدقها مع الوقت.
وعليه، فقدنا السيطرة على الأزمة والأكلاف المرتبطة بها. ولا أحد يصدّق أكذوبة الركون إلى رفع الأسعار للحد من التهريب وتعزيز قدرة السوق المحلي. فالتهريب متواصل حتى وإن أصبح سعر الصفيحة مليون ليرة في لبنان، وأقل بقليل منها في سوريا، فحجم السوقين مختلفين، والسوري يؤمّن الدولارات الطازجة للمهرّبين، أي للمرجعيات التي تقف خلفها.
الأحزاب المسيطرة على أرض الواقع، هي الدولة بالمقلب الآخر، وبعضها يحمي سلامة بالشكلين المباشر وغير المباشر، فالمصالح متقاطعة، وإن مع بعض أعداء السياسة. ومَن لا يدعم سلامة، يستفيد من مماطلته لتعزيز سوق التهريب، فتكون الفائدة مشتركة وإن عن غير قصد.

وقد يكون الإشهار والوضوح غير مُحَبَّذان، لكن الحقيقة لا تُخفى ما دام قرار تهدئة الوضع العام في البلاد غير موجود. فلا حَل لأزمة المحروقات مهما بلغت الخطابات السياسية مداها.

 

جريدة الأخبار-ليا القزي

التوقّف عن دعم استيراد سلع رئيسيّة من دون توفير البديل هو تدمير للمُجتمع وما تبقّى من قدراته المعيشيّة. السلطة رضخت للحاكم رياض سلامة، وبدأت تحرير أسعار المحروقات التي ستجرّ خلفها ارتفاعاً في أسعار معظم السلع والخدمات. تتصرّف السلطة كأنّها لا تملك حلّاً آخر، فيما هي تملك العديد من الخيارات المؤقتة التي يُمكن تنفيذها فوراً، ريثما يتم إرساء سياسات تنموية مستدامة

 

قرّرت السلطة إنهاء تثبيت الأسعار على المحروقات والأدوية والقمح، في عزّ الأزمة المالية ــــ النقدية ــــ الاقتصادية، من دون تحديد ما هو البديل منها، وهو ما لم تفعله أعتى الدول الرأسمالية. رُفع ــــ زوراً ــــ شعار التوقّف عن دعم الاستيراد مقابل الحفاظ على أموال المودعين. نجحت الطبقة المهيمنة في تعميم هذه النظرية، رغم أنّ الـ 15 مليار دولار (إن صحّت مزاعم الحاكم رياض سلامة) الموجودة في حساب «التوظيفات الإلزامية» لدى مصرف لبنان، ليست «أموال المودعين»، بل «الخميرة» التي يُريد سلامة ــــ بالتعاون مع المُنتفعين منه ــــ استخدامها لإنقاذ مصارف من الإفلاس وبعض المحظيّين، فيما «أموال المودعين» البالغة قرابة الـ 80 مليار دولار قامرت بها المصارف ومصرف لبنان، وتُريد اليوم الإفلات من تحمّل مسؤولية تبديدها، فتلجأ إلى الإيحاء بأنّه لا يوجد أموالٌ للمودعين إلا تلك المُتبقية في «التوظيفات الإلزامية» ويجب إنقاذها.


رضخت السلطات لهذه الضغوط، ولتهديدات سلامة بالتوقّف عن فتح الاعتمادات اللازمة للاستيراد، فكانت صيغة استيراد المحروقات وفق سعر صرف 3900 ليرة لكلّ دولار، و«وعدٍ» بإقرار البطاقة التمويلية يوم الخميس المقبل لتوزّع على نحو 500 ألف عائلة، بعدما كانت الحكومة قد حدّدت رقم 750 ألف عائلة. ما تقوم به السلطة، ليس حتّى «إجراءً ترقيعياً» لأنّ نتائجه السلبية ستكون فورية، إن كان عبر الانهيار في سعر صرف العملة أو ارتفاع الأسعار بشكل جنوني وبلوغ التضخم نسبة مرتفعة جدّاً، علماً بأنّها تملك القدرة على اتخاذ إجراءات فورية لمواكبة رفع تثبيت الأسعار.
يُذكّر المُشرف على مرصد الأزمة في الجامعة الأميركية في بيروت، ناصر ياسين، كيف أنّه منذ عام 2018، وكلّ القرارات تُتّخذ «وفق منطق كلّ يوم بيومه. بوجود أزمة مصرف لبنان والمصارف والمالية العامة، لا يُمكن الركون إلى حلول ترقيعية، بغياب خطّة تعافٍ مالي». عِوض الإجراءات الحالية، «يجب اعتماد رفع تدريجي للدعم على الاستيراد، يمتد لفترة ثلاث سنوات». يتحدّث ياسين عن تحرير الأسعار شيئاً فشيئاً، فلا تؤثّر بشكل دراماتيكي على معيشة السكّان. إلا أنّ ذلك وحده ليس كافياً. يُضيف بأنّه «بالتوازي يجب أن يكون العمل لإصلاح القطاعات قد انطلق، لا أن تُترك القرارات المصيرية بيد مصرف لبنان وبغياب السلطة».
التجربة الأولى والمباشرة لتحرير الأسعار ستكون مع المحروقات. «كيف يُتّخذ هذا القرار قبل دعم النقل العام؟»، يسأل ياسين. القصة لا تحتاج إلى تمويل كبير وتشكيل لجانٍ وسنوات من وضع الدراسات، «لدينا فانات وباصات مُنظّمة بطريقة ذاتية بالنسبة إلى الخطوط والمناطق التي تمرّ بها. يُمكن دعم هؤلاء بطريقة ذكية». ما يطرحه ياسين «بديل مؤقّت إلى حين بناء نظام نقل عام فعّال». من البدائل المؤقتة التي يذكرها ياسين أيضاً، «البطاقة التمويلية للأفقر. هي ليست فكرة سيئة لبلد يمرّ بأزمة، شرط أن يكون الأفق من بعدها واضحاً وبوجود خطّة حكومية». المبالغ في البطاقة «يجب أن تكون زهيدة، لتسدّ حاجات السلع الرئيسية والنقل، وممكن أن تُرفع القيمة مع فصل الشتاء لتأمين مشتريات المازوت مثلاً». لماذا؟ يُجيب ياسين بأنّه «لا نستطيع تحويل مجتمع إلى الاعتماد فقط على بطاقة، وخاصة أنّ تمويلها غير واضح». أما بالنسبة إلى الأدوية، فتستطيع وزارة الصحة فوراً «التحوّل نحو الاستيراد المباشر. وبسبب الحاجة إلى دعم الكهرباء، يجب زيادة سعر الطاقة للمُستهلكين الكبار، والاكتفاء بسعر الكلفة لمحدودي الدخل».
عدم فرض الضرائب على الأرباح والثروة سبّب غياب الخدمات


هذه البدائل المؤقتة مُمكن أن تُشكّل عاملاً مساعداً للطبقات المتوسطة والمحدودة الدخل بانتظار الحلول الجذرية، التي تؤمّن استمرارية الخدمات للسكّان. وفي مقدّمة الخيارات التغييرية يأتي تفكيك الاحتكارات، ووضع نظام ضريبي عادل، يؤمّن الإيرادات اللازمة للدولة حتى تموّل استراتيجية حماية اجتماعية... أمّا وهذا الأفق غير واضح، «يجب ألّا يتم التفكير برفع الدعم إلّا بعد تنفيذ إصلاحات شاملة شبيهة بشموليتها بخطة الحكومة المُجمّدة، والبدء بالخروج من الأزمة الحالية، لأنّ رفع الدعم سيكون له تأثير سيئ على الطبقات المتوسطة والعاملة، التي أيضاً تحمّلت الوِزر الأكبر للأزمة حتى الآن من خلال فقدانها قيمة أجورها وقيمة معاشاتها التقاعدية وتعويضات نهاية الخدمة»، يقول رئيس قسم الاقتصاد في الجامعة اللبنانية الأميركية ــــ بيروت، غسّان ديبة. يُضيف بأنّ رفع الدعم «سيأتي كضربة إضافية لها. وهذا ما لا تفعله الحكومات في الأزمات. فالدعم كان سياسة صحيحة للتخفيف من وطأة الأزمة، بتثبيت أسعار سلعٍ أساسية». من أين سيتم التمويل؟ يُجيب ديبة بأنّ «هذا هو السؤال الأزلي في لبنان ويُستعمل دائماً لتبرير أمور عديدة، وأساسها عدم فرض الضرائب على الأرباح والثروة. فهذا هو السبب الرئيسي لعدم وجود طاقة كهربائية كافية أو غياب التغطية الصحية الشاملة».
المسألة واضحة بالنسبة إلى ديبة: «الآن، بديل رفع الدعم هو عدم رفع الدعم». ماذا في حال أصبح الأمر واقعاً؟ «يُمكن اعتماد بطاقة، لنُسمّها عائلية مثل الـ«bolsa familia» (تحويلات نقدية مشروطة تُركّز على الصحة والتعليم) في البرازيل وكانت تجربتها ناجحة جدّاً. طبعاً سيكون هناك معايير ستستثني الأكثرية من الطبقات الوسطى والعاملة، لذلك لا أرى أي مُبرّر لرفع الدعم حالياً». رفع الدعم سيجرّ خلفه أموراً عديدة، وصولاً إلى المطالبة بتصحيح الأجور وحمايتها، «بالتالي سيؤدي ذلك إلى لولب أجور وأسعار وطبع عملة، وسيتدهور الوضع النقدي بشكل كبير. يبدو حالياً وجود نوعٍ من «المساومة الاجتماعية»: الدعم مقابل عدم المطالبة برفع الأجور. إذا انتهى الدعم تنتهي معه هذه المساومة. فهل يدرون هم (السلطة ومصرف لبنان) ما يفعلون؟ لا أظن، بل يعتمدون سياسة يمينية مُغلّفة بعنوان شعبوي هو الدفاع عن أموال المودعين، وستزداد الأوضاع سوءاً».
الاقتصاد هو سياسة. والسياسة تعني أن تحسم سلطة ما عن مصالح من ستُدافع. تأمين حقوق السكّان والخدمات الاجتماعية وتوفير بيئة ملائمة لهم للإنتاج والتطور والنمو؟ أم اتخاذ قرارات تحمي امتيازات رأس المال، حتى لو كانت تتعارض مع المصلحة العامة؟ التوقّف عن تثبيت أسعار سلع رئيسية وأساسية في لبنان، بهذه الطريقة التي يتمّ بها، يُعبّر عن سياسة السلطة الاقتصادية: البقاء للمصارف والمُحتكرين وسائر الطبقة المهيمنة، على حساب المجتمع. إنّها استمرارية لسياسات السلطات طوال السنوات الماضية، في تحويل البلد إلى «جنّة سمسارات» لفئة قليلة جدّاً، مقابل تدمير العلاقة الحقوقية بين «الدولة» والسكّان.



«الاحتياطي» يكفي لـ 18 شهراً... لمَ الهلع؟
عن قصدٍ، جرت شيطنة دعم الاستيراد، لأنّه يمكن أن يُموّل من حساب «التوظيفات الإلزامية» لدى مصرف لبنان. يُشير رئيس قسم الاقتصاد في الجامعة اللبنانية الأميركية ــــ بيروت، غسان ديبة إلى أنّ «الاحتياطات بالعملات الأجنبية لا يمكن اعتبارها ثابتة. يُحكى اليوم عن قيمة الاحتياطي لدى مصرف لبنان كأنه «قجّة» مقفلة تنقص فقط عندما يتم استعمالها للاستيراد، لكنها أيضاً مُرشّحة للازدياد في ظلّ تدفّق العملة الصعبة من الخارج، إن عبر التصدير أو عبر أموال المغتربين أو السياحة، وكلّ هذه المصادر مرشّحة للزيادة». إضافةً إلى ذلك، «ما لدى مصرف لبنان اليوم (15 مليار دولار، بحسب ما أبلغ نائب الحاكم مجلسَ النواب)، هو أكثر من الاحتياطي الذي يملكه الكثير من المصارف المركزية في العالم، ويكفي لأكثر من سنة ونصف سنة من الاستيراد. لماذا الهلع إذاً؟». يوضح ديبة أنّ «الاحتياطي» لدى مصرف لبنان مكوّن لأمرين: «أولاً، الدفاع عن الليرة (و/أو التخفيف من الأزمات المالية)، ثانياً تمويل الاستيراد». يعتبر أنّ الاحتياطي حساب سيادي، ولا يستطيع «مالكو الدولار» منع «المركزي» من استخدامها. «مثلاً، إذا اعتبر المُصدّر أنّ دولاراته هي له ولا يستطيع البنك المركزي استخدامها لتمويل الاستيراد وأبقاها خارج لبنان، فماذا تفعل الدولة للاستيراد، ومنها حاجات الطاقة والكهرباء؟ ومن يتحدث عن أن الإنفاق الحكومي بالعملة الأجنبية هو بمثابة دَين على الدولة للمودعين مخطئ».
ولكن هل يجب أن يستمر مصرف لبنان بتمويل الاستيراد؟ يقول ديبة إنّه في حال «سبّب الأمر قلقاً لدى البعض، يُمكن نقل كلفة الدعم من السلطة النقدية إلى وزارة المالية، التي بعد استيراد السلع على «سعر السوق» (لا يمكن للدولة أن تستعمل السعر في السوق السوداء، يعني استمرار نوع من دعم الدولار للاستيراد)، أن تدعم أسعار هذه السلع عبر الضرائب على الأرباح والثروة. هذا لن يُخفّف من قيمة الاستيراد التي يسعى إليها البعض، ولكن هل يمكن فعلياً تخفيف قيمة الاستيراد من المحروقات والدواء من دون هزّة اقتصادية واجتماعية كبرى؟ المسألة إذاً توزيعية، يمكننا الاستمرار بالدعم إذا استطعنا أن نُحمّل الرأسمال عبئه. وهم يريدون تحميل الثمن للطبقات الوسطى والعاملة. إنّه وضع كلاسيكي من الصراع الاجتماعي، وخصوصاً خلال الأزمات».

 

جريدة المدن - خضر حسان

كثيرة هي المحطّات المتّصلة بعملية إخراج الأموال من المصارف اللبنانية باتجاه مصارف العالم، وتحديدًا السويسرية منها. ومع انفجار الأزمة في البلاد، في تشرين الأول 2019، أصبح كشف تفاصيل التحويل وأصحاب الأموال المحوَّلة، أمرًا ضروريًا يوازي بأهميته باقي الخطوات الإصلاحية المطلوبة للانقاذ.


لعبت محاولات التعمية عن حقيقة الحسابات المصرفية للسياسيين وكبار المستثمرين والعاملين بالشأن العام ومن يدور في فلكهم، دورًا في تأخير وعرقلة وضع بيانات واضحة عن الأموال المحوَّلة ومصادرها. ومصرف لبنان منغمس في التعمية من خلال تقديمه شهادة موثّقة يؤكد فيها عدم وجود شبهات حول الأموال المحوَّلة بعد فترة 17 تشرين الأول 2019. واستمر المصرف المركزي في حماية القطاع المصرفي وأركان المنظومة السياسية، حتى وقع حاكمه رياض سلامة في أتون الشبهات حول ضلوعه وشقيقه رجا ومساعدته ماريان حويك، في قضايا فساد مالي وتحويلات مشبوهة، وعمليات استفادة غير شرعية من أموال المركزي وأموال الناس.

قبل وبعد 17 تشرين
فرضت انتفاضة 17 تشرين نقاشًا حول التحويلات المصرفية إلى الخارج. وللتملّص من المسؤولية، روَّجَت السلطة السياسية ومصرف لبنان والمصارف، نسقًا من النقاشات، يرتكز على البحث في تواريخ محددة وفي ما إذا كانت التحويلات آتية من مصادر غير مشروعة، فيما المقاربة الصحيحة في مكانٍ آخر. فالتحويلات مستمرة منذ منتصف العام 2017، وارتفعت باضطراد بين منتصف 2018 ومنتصف العام 2019. ومصادر الأموال ظاهرها شرعي. إذ لم تُسرَق بالطريقة التقليدية لعصابات أفلام السينما، بل سُرِقَت بمشاريع وصفقات مبرمجة ومغطاة قانونيًا.

المصارف شريك أساسي
ما يثير الغرابة أن التحويلات لم تتوقف رغم ازدياد معدّل الانهيار. والمصارف استشرست في تحجيم قدرة عملائها على الاستفادة من ودائعهم، فيما كبار المودعين يسرحون ويمرحون، ولهم كامل الصلاحيات في التصرف بأموالهم، بما في ذلك تحويلها.

واستمرار الحركة المصرفية بشكل شبه طبيعي بما يتعلّق بالمحظيين والمستفيدين، يعني أن رياض سلامة ليس وحيدًا في مجال المسؤولية. فالمصارف والطبقة السياسية مسؤولان أيضًا. والمسؤولية المشتركة خلقت في الأمس القريب توترات بين سلامة وجمعية المصارف. إذ يحاول كل طرف رمي التهمة على الآخر، وتلميع صورته أمام الناس والمجتمع الدولي.

ومن هنا تعود المصارف إلى الواجهة بفعل تسهيلها التحويل حتى بعد العام 2019، وتحديدًا خلال العام 2020، حين سهّلت تحويل الأموال نحو سويسرا "أكثر من أي وقت مضى"، وفق ما أكّده موقع "في نيوز" Finews السويسري، الذي ارتكز إلى بيانات المصرف المركزي السويسري، التي أظهرت أن "العملاء اللبنانيين جمعوا أموالًا في سويسرا أكثر من أي وقت مضى".
ارتفاع معدّل التحويلات أتى في سياق "هروب رؤوس الأموال إلى سويسرا". وهذا الهروب رَفَعَ قيمة الأموال الموجودة في المصارف السويسرية "بنحو 2.5 مليار فرنك سويسري، أي 2.7 مليار دولار. ليصبح مجموع الأموال المودعة في سويسرا 6.46 مليار فرنك".

لا تجميد للأموال
يعلم اللبنانيون، بالأدلة والحدس، أن جزءًا ليس بقليل من الأموال المحوَّلة إلى سويسرا وغيرها، ضمن مختلف المراحل الزمنية، آتية من مصادر غير مشروعة، مهما غُسِلَت أو اختبأت خلف مشاريع قانونية. لكن القضاء السويسري لم يعلن حتى اللحظة عن امتلاكه مستندات تؤكد الشبهات. لذلك لم يقدم على حجز أي أموال، بما فيها أموال سلامة. ومن المرجّح أن لا يقوم بتلك الخطوة في المستقبل القريب. فالحكومة السويسرية قالت في وقت سابق إن قضية لبنان "لا تستوفي حتى الآن متطلبات تجميد الأموال".

وحدها أموال صغار المودعين مجمَّدة في المصارف اللبنانية. وفك تجميدها دونه عقبات ومراحل وشروط مجحفة غير قانونية، تَنفَذ من فتحاتٍ يخلقها مصرف لبنان لتنفيس الاحتقان وتقليل الضغط على المصارف، فيما أموال "الكبار" تسلك طريقها للخارج بسهولة، والخارج ليس من أولوياته مساعدة اللبنانيين، بل أفضل ما يفعله -بنظره– اتخاذ إجراءات روتينية، تعتمد على توفّر المعطيات الحسيّة من دون خدش حياء السياسة الدولية التي يحددها لاعبون كبار، لا يتصادمون مع المنظومة الحاكمة في لبنان، ولا يخنقوها تمامًا. بل يسمحون لها بتنشّق جرعات من الهواء، لإبقائها حيّة. وهذا ما يفسّر تقديم الغطاء لرياض سلامة والمصارف.

جريدة المدن - علي نور

في زحمة الأحداث المتعلّقة بأزمة الودائع المصرفيّة وآليات السحب منها، مرّ من دون الكثير من الاهتمام خبر إصدار التعميم الوسيط رقم 584 من قبل حاكم مصرف لبنان، والذي قضى بتمديد مهلة عدم تخفيض تصنيف المقترضين، المتأثرين سلباً نتيجة تفشي وباء كورونا حتّى نهاية الشهر الحالي. وهي مهلة كان يفترض أن تكون قد انتهت آخر العام الماضي. حكاية "مهلة عدم التصنيف" التي جرى تمديدها الآن، والتي نشأت أساساً بموجب تعميم سابق صدر في شهر آب من السنة الماضية تحت الرقم 567، تلخّص نمط إدارة الأزمة الماليّة، من ناحية التحايل بكل الطرق الممكنة لإخفاء الخسائر المصرفيّة وتأجيل التعامل معها، ولو كان ذلك من خلال مخالفات فاقعة للمعايير المحاسبيّة البديهيّة التي يفترض أن تتبعها المصارف.

عملياً، نحن أمام سلسلة تعاميم لا تهدف إلا إلى تفادي التعامل مع الفجوة الناتجة عن تعثّر جزء كبير من القروض المصرفيّة، عبر تأجيل تكوين المؤونات المطلوبة لذلك من أرباح المصارف، في حين أن هذه التعاميم لا تفيد أو تضر المقترض في شيء، في ظل سريان قانون تعليق المهل. وهذه الحكاية بالتحديد، تبدأ من مرحلة التفاوض على خطة الحكومة السابقة، وتمر بتعاميم المصرف المركزي خلال العام الماضي، وصولاً إلى التعميم الأخير الذي صدر الأسبوع الماضي لتمديد مهلة عدم تصنيف القروض المتعثرة.

خسائر مخفيّة
تمثّل قروض القطاع الخاص المتعثّرة جزءاً أساسياً من مجمل الخسائر المصرفيّة التي يفترض أن يتم التعامل معها في المستقبل، لتمكين القطاع المصرفي من العودة إلى العمل المنتظم. لجنة الرقابة على المصارف، كانت قد قدرت أن تبلغ قيمة هذه القروض المتعثرة نحو 15.22 مليار دولار في نهاية العام 2020، من أصل محفظة قروض إجماليّة ممنوحة للقطاع الخاص قارب مستواها 49.9 مليار دولار خلال العام الماضي. بمعنى آخر، ووفقاً لتقدير اللجنة، تقارب نسبة القروض المتعثّرة مستوى 30.5% من إجمالي القروض. وهي نسبة مرتفعة، لا يمكن أن يتخطى القطاع المصرفي أزمته من دون معالجتها. علماً أن هذه النسبة يفترض أن تكون ارتفعت اليوم بعد خمسة أشهر من نهاية العام 2020، بالتوازي مع تفاقم جميع المؤشرات الاقتصاديّة في البلاد.

لهذه الأسباب، أصرّت شركة لازارد عند عملها على خطة الإصلاح المالي خلال العام الماضي، على ضم هذه القروض المتعثّرة إلى مجمل الخسائر التي استهدفت التعامل معها في الخطة. أمّا  المصارف، فاستهدفت منذ البداية تقليص حجم الخسائر التي سيتم الاعتراف بها ومعالجتها، ومنها تلك المتعلّقة بالقروض المتعثّرة، ولو كان ذلك على حساب تصحيح وضعها المالي. ولذلك، خاض اللوبي المصرفي في المجلس النيابي معركة على حجم القروض المتعثّرة التي سيتم لحظها في الخطّة، كجزء من معركته ضد الخطة ككل. ومع سقوط الخطة، سقط مشروع تحديد ومعالجة خسائر قروض القطاع الخاص المتعثّرة كلياً وذهب أدراج الريح.

أهميّة المؤونات لمعالجة خسائر تعثر القروض
بمعزل عن خطة الحكومة للتصريح عن الخسائر ومعالجتها، ثمّة معايير محاسبيّة عالميّة يفترض أن تمتثل لها المصارف عند التصريح عن ميزانيّاتها، وخصوصاً في ما يخص حجم المخاطر الموجودة في ميزانياتها، وطريقة التعامل معها. بالنسبة للقروض الممنوحة، يفترض أن تقوم المصارف بتتبّع أوضاع المقترضين دوريّاً، على أن تقوم باقتطاع مؤونات من أرباحها حسب حجم المخاطر المرتبطة بهذه القروض، وحسب احتمال تعثرها. أما في حالة القروض التي باتت في حكم المتعثرة كلياً، فيفترض أن يتم اقتطاع مؤونات من أرباح المصرف توازي كامل قيمة هذه القروض، لتحمّل الخسارة الناتجة عن التعثّر في المستقبل.

من هذه الزاوية بالذات، يمكن فهم هذه المؤونات كضمانة للمودع، تؤكّد أن المصرف وأصحابه يدفعون من أرباحهم لمعالجة الفجوات الناتجة عن تعثّر القروض، والتي جرى منحها من أموال المودعين أساساً. مع العلم أن الأصول المصرفيّة تقضي أيضاً بتحمّل المساهمين في المصرف أي خسارة، إذا لم تكفِ أرباح المصرف لتكوين هذه المؤونات. ومن هذه الزاوية أيضاً، يمكن فهم عدم حماسة المصارف للتعامل مع ملف القروض المتعثرة عبر تكوين المؤونات مقابلها ومعالجتها، طالما أن هذه المؤونات ستأتي على حساب المساهمين والرساميل المصرفيّة والأرباح التي تغذيها.

التعميم 567: مخالفة المعايير المحاسبيّة
في هذا السياق بالتحديد، جاء في أواخر شهر آب من العام الماضي تعميم مصرف لبنان رقم 567، والذي مكّن المصارف من التملّص من تكوين المؤونات المطلوبة للتعامل مع خسائرها الناتجة عن القروض المتعثّرة، وذلك عبر السماح لها بعدم إعادة تصنيف هذه القروض كقروض متعثّرة من الأساس، حتّى لو توقّف أصحابها عن السداد. أمّا الحجّة، فكانت مراعاة تأثّر المقترضين سلباً بأزمة تفشي وباء كورونا. مع الإشارة إلى أن المقترضين كانوا محميين أساساً من أي إجراءات يمكن أن تتخذها المصارف ضدهم، على خلفية تخلفهم عن الدفع، من خلال قانون تعليق المهل الذي أقره المجلس النيابي. وهو ما يناقض حجّة "حماية المقترضين" التي تم تقديمها لتسويق التعميم.

باختصار، لم يقدّم أو يؤخّر التعميم في وضعية المقترض والحماية الممنوحة له في وجه المصرف، بل حمى الرساميل المصرفيّة من استحقاق تكوين المؤونات فقط. وهو ما يُعد مخالفة فاقعة لجميع معايير الإفصاح المالي التي يفترض أن يحترمها القطاع المصرفي.

في نهاية العام الماضي، كان يفترض أن تكون قد انقضت فترة السماح التي يعطيها التعميم لتفادي التصريح عن القروض المتعثرة وتكوين المؤونات مقابلها. في حين أن التعميم طلب من المصارف دراسة أوضاع المقترضين قبل هذا التاريخ، للتمكن بعده من إعادة تصنيف القروض المتعثّرة وتكوين المؤونات مقابلها من أرباح العام 2020. لكنّ المهلة انقضت، واستفادت المصارف من فترة السماح، من دون أن تبادر المصارف إلى دراسة أوضاع مقترضيها، ومن دون أن تقتطع من أرباحها المؤونات المطلوبة لمعالجة خسائر القروض المتعثّرة كما طلب التعميم. وهنا تؤكّد مصادر مصرفيّة أن تخلّف المصارف عن هذا الاستحقاق، ناتج بالدرجة الأولى عن ضخامة حجم القروض المتعثّرة، وعدم رغبة إدارات المصارف بالتعامل مع هذه الخسائر أو التصريح عنها في الوقت الراهن.

التعميم 584: التجديد للمخالفة
بعد خمسة أشهر على انقضاء المهلة من دون تكوين المؤونات ومعالجة الخسائر، قرر مصرف لبنان منذ أيام إصدار تعميم وسيط جديد حمل الرقم 584، مدد بموجبه مهلة درس ملفات المقترضين حتّى نهاية الشهر الحالي، مسلّماً بذلك بتخلّف المصارف عن انجاز المهمّة بعد المهلة الأولى. أما العبرة من تحديد نهاية المهلة الجديدة في أواخر الشهر الحالي، فهي تمكين المصارف من الضغط على المقترضين مع اقتراب انتهاء فترة تعليق المهل في أواخر الشهر الحالي. كما طلب التعميم الجديد من المصارف تكوين المؤونات من أرباح ميزانيات العام الحالي، بعد أن تخلّفت المصارف عن تكوينها من أرباح العام الماضي، وهو ما طبّع مجدداً فكرة تغاضي المصارف عن الامتثال للمهل التي تحددها تعاميم المصرف المركزي.

اليوم، لا توجد أي مؤشرات تدل على أن المصارف بصدد إنجاز دراسة جميع ملفات قروضها بحلول نهاية هذا الشهر، لإتمام عمليّة إعادة تصنيف القروض لاحقاً، خصوصاً أن عمليّة بهذا الحجم تحتاج إلى ورشة إداريّة وتنظيميّة كبيرة لم تبدأ في المصارف بعد. وبالتالي، فمن الطبيعي أن يواجه مصرف لبنان مجدداً مشكلة عدم امتثال المصارف لهذا التعميم والمهلة المنصوص عليها فيه. وعلى أي حال، من غير المتوقع أساساً أن تبادر المصارف إلى تسهيل هذه العمليّة في القريب العاجل، كون إعادة تصنيف هذا العدد الكبير من القروض سيعني عملياً اقتطاع كمية ضخمة من أرباحها على شكل مؤونات مطلوبة للتعامل مع القروض المتعثرة. وفي حال عدم توفّر الأرباح المطلوبة لذلك، فسيعني ذلك اقتطاع المؤونات من الرساميل الموجودة في النظام المصرفي.

حيل أخرى
في كل الحالات، لم تقتصر الحيل المتعلّقة على مسألة تفادي إعادة التصنيف. فالمصرف المركزي مثلاً سمح للمصارف بإعادة جدولة القروض الممنوحة بالليرة اللبنانيّة، على أن يمنح مقابلها للمصارف قروضاً بالدولار الأميركي ومن دون فوائد. هذا النوع من التعاميم، سمح للمصارف طوال الفترة الماضية بتعويم سيولتها بالدولار الأميركي، ولو كانت هذه السيولة بالدولار المحلي، في مقابل إعادة جدولة قروض ممنوحة أساساً بالليرة اللبنانيّة.

وفي مقابل كل هذه الإشكاليات التي تحيط بخطوات المصرف المركزي الأخيرة، لا يظهر في الأفق أي تصوّر فعلي لكيفيّة معالجة أزمة القروض المتعثرة بشكل جذري، خلال الفترة المقبلة. لا بل يبدو أن المصارف ومصرف لبنان يتعمدان تأجيل التعامل مع هذه المشكلة على النحو الذي تم من خلاله تأجيل كل ما يتعلّق بالخسائر المصرفيّة الناتجة عن الانهيار القائم. أما الكلفة الكبرى لهذا النمط من القرارات، فسيدفعها في النهاية المودع، الذي لن يرى قريباً أي حل جذري لأزمة الخسائر التي تعيق استعادته لودائعه.

المرصد- طالبت "جمعية صرخة المودعين" في بيان "القضاء المختص باعتبار كلام حاكم مصرف لبنان رياض سلامة بمثابة إخبار".

وقالت: "بناء على كلام الحاكم من على منبر رئاسة الجمهورية بأن أموال المودعين موجودة عند المصارف اللبنانية حصرا، وبما أن المصارف اللبنانية ترفض منذ سنة ونيف إعطاء المودعين حقوقهم المالية، نناشد القضاء المختص اعتبار كلام الحاكم بمثابة إخبار والتحرك بفعالية وديناميكية لإرجاع الحقوق إلى المودعين"، لافتة الى ان "هذا من شأنه ان يعود إلى البلاد بفوائد إقتصادية واجتماعية وأن يحرك الحياة والدورة المالية والاقتصادية".

وأشارت الى ان "الجمعية كانت تعول وما زالت تعول على نهوض البلد من كبوته بفضل أصحاب الضمائر الحية والنيات الحسنة والكف النظيف في النظام القضائي اللبناني"، وتتمنى "ألا تخيب آمالنا في هذا الموضوع الحيوي والحياتي بالنسبة للمودعين والوطن".

بين 800 مليون ومليار دولار أميركي، هو المبلغ الذي وجدت منظمة العمل الدولية أنّه كاف لدعم الفئات التي لن تتم حمايتها بعد رفع «الدعم»، وإعداد الأرضية لبرنامج الحماية الاجتماعية. يأتي المشروع بالتزامن مع الحديث عن رفع «الدعم»، وعدم توصّل الحكومة إلى بديل يحمي الفئات الضعيفة من تبعات السقوط. أهمية الورقة أنّها تُركّز على إصلاح النظام الضريبي وتعزيز دور الدولة تجاه السكّان

ربع أو ثلث المبلغ الذي يُدفع حالياً على تمويل استيراد بعض المواد بناءً على سعر صرف 1507.5 ليرة لكلّ دولار، «كافٍ لوضع أساسٍ متين لأرضية الحماية الاجتماعية التي يحتاجها لبنان بشدّة». الخلاصة الواردة ضمن تقرير جديد صادر عن منظمة العمل الدولية و«اليونيسيف»، تمّت بناءً على تقديرات البنك الدولي في ما خصّ كلفة ما يُسمى «الدعم» الذي يؤمنه مصرف لبنان لاستيراد الوقود والدواء والقمح وبعض المواد الغذائية والأولية. وبحسب البنك الدولي، فإن هذا المبلغ يصل إلى 3 مليارات و360 مليون دولار (لا تتضمن المبالغ المدفوعة لصالح مؤسسة كهرباء لبنان، وقدّرها البنك الدولي بـ189 مليار ليرة شهرياً). رقم البنك الدولي بحدّ ذاته يكشف «فضيحة»، لأنّه يُناقض الكلفة التي يدّعي مصرف لبنان أنّه دفعها من حساب التوظيفات الإلزامية (أو ما يُطلق عليه تسمية الاحتياطي الالزامي)، كما الأرقام الواردة في المسودة التي وضعتها الحكومة لخطّة «ترشيد الدعم»، وقد ذكرت 5 مليارات و40 مليون دولار ككلفة «دعم». الفضيحة أنّه في عام 2020، الفترة نفسها التي قدّر خلالها البنك الدولي أنّ «الدعم» لم يُكلّف أكثر من 3.3 مليارات دولار، سجّلت الموجودات بالعملات الأجنبية لدى مصرف لبنان تراجعاً بقيمة 14 ملياراً و274 مليون دولار أميركي، أي إنّها أموالٌ خرجت من «المركزي». فإذا صحّت تقديرات البنك الدولي، وتبيّن أنّ «المركزي» - الذي يأخذ المواطنين والحكومة رهينة تهديداته بوقف مدّ المستوردين بالدولارات - لم يدفع سوى 3 مليارات و360 مليون دولار، فالسؤال واجب عن مصير 10 مليارات و900 مليون دولار. هذا السؤال يُفترض أن يُجيب عنه - وربما يُحاكَم عليه - الحاكم رياض سلامة.
بصرف النظر عن التفاوت في أرقام كلفة «الدعم»، وضعت مُنظمة العمل دراسة تُعلن فيها أنّه بمبلغ يراوح بين 800 مليون دولار ومليار ومئة مليون دولار (على اعتبار أنّ فاتورة «الدعم» هي 3 مليارات و360 مليون دولار)، يُمكن تنفيذ «مجموعة كاملة من المنح الاجتماعية توفّر حماية كافية لدخل جميع الذين يتعرضون لحالات طارئة أثناء حياتهم». ما الفرق بين مشروع منظمة العمل والبرامج التي تستهدف الفئات الأكثر فقراً، أكان برنامج استهداف الأسر الأكثر فقراً، أم المساعدات التي توزعها الحكومة بواسطة الجيش اللبناني، واتفاقية القرض مع البنك الدولي البالغ 246 مليون دولار، والبطاقة التمويلية التي تُريد الحكومة إصدارها قبل رفع «الدعم»؟ يُجيب العاملون على الورقة أنّ البرامج الأخرى «تستهدف الفقر والأكثر فقراً، وسيستمر دعمهم». تبقى فئة اجتماعية في الوسط مفقودة، «ليست تحت عتبة خطّ الفقر، وفي الوقت نفسه لا تملك أي نوع من الحماية، وتحديداً الضمان، هؤلاء نريد أن نحميهم على المدى الطويل، ونوفّر لهم مساعدات مُموّلة من الضرائب وتكون علاقتهم مباشرةً بالدولة». الإعانات الأساسية والرعاية الصحية ستوجّه للمسنين وذوي الإعاقة والأطفال، مع التأكيد أن لا شيء يحلّ مكان «نظام الحماية الاجتماعية القائم على الحقوق للجميع».
توفير الدعم لمن ليسوا تحت خط الفقر وفي الوقت نفسه لا يملكون نظام حماية
تأتي هذه المقاربة لتُقدّم رؤية مختلفة عن برامج البنك الدولي وغيره من المؤسسات الدولية، التي تعمل على «مَسح» دور الدولة نهائياً وقطع علاقتها بالمواطنين، داعيةً إلى إلغاء الدعم و«التعويض» عنه بقرض يوزّع على فئة مُحدّدة من الناس من دون معايير واضحة، وهامش الخطأ فيها مُرتفع. منظمة العمل تتحدّث عن «نظام الحماية الاجتماعية المُتعدد المستويات القائم على الحقوق، ولا يستهدف مجموعات مُحدّدة»، بل يقوم على تأسيس «أرضية اجتماعية، أي حماية كلّ من يواجه مشكلة ما عبر دعمه من أموال الضرائب. لذلك، من المهم أن تترافق الخطّة مع إصلاحات في الضمان الاجتماعي ونظام الضريبة التصاعدية.
يقول المدير العام لوزارة الشؤون الاجتماعية، القاضي عبد الله أحمد، إنّ ما تطرحه منظمة العمل الدولية «أفكار تداولناها في ورشات العمل لوضع استراتيجية الحماية الاجتماعية، أكان من قبل الوزارة أم الحكومة، وتُحاول منظمة العمل بنشر ورقتها استباق موضوع الاستراتيجية. كما أنّ بعض النقاط المذكورة، ناقشناها من دون أن تُعتمد»، مُعتبراً أنّ دفع مبالغ مالية لفئات مُحدّدة «يُشبه شبكة الأمان الاجتماعي وليس استراتيجية الحماية التي تقوم على مقاربة حقوقية أساسها أنّ للمواطن حقوقاً تؤمّن عن طريق توفير الخدمات أو جزء منها له». بالنسبة إلى منظمة العمل، ما ورد في ورقتها «جزء بسيط من نقاشات الاستراتيجية الاجتماعية».
في حديث مع «الأخبار»، يذكر المُتخصص في الحماية الاجتماعية في «المنظمة»، لوكا بيليرانو، عن حوارات تتمّ مع منظمات مدنية وأحزاب وإدارات عامة حول الحماية الاجتماعية «وتكون مبنية على العدالة الاجتماعية. السؤال هو إن كان الشعب حاضراً للضغط ووضع نظام حماية يتعدّى استهداف مسألة الفقر». من الأمور الأساسية «كسر زبائنية الخدمات والمساعدات، وبناء نموذج المواطنة عن طريق تعزيز دور الدولة ووضع سياسات مستدامة مموّلة من الضرائب». لبنان، يقول بيليرانو، فيه الكثير من اللاعدالة، «يجب دعم الدخل الذي سيُعزّز الاقتصاد، وتأمين عدالة الفُرص».

جريدة الجمهورية - انطوان فرح

 

ثلاثة أيام تفصلنا عن بدء عمل المنصة الالكترونية لمصرف لبنان، فيما دولار السوق السوداء يعاند ويستمر ثابتاً على مقربة من عتبة الـ13 الف ليرة للدولار. ماذا يعني ذلك؟ هل سيتغيّر الوضع يوم الخميس، وهو الموعد المحدّد لبدء التداول عبر المنصة؟ وما هي احتمالات النجاح والفشل في هذا الإجراء الجديد؟

 

م يتمّ الإعلان عن إطلاق المنصة الالكترونية لمصرف لبنان قبل نحو شهرين، في اجواء عادية، بل تحت الضغط، وفي مناخٍ متشنّج. يومها، كان رياض سلامة يخضع للمساءلة من قِبل السلطة السياسية حول الاسباب التي أدّت الى تحليق دولار السوق السوداء ووصوله الى 15 الف ليرة. وكانت السلطة السياسية، تشير الى ارتفاع الدولار وكأنّه مؤامرة محبوكة في الغرف السوداء لأهداف سياسية.

 

في هذه الاجواء، جرى الاعلان عن المنصّة المركزية، وتمّ الترويج لها على أنّها علاج ناجع لمسألة استمرار ارتفاع الدولار، كما تمّ الترويج لسعر ثابت للدولار في حدود الـ10 آلاف ليرة. كل هذا الكلام لم يكن في موقعه الصحيح، وحتى من يطلقه كان يعرف ذلك، لكن الهدف كان محاولة اشاعة مناخ ايجابي يؤمل منه أن ينعكس فعلياً على سعر الدولار في السوق السوداء.

 

انطلاقاً من هذا الواقع، ما هي التوقعات المستقبلية لعمل المنصّة، ولتطور سعر صرف الليرة؟

 

لا بدّ من التوضيح انّ مبدأ وجود منصة مركزية للتداول الحر أمرٌ مطلوب لجسّ نبض السوق، ومعرفة السعر التقريبي الحقيقي للعملة الوطنية. هذا المبدأ يمكن اعتماده ضمن أي خطة اقتصادية انقاذية بهدف توحيد سعر الصرف، ومن ثم اتخاذ قرار بالسعر المرجعي الذي سيجري اعتماده لليرة، بحيث يكون سعراً واقعياً يعكس العرض والطلب والمخزون الاحتياطي، بالإضافة الى اداء الاقتصاد القائم والمتوقع على المدى القصير. ومن خلال تجارب الدول التي مرّت بأزمات مالية وانهيارات وافلاسات، ومن ثم باشرت تنفيذ خطط انقاذ، يتبين انّ سعر العملة في السوق السوداء يعكس الى حدّ ما المستوى الحقيقي للسعر الذي ينبغي اعتماده في مرحلة الخروج من الأزمة. لكن هذا الامر غير مُتاح بالنسبة الى الوضع اللبناني انطلاقاً من نقطتين:

 

اولاً- استمرار سياسة دعم السلع المستوردة من قِبل المركزي، بما يعني انّ السوق السوداء لا تعكس الحجم الحقيقي للعرض والطلب.

 

ثانياً- احتمال وجود مضاربات وألاعيب تداولية تهدف إما لتحقيق ارباح سريعة، وإما للضغط السياسي.

 

من هنا، يمكن الاستنتاج انّ المنصة المركزية ستكون قادرة على مراقبة السوق لمنع المضاربات المشبوهة أو فضحها، لكنها لن تكون قادرة على تحديد السعر الحقيقي لليرة منذ الآن، من اجل اعتماده عندما يبدأ تنفيذ خطة الإنقاذ، هذا اذا بدأت يوماً ما.

 

 

الشفافية التي يفترض ان تؤمّنها المنصّة لا يمكن أن تتحقّق إلّا بشرط وحيد، ينصّ على نجاح المنصّة في الغاء السوق السوداء والحلول مكانها. ولكي نصل الى هذه المرحلة ينبغي ان تعمل المنصة على غرار آلية السوق السوداء، أي انّ تشتري وتبيع الدولار. وحتى الآن، عُرف كيف ستبيع الدولارات الى المستوردين، وبأي سعر، ومن أين ستأتي المصارف بالدفعة الاولى من هذه الدولارات، لكن لم يُعرف بعد كيف سيحصل الافراد على الدولارات، وأين سيبيعون دولاراتهم. المنطق، انّ كل هذه العمليات ستتمّ في المصارف ولدى الصرافين الشرعيين، وإلّا فإنّ السوق السوداء ستستمر وستقضي مع الوقت على المنصة، وعلى قسم من دولارات المركزي.

 

في كل الاحوال، واذا سلّمنا جدلاً بأنّ المنصة ستنجح في الاقلاع وفق آلية عمل السوق السوداء، وانّها ستنجح مع الوقت في الغاء السوق السوداء، وتصبح هي بمثابة السوق الحرة لتبادل العملات، فهل سيكون الوضع أفضل، لجهة سعر الصرف؟

 

في الواقع، تنطلق المنصّة بالتزامن مع ارتفاع منسوب التشاؤم على المستوى السياسي، بحيث اصبح هناك قناعة بأنّ العهد قد ينتهي بلا حكومة. كذلك، تشير ملامح النقاشات الى انّ هدر الدولارات بالدعم العشوائي سيستمر بصرف النظر عن سقف الاحتياطي الالزامي، وبالتالي ستستمر مسيرة الإنحدار بسرعة اكبر. وهذا يعني حصول ضغط اضافي على الليرة، بما يضع مصرف لبنان وحاكمه امام خيارات كلها صعبة، على اعتبار انّه سيصبح مسؤولاً الى حدٍّ ما عن السوق الحرة وتقلّباتها، في حين انّه كان يتنصّل من أي مسؤولية في السوق السوداء.

 

إذا فلت سعر الدولار بسبب اشتداد الضغط سيكون مصرف لبنان امام الاحتمالات التالية:

 

1- ترك السوق يفرض السعر المناسب، وهذا يعني احتمال تحليق الدولار، وإشاعة القلق والرعب والبلبلة في البلد.

 

2 - التدخّل في السوق لبيع الدولار، وهذا يعني تسريع استنفاذ ما تبقّى من دولارات، وتأجيل الكارثة بضعة أشهر، وتقليل فرص النجاة لاحقاً.

 

3 - وقف بيع الدولار عبر المنصّة والسماح مجدداً بعودة السوق السوداء.

 

كل الخيارات ستكون صعبة وقاسية، والأرجح انّ سلامة سيتعرّض لضغوطات سياسية من العيار الثقيل لإلزامه بالتدخّل، خصوصاً انّه سيصبح مسؤولاً الى حدٍ ما عن السوق، بسبب إشراف المركزي على منصة التداول، وسينتقل البلد بسرعة من تحت الدلفة الى تحت المزراب... كل الطرق المرسومة حتى الآن توصل الى جهنم.

 

جريدة الاخبار

 منصة صيرفة، العملة اللبنانية الرقمية، منصة استيراد الأدوية... ثلاثة مشاريع فوّض مصرف لبنان تنفيذها - من دون مناقصة - إلى شركة واحدة هي «فوو». الرابط بين الشركة ومصرف لبنان، هي ماريان الحويّك، مساعدة الحاكم رياض سلامة التي ورد اسمها إلى جانبه في القضية التي يلاحقه فيها القضاء السويسري. الحويّك تعاقدت، عبر شركة خاصة بها، مع «فوو» لتنفيذ مشاريع لصالح «المركزي». ودُفعت تكلفة المشاريع بالدولار الأميركي، وحُوّل جزء منها إلى خارج لبنان. هو فصلٌ جديد من استغلال السلطة وهدر أموال المودعين على مشاريع غير ضرورية، ولم تُبصر النور أصلاً. الشركة نفسها ستتولى تنفيذ مشروع «المنصة» التي يَعِد سلامة بإطلاقها تحت عنوان «ضبط سعر الدولار في السوق»


حصل ذلك بين 2019 و2020، أي في عزّ انفجار الفقاعة المالية والنقدية والاقتصادية في لبنان، و«نقّ» سلامة الدائم بأنّه لم يعد يملك الدولارات الكافية للدفاع عن استقرار الليرة، ولا لدعم استيراد المشتقات النفطية لزوم كهرباء لبنان والسلع الأساسية للسكّان. واستناداً إلى الحجّة نفسها، يرفض «المركزي» تمويل البطاقات التمويلية لتعويض وقف الدعم عن الاستيراد، ويمتنع عن ردّ أموال المودعين إليهم. في المقابل، حدّد سلامة «أولوياته» لمواجهة مرحلة الانهيار: «مدّ يده» إلى دولارات المودعين لتنفيذ مشاريع غير ضرورية في المرحلة الراهنة، ودرّ الأرباح إلى حسابات مُساعدته، التي ورد اسمها في الملفات القضائية المفتوحة ضدّ سلامة في سويسرا وبريطانيا وفرنسا، حيث يُشتَبه فيه بتبييض الأموال واختلاسها.

421 ألفاً و800 دولار أميركي، فاتورة تلقّتها «فوو» من مصرف لبنان


أداة الحويّك التنفيذية في الفضيحة الجديدة هي شركة «CloudX - كلاود إكس» التي أسّستها سنة 2018، وتولّت تنظيم المؤتمر الدولي السنوي، الذي يعقده مصرف لبنان حول الشركات الناشئة. وظيفة «كلاود إكس» - أو ماريان الحويّك - كانت التعاقد مع شركة «FOO SAL - فوو» لتنفيذ برامج لصالح مصرف لبنان، بمبالغ مُرتفعة، تُدفع حصراً بالدولار الأميركي. مثلاً، حوّل «المركزي» إلى حساب «فوو» في البنك اللبناني الفرنسي مبلغ 421 ألفاً و800 دولار أميركي في 30 حزيران 2020 (فاتورة رقم 146 - 2020). هذه قيمة فاتورة واحدة تلقّتها الشركة، من جُملة فواتير أخرى، لقاء العقد الموقّع بين الفريقين لإطلاق «منصّة صيرفة»، التي لم تكد تبدأ بالعمل عام 2020، حتّى توقفت عن العمل، وها هي الشركة تستعد لإطلاق منصة «صيرفة 2» التي يروّج لها سلامة، منذ أسابيع، لاستخدامها لعمليات الصيرفة لدى المصارف.
شركة «فوو» مُتخصّصة في كلّ ما له علاقة بالأنظمة المعلوماتية والتطبيقات، وخدمات ما قبل البيع وما بعده، مملوكة من إيلي نصر، وغدي الريّس، وطلال البجّاني، ونائب رئيس مجلس إدارة شركة «زين» للاتصالات ورئيسها التنفيذي بدر الخرافي، والرئيس التنفيذي للعمليات المجموعة في «زين» مارك سكوت - جيجنهيمر، والرئيس التنفيذي السابق لـ«تاتش» ايمري غوركان، والرئيس التنفيذي للشؤون المالية في «تاتش» أسامة متى. المشاريع التي وقّعت على تنفيذها لصالح مصرف لبنان هي: منصّة صيرفة، العملة الرقمية، منصّة استيراد المعدات الطبية والأدوية. لم تحصل «فوو» على المشاريع بعد فوزها بمناقصة، ولا يظهر لماذا تمّ اختيارها دون غيرها لتقديم خدمات موجودة لدى شركات أخرى وبأسعار تنافسية. حاولت «الأخبار» التواصل مع غدي الريّس وإيلي نصر للاستيضاح منهما عن العقود، التي اطلعت عليها؛ الأول لم يُجِب، أما الثاني فطلب، بعد معرفة هوية المُتصل، معاودة الاتصال به «بعد ربع ساعة»، ولكنّه لم يعد يجيب!

«منصّة صيرفة»
بدأت المفاوضات بين شركتَي «كلاود إكس» (ماريان الحويّك) و«فوو» (ممثلة بإيلي نصر) لإطلاق منصّة صيرفة، قبل أن يُصبح مصرف لبنان لاعباً مباشراً. هذه المنصة أُطلقت في حزيران 2020، وشرح «المركزي» يومها أنّ الهدف منها هو «تداول الدولار والعملات الأجنبية في كل مؤسسات الصرافة. وتهدف إلى تنظيم عمليات التداول بالدولار التي تقوم بها مؤسسات الصرافة في لبنان، حماية لاستقرار سعر صرف الليرة اللبنانية».
وُضعت مسوّدة الاتفاقية ومدتها ثلاث سنوات قابلة للتجديد تلقائياً إلا في حال راسل الزبون (مصرف لبنان) «فوو» خطياً قبل شهر واحد أقلّه برغبته إنهاء الاتفاقية. وقد تضمّنت أيضاً أنّه في حال طلب مصرف لبنان من «فوو» تقديم خدمات الدعم والصيانة سنوياً، «يجب وضع اتفاقية جديدة مُخصّصة للدعم وصيانة البرامج»، وهذا ما حصل في 30 تشرين الأول 2020.
حُدّدت التكاليف على الشكل التالي:
- بدل الترخيص 85 ألف دولار سنوياً، تُدفع على ثلاث سنوات
- 135 ألف دولار تكاليف المرحلة الأولى
- 125 ألف دولار تكاليف المرحلة الثانية
- 35 ألف دولار تكاليف المرحلة الثالثة
يعني أنّ كلفة المشروع الإجمالية هي 550 ألف دولار، تضاف إليها تكاليف الصيانة السنوية، البالغة 81 ألف دولار، يبدأ تقاضيها بعد سنة من بدء العمل بالمشروع. يدفع مصرف لبنان في السنة الأولى 380 ألف دولار، وفي السنتين الثانية والثالثة يدفع 85 ألف دولار (من دون تكاليف الصيانة والدعم)، و166 ألف دولار إذا تضمنت هذه التكاليف، على أن يُترك الخيار له. «يتمّ دفع الرسوم المستحقة لـ«فوو» بالدولار الأميركي الطازج حصراً، وتُدفع في حساب الشركة بالدولار في لبنان»، بحسب ما ورد في العقد. وللتذكير، فإن هذه المنصة ما كادت تبصر النور حتى توقفت عن العمل، ولم يبق منها إلا الاسم المعروف لسعر الدولار الذي حدده رياض سلامة لتسديد دولارات المودعين بالتقسيط الممل، وهو 3900 ليرة للدولار الواحد (سعر المنصة). وما تقدم يعني أن العقد مع «فوو» كان هدراً خالصاً.
وللتذكير، فإن منصة صيرفة التي أعلن سلامة إطلاقها في تموز 2020، من دون أن تتحوّل إلى واقع ملموس مستمر، هي غير تلك التي يَعِد حاكم مصرف لبنان، منذ 16 نيسان 2021، بإطلاقها إما الإثنين وإما الخميس من كل أسبوع، والتي يسوّق لها بصفتها ستجعل سعر صرف الدولار في السوق «مضبوطاً» عند حدود 10 آلاف ليرة للدولار الواحد! وشركة «فوو» هي التي ستتولى تنفيذ منصة سلامة الجديدة.

دفع «المركزي» مليونَي دولار نقداً لتنفيذ العملة الرقمية التي لم تبصر النور بعد


العملة اللبنانية الرقمية
عام 2018، أعلن رياض سلامة أنّ البنك المركزي سيُصدر عملة رقمية محلية لـ«تفعيل التكنولوجيا المالية ومواكبة التطور». وفي آب 2019، وقّعت شركة «كلاود إكس» و«فوو» عقداً لإطلاق منصّة العملة اللبنانية الرقمية، التي أُطلق عليها تسمية «LDP». وتشرح الاتفاقية أنّ الغرض الرئيسي من المنصة «نقل السوق اللبنانية إلى اعتماد نظام دفع غير نقدي». صحيحٌ أنّ «كلاود إكس» وقّعت العقد لتُنفّذه نيابةً عن مصرف لبنان، إلا أنّ الاتفاقية حفظت لها حقّها في «إعادة بيع ترخيص المنصّة للبنك المركزي اللبناني، أو المؤسسات المالية اللبنانية المرخصة، أو الشركات العاملة في الأسواق المالية المُرخص لها العمل داخل لبنان».
تُشير الاتفاقية بين «كلاود إكس» و«فوو» إلى أنّ البنك المركزي هو المسؤول الوحيد عن إصدار العملة الرقمية، وتحصل المصارف عليها منه، أما العملاء من غير المصارف فيُمكنهم طلب العملة الرقمية من مزوديها المُعتمدين.
هؤلاء المزودون هم «مالكو محافظ العملات الرقمية، التي لن يكون للمصارف أي سيطرة عليها. ولكن يُمكن تفويض المصارف أو شركات التحويل المالي، التأكد من معلومات العملاء وصحة مستنداتهم».
أما بالنسبة إلى التكلفة، فيجب على الزبون (مصرف لبنان مُمثلاً بـ«كلاود إكس») أن يدفع إلى «فوو» 2 مليون و212 ألف دولار أميركي، لا تشمل الضريبة على القيمة المُضافة. تؤكّد معلومات «الأخبار» أنّ المبلغ حُوّل كاملاً إلى حساب مالكي «فوو» في دبي، من دون أن تكون الأعمال قد أُنجزت. المليونا دولار أميركي، «الفريش»، دُفعا من أموال المودعين، وهو مبلغ يُساوي قرابة أشهر من دعم استيراد المواد الأساسية للمواطنين. ورغم ذلك، لم تبصر العملة الرقمية النور.



منصة الأدوية
الاتفاقية الثالثة التي وقّعها مصرف لبنان مع «فوو» هي إطلاق منصّة «بروبو - PROBO»، لتنظيم استيراد المعدات الطبية والأدوية. جرى التوقيع في 2 أيلول 2020، وهي تضم الشروط نفسها المنصوص عليها في الاتفاقيتين السابقتين. قدّمت «فوو» عرضاً تجارياً إلى مصرف لبنان، يتضمن تكلفة المشروع البالغة 409 آلاف دولار أميركي، إضافة إلى 57 ألفاً و260 دولاراً أميركياً لتغطية الصيانة وأعمال الدعم، يبدأ دفعها بعد إطلاق عمل المنصّة. وهذا المبلغ لا يشمل التكاليف الأخرى التي قد يتمّ تكبدها، كالتعاون مع شركات أخرى لتنفيذ أعمال الحماية للتطبيق الإلكتروني والمنصة، ورسوم الاستضافة التي اتفقت «فوو» مع شركة «كابيتال أوت سورسينغ - Capital Outsourcing» للقيام بها. وكما في العقود السابقة، لا تقبل «فوو» إلا الدفع بالدولار الأميركي «الطازج»... من أموال المودعين.

جريدة المدن-11-1-2021

علي نور


قبل يومين، أعلن حاكم مصرف لبنان رياض سلامة أن عصر تثبيت سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار الأميركي انتهى. والاتجاه حالياً نحو سعر صرف معوم يحدده السوق " لكن أي تعويم للعملة سيعتمد على مفاوضات مع صندوق النقد الدولي".

منذ التسعينات، أصرّ رياض سلامة على سياسة تثبيت سعر الصرف. وكرّسها كواحدة من المسلّمات في النموذج الاقتصادي اللبناني، التي لا يجرؤ أحد على التشكيك بها أو مناقشتها. ومع الوقت، تحوّلت قدرته على ضمان سعر الصرف الثابت إلى معيار من معايير نجاح المصرف المركزي، التي يتغنّى بها دوماً. فأصبح أسير هذه اللعبة التي وضع قواعدها بنفسه. في معظم بلدان العالم، تصرّ المصارف المركزيّة على انتظام سوق النقد كإحدى إهدافها، إلى جانب أهداف كثيرة أخرى مثل التأسيس لنمو اقتصادي مستدام وثابت، وتأمين سلامة النظام المالي ووسائل الدفع. لكن هذه المصارف لا تضع ثبات سعر الصرف الدائم كمعيار من معايير نجاحها. لا بل تلجأ معظم المصارف المركزيّة في العادة إلى ترك أسعار صرف عملاتها تتذبذب وفق هوامش محددة، كإحدى الوسائل المعتمدة لتحقيق الأهداف الأخرى، مثل السيطرة على معدلات التضخم، أو ضبط عجز ميزان المدفوعات.

سياسة كارثيّة
في إصراره على ثبات سعر الصرف، كان سلامة يخالف معظم آراء الخبراء الاستراتيجيين، الذين حذروه كثيراً من خطورة هذه السياسة على تنافسيّة الإنتاج المحلي مقابل المنتجات المستوردة داخل لبنان، وعلى تنافسيّة صادرات لبنان في أسواق الخارج. وحين بدأت أزمة ميزان المدفوعات بالحدوث منذ 2011، حذّره الخبراء من خطورة الإصرار على هذه السياسة على سلامة النظام المالي. خصوصاً أن سلامة كان ينفق من لحم المودعين الحي، ويبدد دولاراتهم المودعة في المصرف المركزي، لتمويل الاستيراد وتثبيت سعر صرف الليرة، بدل أن يعمد –كما قام إدمون نعيم في الثمانينات- إلى ترك السوق تصحح سعر الصرف تدريجيّاً، لإعادة التوازن إلى ميزان المدفوعات من دون أن يدمّر القطاع المالي.
من غير الواضح سبب إصرار الرجل طوال تلك السنوات على هذه السياسة، التي ضخّمت خسائر مصرف لبنان وأطاحت بانتظام القطاع المالي بأسره، وأنتجت نموذجاً اقتصادياً ريعياً لا تقوى منتجاته على المنافسة. قد ترتبط المسألة فعلاً بكون سلامة أضحى –كما ذكرنا سابقاً- أسير اللعبة بعد أن سوّق ثبات سعر الصرف كمعيار نجاح له، لا بل تحوّل ثبات سعر الصرف إلى درّة تاجه التي يرمقها الإعلام والجمهور باحترام، ولا يمكن أن يتنازل عنها، رغم أن منطق عمل المصارف المركزيّة كان يفرض عليه التنازل عن هذه السياسة في وقت مبكر. خصوصاً بعد ظهور أولى علامات الأزمة سنة 2011.

وقد يرتبط هذا الإصرار على تثبيت سعر الصرف بأمور أخرى، كمصالح وأرباح وحسابات متشعّبة لا ندرك تفاصيلها، منها على سبيل المثال هويّة المستفيدين من سندات الدين بالليرة، والهندسات الماليّة التي ضخمت أرباح المصارف على حساب خسائر مصرف لبنان المتعاظمة، والتي جرت بحجّة الحفاظ على الاحتياطات والدفاع عن سعر الصرف.

في كل الحالات، بتنا نعلم بقيّة الحكاية اليوم: طارت دولارات المودعين في مصرف لبنان بين 2011 و2019، وكشف النظام المالي عن عورات سياسة سلامة على حين غرّة، واكتشفنا علاقة النموذج الاقتصادي الريعي بسياسات مصرف لبنان النقديّة. كل هذه التضحيات كانت في سبيل حماية منظومة احتلّت فكرة الدفاع عن سعر الصرف ركناً أساسياً فيها.

سلامة ينعي سياسته
من الناحية الرمزيّة، مثّلت مقابلة رياض سلامة الأخيرة محطّة لا يمكن تجاوزها، إذ بدا أشبه بقائد الجيش يخبر جنوده أنّه قرر أن يتجاوز هدف المعركة الأوّل، بعد أن ضحّى بالبلاد والعباد لأجل هذا الهدف بالذات. تخطينا مرحلة سعر الصرف الثابت، وسنتجه إلى سعر صرف عائم بالتفاهم مع صندوق النقد الدولي، بعد أن ضحينا بإنتاجية اقتصادنا وبودائع نظامنا المالي، لأجل فكرة تثبيت سعر الصرف. سنتجه إلى سعر الصرف العائم، لكن بعد أن أحرقنا الأخضر واليابس بين 2011 و2019 من خلال أدوات التعامل مع أزمة التحويلات الخارجيّة، للدفاع عن سعر الصرف الثابت. في لحظة واحدة، انكشفت عبثيّة أدوات الحاكم للتعامل مع الأزمة منذ حدوثها. وهذا أهم ما في تصريحه.

لكن من الناحية العمليّة، لم يحمل تصريح الحاكم أي جديد بالنسبة إلى التوقعات المتعلّقة بمسار سعر الصرف المستقبلي. فما هو ثابت من أسعار الصرف المتعددة اليوم، ليس سوى ما يدعم المصرف المركزي استيراده من سلع أساسيّة، أي المحروقات والقمح والدواء والمواد الغذائيّة. ومن المعروف أن الحاكم مهّد منذ أشهر لرفع الدعم التدريجي عن هذه المواد، من خلال حديثه في الإعلام والجلسات المغلقة مع الحكومة عن عدم كفاية الاحتياطات للاستمرار بدعم استيراد هذه المواد. ولذلك، دخلت الحكومة منذ مدّة في المداولات الهادفة إلى إيجاد بدائل عن فكرة دعم الاستيراد، كتقديم بطاقات تموينيّة مثلاً، بانتظار قدوم الحكومة الجديدة القادرة على تنفيذ هذا النوع من المشاريع.

بمعنى آخر، تحرير سعر الصرف وإلغاء ما تبقى من دعم للاستيراد بات أمراً واقعاً. وهي مسألة يدركها القاصي والداني منذ أشهر. مع العلم أن الحاكم قدّر حجم الاحتياطات المتبقية والقابلة للاستخدام لدعم الإستيراد بنحو ملياري دولار. ما يعني كفاية هذه الاحتياطات لنحو ثلاثة أو أربعة أشهر فقط من الدعم.

مشروع صندوق النقد
سلامة أصرّ في حديثه على ذكر التفاهم مع صندوق النقد، كبوابة أساسيّة للعبور نحو مرحلة تعويم سعر صرف الليرة. وفي ذلك إشارة إلى مسألتين. المسألة الأولى هي ارتباط تحرير سعر الصرف بسلة متكاملة من الإجراءات التي تأتي ضمن برنامج تقرّه الحكومة، بالتفاهم مع صندوق النقد. ما يعني أن الحاكم غير مستعد للدخول في هذا النفق بخطة يضعها بنفسه، ولا بإجراءات يقرر هو شكلها وأفقها. فما يريده الحاكم هو الغطاء السياسي لهذا النوع من المسارات، خصوصاً أنّه يعلم حجم التبعات التي ستنتج عن رفع الدعم على المستوى المعيشي للمواطنين.

المسألة الثانية، هي أن تعويم سعر الصرف لن يتم إلا وفقاً للنموذج الذي يحبذه صندوق النقد في العادة، والذي يوصي باعتماده في جميع الدول التي يتدخل في أزماتها، وعادةً ما يترافق هذا النموذج مع رزم دعم ماليّة مخصصة لتعامل الدول مع أزمات ميزان مدفوعاتها.

هذا النوع من الإجراءات يستهدف أولاً إعادة سوق القطع إلى كنف النظام المالي الشرعي، من خلال سعر صرف موحّد وعائم يحدده السوق، أما رزم الدعم المالي فتدخل هنا على الخط لخلق هذا السوق وترويضه في المرحلة الأولى، وسحب التبادلات الماليّة قدر الإمكان من السوق السوداء. في الوقت نفسه، تترافق هذه الإجراءات مع رفع الدعم تدريجيّاً عن السلع الأساسيّة، وهو ما سينتج عنه امتصاص لكمية أكبر من السيولة بالليرة من الأسواق إلى داخل النظام المالي، بسبب ارتفاع أسعار هذه السلع. أما العنصر الأهم في هذه المعادلة، فهو تطبيق قيود قاسية جداً على سيولة النظام المالي بجميع العملات، بما فيها العملة المحليّة، لمنع تدفقها إلى الأسواق والتأثير على سعر الصرف.

في الحالة المثاليّة، أي في سيناريو نجاح هذا النوع من الخطط، تساهم القيود على السيولة، مع امتصاص العملة المحليّة بعد ارتفاع سعر المواد التي كانت المدعومة، وانخفاض الطلب على دولار السوق السوداء بفعل انخفاض القدرة الشرائيّة.. تساهم كل هذه العوامل بخفض سعر صرف السوق السوداء تدريجيّاً، فيما يرتفع تدريجياً سعر صرف النظام المالي (المعوّم). وفي النهاية، يفترض أن يلتقي السعران في نقطة معينة، تكون هي سعر الصرف الموحد والجديد.

في الخلاصة، لن تكون النتيجة المتوقّعة لهذا النوع من البرامج ارتفاع سعر صرف السوق السوداء، بل على العكس، يُفترض أن تنخفض لتلاقي سعر الصرف الرسمي المعوّم الجديد في نقطة وسطيّة. لكنّ ذلك لن يكون من دون تبعات مؤلمة على المستوى المعيشي، بل سيكون الثمن القاسي هنا انخفاض القدرة الشرائيّة بعد رفع الدعم، وسحب السيولة بجميع العملات من الأسواق، في سبيل إعادة التوازن إلى سوق القطع. بمعنى آخر، سندفع هنا وبسرعة قياسيّة ثمن سنوات من السياسات غير المدروسة التي انتهجها مصرف لبنان، لتأجيل التعامل مع الأزمة الماليّة التي كانت تمر بها البلاد.

0
Shares
  1. الأكثر قراءة